علاقة القرآن بالقلب طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

لابد أن ينظم المبلّغ قلبه وضميره وفق القرآن الكريم ويجعله متناغماً معه. ويعبّر القرآن الكريم عن هذا بالآية الكريمة الآتية: (إِنَّ ‏فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37].

نعم إن القرآن الكريم كتاب وعظ وإرشاد وذكر وتذكير، ولكن الشرط الأساس لانفتاح القرآن إلى هذه الجهات هو انفتاح ‏القلوب نحوه. ولأجل ذلك على القارئ أن يسدد نظره ويلقى سمعه نحو القرآن. أي أن يتوجه إلى القرآن الكريم بكيانه كله، إذ من ‏المحال الاستفادة من القرآن على الوجه المطلوب باتباع سبيل آخر. حيث إن من لا ينظم أطواره وفق هذا النسق لا يستطيع أن يرى ‏الجهة المعجزة المنورة للقرآن، فلا يميز كلام الله عن كلام إنسانٍ ما. ومن هبط إلى هذا الدرك لا يرجى منه أن يؤدي عملاً ما باسم ‏القرآن، لأن القرآن يعقب بعد (ذلك الكتاب لا ريب فيه) (هدى للمتقين). أي أنه كلام رب العالمين لا ريب فيه، ولكن لا ‏يستفيد منه على الوجه المطلوب إلاّ المتقين. والمتقون هم أفضل الناس معرفة بالشريعة الفطرية. فكما لا يكون المهمل متقياً، لا ‏يستفيد من القرآن أيضاً حيث إن قلبه قد مات. والآية الكريمة تبين ذلك: (...يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ ‏فَأَوْلَى لَهُمْ.) [محمد: 20].‏

ترى ماذا سيفهم من القرآن ومن كلام الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم من ينظر إليه نظر المغشي عليه من الموت.. ‏لا شيء قطعاً. ولكن الذي يسدد قلبه نحو القرآن يستشعر بالحوادث التي تجري في الكائنات كنبضات قلبه. لماذا؟ لأنه أوجد وحدة ‏بينه وبين الكائنات. فالذين لا يملكون القدرة على جس نبض الحوادث لا يقال عنهم أنهم يعملون شيئاً كثيراً للإرشاد. إذ إن هذا ‏الأمر ذو علاقة بكيفية النظر إلى القرآن ككل.‏

وإذا ما اقتربنا إلى المسألة نفسها من زاوية أخرى نقول: إن أول شرط لا يستغنى عنه المبلّغ قط هو تطبيقه الآيات الكونية ‏الظاهرة في الآفاق والأنفس، بالآيات القرآنية المتلوّة، ومن ثم صياغة مركب منهما. وبمقدار نجاحه في هذا الميدان يوفق في تبليغه ‏وإرشاده. وبخلافه لا شيء إلاّ الإسراف له ولمخاطبيه. ‏

نعم إن المبلّغ يتصف بكامل كيانه بالصفات الإسلامية، وجميع أطواره وأحواله تدل على حيازته لها. وإن القدرة على تحليل ‏الآيات الآفاقية والأنفسية وصياغة تركيب منهما لا تفارق المبلّغ، فضلاً عن الاتصاف باللطف والنـزاهة والشفقة والنظام وأمثالها ‏من الصفات التي تجعل المؤمن مؤمناً حقاً.‏

وبتعبير آخر: كما أن كل صفة من صفات الكافر ليست كافرة فكل صفة من صفات المؤمن أيضاً ليست مؤمنة. وربما تكمن ‏صفاتٌ مؤمنةٌ في فلاح الكفار في الوقت الحاضر في كثير من النواحي في أرجاء الدنيا، وان تلوثنا بصفاتهم الكافرة سبب انهزامنا. ‏وينبغي على المؤمن أن يتصف ويتشبث بكل صفة من صفات المؤمن، وبخاصة المبلّغين الذين هم في مقدمة المؤمنين عامة بل ‏يسبقونهم بخطوات. فمثلاً: المؤمن إنسان اللطف، إنسان النـزاهة، مثال الشفقة والرحمة... وهو بهذه الصفات يرى الكائنات أنها ‏مهد الرحمة، موطن الأخوة.. وحياته منظمة بكاملها، لا يمر عليه آن إلاّ وهو منوّر، لا يعرف الإسراف في الوقت. وليس له قضاء ‏الوقت في المقاهي، لأنه لم يرد شيء من هذا القبيل في السيرة المطهرة، بل موقعه خارج مسكنه المساجد والمعابد ومواضع تبليغ ‏دعوته إلى المحتاجين، فهو محمّل بالمعرفة ومشحون بالعرفان وأبعد من يكون عن الأمور الاعتباطية، إذ هو رجل منهج وخطة دوماً، ‏وهو الخبير بالعلاقة بين السبب والمسبب وهو النافذ نفوذاً تاماً إلى روح الأشياء.‏

نعم مثلما ذكرنا أعلاه إن سبب تفوق الغرب في الوقت الحاضر هو ما أخذوه من صفات المسلمين، لذا تراهم يجولون في ‏الذرى. بينما تحوّل العالم الإسلامي إلى حمّال رذائل صفاتهم، فهو عندما يأتي إلى المسجد يلقي صفاتهم كالمعطف على كتفه، ‏والآخر يسعى إلى الكنيسة بالصفات التي تخص المسلمين. بمعنى أن الغالب في الوقت الحاضر ليس الغرب نفسه وإنما الصفات ‏الإسلامية التي فيهم. وكذا المغلوب ليس المسلمين بل الصفات الكافرة التي قلّدوها. فلا نجاة لنا حقاً إلاّ باعتصامنا القوى بالقرآن ‏الكريم.
 
< السابق   التالى >