القدر نوع من العلم الإلهي طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

القدر هو ما فصّله الله سبحانه ‏‎-‎‏ في علمه ‏‎-‎‏ من تخطيط وتنظيم وتصميم ‏للأشياء. والعلم بالشيء لا يعني إيجاده، إذ لو عرفت تصميم ألف بناء وحفظت ‏خطة عمل لمئات المصانع، فلا يأتي ‏‎-‎‏ بعلمك هذا ‏‎-‎‏ أي شيء للوجود، بمجرد ‏ما في حافظتك من تصميم وتخطيط، إذ لإيجاد تلك المباني والمصانع لابد من ‏إرادة وقدرة. وبخلافه فذلك التخطيط والتصميم ليس إلا علم يخصك وحدك. ‏فأنت تدور فيه خيالاً، وأي عارض في خيالك يؤدي إلى ذهاب تلك البنايات ‏والمصانع، حتى إذا ما ضعفت المخيلة وجفت ينابيعها تصبح كأن لم يدر فيها ‏شيءٌ قط من المعرفة والتصميم والتخطيط.

ونقول أيضاً: إن القدر من نوع العلم، والعلم تابع للمعلوم دائماً أي على ‏أي كيفية يكون المعلوم، كذلك يحيط به العلم. وليس المعلوم تابعاً للعلم. ‏وحيث إن الأمر هكذا فإن الله سبحانه يعلم ما سنعمل وكيف نعمل بإرادتنا، ‏ويضع تقديره على وفق علمه. فعلمُه محيط بكل شيء. بل التعبير بأن هذا ‏الشيء يعود إلى علمه، سوء أدب مع الله، إذ لاشيء خارج علمه. وإنما ‏نستعمل هذا التعبير لتقريب المسألة إلى العقل وبقصد التوضيح.‏

لنفكر ‏‎-‎‏ مثلاً ‏‎-‎‏ في قطار يقطع المسافة بين محطتين معلومتين بزمن معلوم. ‏فهذه نتيجة محسوبة ومحسومة وهي معلومة قبل حركة القطار بكثير. وتطبع ‏هذه المعلومات في قوائم ولوحات أحياناً. فالنتيجة المعلومة هذه عبارة عن ‏تخطيط وتصميم. والآن إذا ما قسنا المثال على مسألتنا نقول: إن هذه النتيجة ‏هو القدر. إلاّ أن هناك أمراً وهو أن هذه المعلومات التي لدينا ليست قوة جبرية ‏تدفع القطار إلى الحركة. بمعنى أن القطار لا يسير إلى المحطة المعنية لأن هذه ‏الخطة مرسومة ومصممة. وإنما لأن القطار سيكون في تلك المواعيد في تلك ‏المحطات في هذه الخطة والتصميم ‏‎-‎‏ أي في قَدَر القطار ‏‎-‎‏ يُسجّل هكذا؛ ‏حيث إن العلم تابع للمعلوم. فكيفما يكن الشيء يكن العلم به، ويوضع ‏التقدير بحقه وفق ذلك العلم.‏

إن علم الله سبحانه يطل من الأعلى، ينظر في آن واحد إلى كل ما حدث ‏ويحدث وما سيحدث. فالسبب والنتيجة، والعلة والمعلول، والبداية والنهاية، ‏مندمجة كلها في علمه، منحصرة كلها في نقطة واحدة بلا زمان ولا مكان. ‏ولهذا فليس هناك أول وآخر، وقبلُ وبعدُ. أي أن علم الله سبحانه محيط بكل ‏شيء من جميع جهاته. فهو سبحانه يقدّر تقديره وفق هذا العلم المحيط. ولهذا ‏فهذا التقدير قد حسب حساب إرادة الإنسان في الأفعال الإرادية ولا يخرجها ‏من حسابه، أي لا يبطلها.‏

إن أفعال الإنسان محفوظة كلها مسبقاً في اللوح المحفوظ، وأن ما قُدّر له ‏بعد ذلك وعُلّق على عنقه هو ما اُستنسخ من هذا اللوح المحفوظ، كما هو ‏واضح في الآية الكريمة: (وَكُلّ إنْسَانٍ ألْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء: 13).‏

نعم إن كل ما سيفعله الإنسان قد كُتب مسبقاً، وإنما هو بأفعاله يضع ما ‏كُتب في حقه موضع التنفيذ. وإن هذا القدر المكتوب هو ما عُلم بعلم الله من ‏أفعال سيفعلها، أي معلومة مسبقاً. وهذا العلم ليس قوة تجبره على الفعل. وإذا ‏ما قورن الكتاب المعلق على عنق الإنسان مع ما يسجله الملائكة من أفعاله، ‏يشاهَد أن الإنسان لم يفعل سوى ما كتب له بحذافيره. والله سبحانه سيُقرئ ‏الإنسان هذا الكتاب ويحاسبه وفق ذلك.‏

وبهذه المناسبة أريد أن أشير إلى ما يأتي:‏

إن الذين يزاولون مسائل الروح مزاولة جادة يقولون: إن الروح قرين ‏الجسد، يعني ان مع البدن المثالي هناك جهة ثانية للإنسان فيها ما يخص حياته ‏من تقدير وتعيين؛ لذا يمكن معرفة ما هو مقدّر للإنسان ‏‎-‎‏ إلى حدّ ما ‏‎-‎‏ عندما ‏يكون الإطلاع كاملاً على ماهية روحه ووظيفته.‏

هذا وإن المشتغلين بـ‎"‎علم القيافة‎"‎‏ ‏‎-‎‏ أي المعاني التي تفيدها الجهة المادية ‏للإنسان كالخطوط الموجودة في كفه ‏‎-‎‏ يقولون: إن هذه الأمور تعني ‏انعكاسات للقدر على جسم الإنسان. أي يمكنهم أن يعرفوا ما سيقع على ‏الإنسان من أحداث ولو بشكل جزئي. حتى أن الذين وهبوا بصيرة نفاذة ‏وفراسة قوية يستطيعون أن يحدسوا بعض مقدرات الإنسان المستقبلية بمجرد ‏النظر إلى سيماه. وهذه الأمور ليست معرفة بالغيب، لأنهم يعتقدون أن الأسرار ‏التي تخص القدر قد وضعت على شكل إشارات وعلامات في جسم الإنسان. ‏وحتى لو كانت هذه الإشارات غيبية بالنسبة للجاهلين بهذا العلم. فإن الغيب ‏بالمعنى الحقيقي لا يُحصر في هذه المعلومات. بمعنى أن ما أوردناه لا يعارض (لا ‏يعلم الغيب إلاّ الله). إذ إن محاولة معرفة القدر من الإشارات والعلامات ‏الموضوعة في جسم الإنسان كان علماً موجوداً حتى في عصر النبوة وكان ‏يسمى العالم به (القائف). والرسول صل الله عليه و سلم لم ينكر هذه المعرفة، ‏بل قد أحضر قائفاً وأطلعه على أسامة وأبيه زيد بن حارثة وهما مضطجعان، ‏وغطاهما الرسول صل الله عليه و سلم وأقدامهما بادية من الغطاء، حيث كان ‏أسامة أبيض البشرة بخلاف والده، ولهذا دار اللغط حولهما. ‏

عن عروة عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ‎ ‎‏ صل ‏الله عليه و سلم شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ‎ ‎بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ إِنَّ ‏هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا‎ ‎مِنْ بَعْضٍ قَالَ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صل الله عليه و سلم ‏وَأَعْجَبَهُ فَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.‏ (1)


‏(1) البخاري، فضائل أصحاب النبي، 17
 
< السابق   التالى >