| القضاء والقدر من حيث الخلق |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.23 | |
|
ان الله خالق كل شيء. فكل "شيء" مخلوقه، ونحن وأعمالنا داخلون في ذلك "الشيء" ولهذا ورد في القرآن الكريم:(والله خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ)(الصافات:96). وفي حديث شريف يقول الرسول صل الله عليه و سلم (إن الله تعالى صانعُ كل صانع وصنعته)[1]. أي شيء تعملون؟ تنحتون الحجر أو المرمر، فخالقكم وخالق ذلك العمل هو الله. والذي منحكم مَلَكة التفكر، ثم جعلكم تتفكرون ثم بعد ذلك جعلكم تعبّرون عما تتفكرون فيه.. هو الله أيضاً. فما حصة إرادتنا إذن؟ وما وظيفتها في مثل هذه المسائل؟. إن ما نسميه "الإرادة" صغيرة صغيرة إلى درجة ضئيلة جداً بحيث مهما توسعت آفاق نظراتنا وتعمقت لا تستطيع رؤيتها ولا تمييزها، لأن ليس لها وجود خارجي. وهي صغيرة إلى حد لا يمكن إيجاد علاقة بينها وبين ما يترتب عليها من أعمال حسب قاعدة "تناسب العلية". نعم إن إرادتنا مهما كانت صغيرة فإن أفضال الله علينا وألطافه كبيرة وعظيمة. الخالق هو الله. فالقرآن الكريم والسنة النبوية والوجدان الحي اليقظ شهود على هذا. ولهذا فالرسول صل الله عليه و سلم ومن ورائه أمته الذين نحن منهم، نسأله تعالى ما قدّره الله لنا خيراً، إستناداً الى رحمته تعالى لا الى إرادتنا نحن. ولأجل توضيح هذه المسألة فحسب اُورد دعاءً أو دعاءين: (اللّهم اِنِّي أستخيركَ بعِلمكَ وأستَقدرُكَ بقُدرَتِكَ وأسألكَ مِن فَضلكَ العظيم، فإنَّكَ تقدِرُ ولا أقدر وتَعلم ولا أعلَم وأنتَ علاَّمُ الغُيُوبِ. اللَّهُم إن كنتَ تَعلَمُ أن هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني وَمَعاشِي وعَاقبَةِ أمري أو قَالَ عَاجِل أمري وآجله فاقدره لي ويسّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنتَ تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومَعاشي وعَاقبة أمري أو عاجل أمري وآجله فاصرفهُ عَني واصرفنِي عَنهُ واقدر لي الخيرَ حيثُ كانَ ثُم رَضِّنِي بهِ)[2]. فالرسول صل الله عليه و سلم يعلمنا في دعائه هذا بعض أسرار القدر وأنه لا يوصلنا الى الخير ويدفع عنا الشر إلاَّ الله القدير. فهو الذي يبعدنا عن الشر بإذاقتنا آلام السيئات في وجداننا، بينما في الخير يرسل نسائم رحمته في وجداننا فننشرح ونسعى بكل كياننا لنحتضن ذلك الخير. وفي الحقيقة أنه هو وحده "بيده الخير" فلا يقدر سواه على جلب الخير أو إبعاده عنا، ولا احتمال في ذلك لغير ذلك قط. إن الله سبحانه هو الذي صرف البلاء الذي نـزل على سيدنا يوسف عليه السلام ولن نبحث عن البرهان الذي رآه هنا، إلاّ أننا نقول: أن الله سبحانه قد حافظ على نبي عظيم مخلص ووقاه من شر امرأة. ولهذا ذكر في القرآن الكريم : (كَذَلك لِنَصْرِفَ عَنهُ السُّوءَ والفَحشَاءَ إنهُ مِن عِبَادنَا المُخْلَصينَ) (يوسف: 24). فهنا يدخل اللطف والإحسان الرباني بين السيئة وميل إرادة الإنسان وينجي الشخص من الميل إلى الشر. إلاّ أن هناك أمراً واحداً وهو إن إخلاص يوسف عليه السلام هو الذي جلب ذلك اللطف والإحسان لقوله تعالى: (إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ويوضح هذا المعنى حديث