معاني القدر لغة واصطلاحاً طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 12
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

القدر لغة: التقدير، يقال: قدر الشيء أي بيّن مقداره وقدّر الشيء بالشيء، أي قاسه به وجعله على مقداره. وقدّر الأمر، ‏دبّره، قضى وحكم به. ويرد بمعنى القوة والطاقة أيضاً. وعندما تنتقل الكلمة إلى باب التفضيل: قدّر، يصبح معناها: حكم به، نفذ ‏حكمه، قضى.

نجد من مجموع هذه المعاني أن القدر اصطلاحاً هو: ما قدّره الله سبحانه من القضاء وحكم به.‏

والآيات الجليلة الآتية تؤيد التعريف الوارد أعلاه:‏

‏(وَعِندَهُ مَفَاتحُ الْغَيبِ لاَ يَعلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا في الْبَرِّ وَالْبَحرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ اْلأَرْضِ وَلاَ ‏رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ في كِتَابٍ مُبِين) (الأنعام: 59)‏

‏(قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَراً وَلاَ نَفْعاً إلاّ مَا شَاءَ اللهُ # لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ اِذَا جَاءَ أَجَلُهُم فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقدِمُونَ) (يونس: ‏‏49)‏

‏(وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ في السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِلاَّ في كِتَابٍ مُبينٍ) (النمل: 75)‏

‏(إنَّا نَحْنُ نُحيِي الْمَوتَى وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُم وَكُلَّ شيء أحْصَينَاهُ في إمَامٍ مُبينٍ) (يس: 12)‏

‏(بَل هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ # فِي لَوحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: 22،21)‏

‏(وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الْوَعْدُ إنْ كُنْتُم صَادِقينَ # قُل إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الملك: 26،25)‏

ويرد القضاء والقدر بمعنى واحد من جهة، إلاّ أن القدر - بمعنى آخر- يعني كل ما قدّره الله سبحانه، أما القضاء فهو إنفاذ هذا ‏التقدير، وأداء ما قُدِّرَ وإجراء حكمه.‏

والقدر تفويض كل شيء إلى الله تعالى قبل وجوده في مخطط علمي وبوجوده العلمي. فالأشياء المهيأة لورود الوجود وتحاول أن ‏تأخذ مكانها في سلسلة الوجود، تُكتب في لوح المحو والإثبات الذي هو مستنسخات اللوح المحفوظ من قبل الملائكة الكرام ضمن ‏علم الله المحيط بكل شيء.‏

فالقدر هو اقتران ما خلقه الله سبحانه بكسب الإنسان، أي أن الإنسان يباشر بعملٍ ما، فيؤدي بإرادته ذلك العمل، والله ‏سبحانه يخلق بمشيئته ذلك العمل. وهكذا فالقدر هو تقدير الله سبحانه بعلمه المحيط بالأزل والأبد بوجود الأشياء، قبل وجودها ‏وبعد وجودها وما ستئول إليه في المستقبل؛ لذا فليس صحيحاً عدّ القدر عنواناً للعلم فحسب، إذ معنى القدر يسع فضلاً عن تقدير ‏الأشياء وتعيينها بعلمه سبحانه، بصَرهُ وسَمعَهُ وإرادَتهُ ومشيئته. وحيث إن الأمر هكذا، فإن إنكار القدر يعني إنكار جميع صفات ‏الله سبحانه و تعالي. ولهذا فإن كثيراً من المحققين تناولوا القدر ضمن بحثهم عن ألوهية الله جل جلاله. فقالوا: لا داعي إلى بحث ‏مستقل للقدر، لأن الضرورة تقتضي تناول القدر ضمن بحث الألوهية. إلاّ أننا لا نرى الأمر مثلهم، لأنه ربما يشمّ من هذا المفهوم ‏‎-‎‏ من جهة ‏‎-‎‏ عدم قبول القدر ضمن أركان الإيمان. لذا نقول: مثلما نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ‏كذلك نؤمن بالقدر. وذلك لئلا نكون قائلين بما يومئُ إلى إنكار القدر سواء أكان إجمالاً أو تفصيلاً أو بأي شكل من الأشكال. ‏أما إذا أخذنا أصل المسألة بنظر الاعتبار نرى أن الإمام أحمد بن حنبل يقول: ‏‎"‎القدر من القدرة‎"‎‏ فمن ينكر القدر فإنه ينكر كثيراً ‏من الأمور التي تخص الألوهية. أي تتزعزع عقيدة الألوهية وتتهاوى أنظمة الفكر وأسس المفاهيم.‏

ومن هنا فالقدر موضوع جليل، وقد ضلّ الذين لم يتناولوه ضمن مفاهيم أهل السنة والجماعة. وتدخل عقلانية ‏‎"‎المعتزلة‎"‎‏ ‏وحتمية ‏‎"‎الجبرية‎"‎‏ ضمن هذه الضلالة.
 
< السابق   التالى >