الرسول صل الله عليه و سلم ذو المعنى العظيم والمغزى العميق: ( أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)[3]. نعم، إن بلوغ القلب الإخلاص، وجيشانه بحب الله وإجلاله، يعدّ وسيلة لدفع البلايا التي تتعاقب في النـزول. وفي حديث يرويه البخاري أيضاً أن الرسول صل الله عليه و سلم يذكر في أحد أدعيته أن الله خالق الأفعال كما هو خالق كل شيء. وذلك في دعاء الاستفتاح الذي يقرأه بعض الأئمة وجزء منه هو: (اللَّهُم لا مَانِعَ لما أعطَيتَ وَلا مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ وَلا يَنفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدِّ).[4] ففي هذا الدعاء ندرك أنه لا رادّ لقضاء الله وحكمه سبحانه، لذا فليس لنا إلاّ الميل والتوجه. وفي الحقيقة أننا نمتلئ ثقة عظيمة وشعوراً بالاطمئنان بأن الله هو خالق أفعالنا أيضاً. فهذه بشارة عظيمة وإيمان قوي حيث لا يدعنا خالقنا مع أفعالنا، فهو سبحانه في كل آن وحين أقرب إلينا من أنفسنا. ترى ما الذي يفرح الإنسان ويشرح صدره أكثر من هذا؟ فنحن بهذه المشاعر نرمى أنفسنا في أحضان الرحمة ونفوّض جميع أفعالنا إليه تعالى. فهذا التسليم المطلق منّا لله وسيلة لجلب المشيئة الإلهية كالموجة الهادرة يدفعنا إلى بحر المعرفة الإلهية. فنحن ننتظر إرادته ومشيئته بهذه الآمال والرغبات. نرجو ألاّ يخيبنا المولى القدير في انتظارنا هذا (آمين). ولقد ذكرنا في مستهل الموضوع ان الهداية والضلالة من الله تعالى ووجودهما مرتبطان بمشيئة الله وخلقه. والقرآن الكريم يوضّح هذه المسألة توضيحاً وافياً إلاّ أننا نذكر على سبيل المثال آية أو آيتين فقط: (مَن يَهْدِ الله فهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِل فَلَن تَجِدَ لَه وَليَّاً مُرشِداً) (الكهف:17) (ومَن يَهدِ الله فَهُوَ المهتَدِ)(الإسراء: 97) (ومَن يَهد الله فمَا لهُ مِن مُضِل ألَيسَ الله بعَزيزٍ ذِي انتِقَام)(الزمر: 37). من يهد الله تنسكب أشعة الهداية في قلبه حتى تستقر فيه. ومن أراد أن يضلّه فلا يدفع عنه الضلالة أحد حتى لو اجتمع الخطباء والوعاظ معاً وشرحوا كل ما يلزم إنقاذه من الضلالة فإنهم لا ينقذونه، رغم أنهم يؤجرون على عملهم. لأن القابلية للهداية قد سُلبت منه. فلا جدوى من أي عمل. اعتقد ان المنظر العام لحاضرنا مثال كاف وواف لهذا. وهنا يجب ألاّ نُبْعِدَ عَن أنظارنا أمراً وهو: أن الله خالق الهداية والضلالة، إلاّ أنه يخلقهما وفق الإرادة رغم أنها اعتبارية. فالعبد يطلب والله سبحانه المتصف بإسمَي الهادي والمضل يخلق الهداية والضلالة، ولذا فالعبد بالذات هو الضال ولهذا فنحن في الصلاة وفي أثناء قراءتنا لسورة الفاتحة نقول: (غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضَّالِّيِنَ) (الفاتحة: 7) والرسول صل الله عليه و سلم يقول: "إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى"[5]. وحيث إن الموضوع بلغ بنا إلى هذا الموضع فلا بد أن نقف قليلاً لنستعرض مراتب الهداية ومعانيها كي نحول دون الوقوع في الفهم الخاطئ. [1] كنز العمال 1/263: البخاري في خلق أفعال العباد. الحاكم والبيهقي في الأسماء عن حذيفة |
| < السابق | التالى > |
|---|



