تقديم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

إنَّ مسألة القدر قد عُدَّت من مزَلاَّتِ الأقْدام منذُ سَالف العصُور؛ لذا أَجمل علماء الإسلام أهم أُسسها بالآيات الكريمة ‏والأحاديث الشـريفة، دون أن يخوضوا في جوانبها المتشعّبة والعَميقة صوناً لعوام النّاس من الضياع في مسالك يجهلونها لدى ‏البحث عن التفاصيل الدقيقة التي فيها.

ولكن بمرور الزمن أخذ الفكر المادي ينتشر في العالم كله، حتى أصبح أساساً لأنظمة بعض الدول، والحجر الأساس لأنظمة ‏التعليم في مستوى العالم كله، فبدأت أجراس الخطر وصفارات الإنذار تدقّ عندنا كذلك، إذ أخذ يغزو تدريجاً مراكز التعليم في ‏العالم الإسلامي أيضاً، حتى غدا كأنه أسلوب يحتذى به، فنمّى روح الانتقاد بنشر الشبهات والريب في الأوساط العامة والخاصة. ‏وعندها وجد الماديون مسائل القدر كأنها موضع هَشٍّ للهجوم، فشنّوا هجماتهم في هذا الموضع بما يملكون من قوة، في الوقت الذي ‏كان المسلمون يتحرجون من الخوض فيه.‏

إن الأجيال الحاضرة الذين جُرّدوا من التعليم الديني وحُرّموا منه، باتوا ضعافاً، عزّلاً وبلا حماية ووقاية تجاه هذه الهجمات ‏المكثفة القوية، فأصبحوا حيارى تائهين، بل لم يقدر الكثير منهم الصمود لإنقاذ نفسه من التردي في دوامة الإنكار والجحود.‏

وجبهتنا ما كانت أفضل حالاً من غيرها، إذ كانت تعاني من صدمة عدم التهيؤ والاستعداد للمبارزة، حيث المعلومات المتراكمة ‏منذ أمد بعيد ما كانت تُغني شيئاً لمجابهة أسلحة الهجوم الحالية، فضلاً عن أن الجبهة المقابلة تعمل بتنظيم وتنسيق، وبشخصية معنوية ‏عالمية. وثانيا كانت تستهدف التدمير والتخريب دون التعمير الذي هو صعب وعسير. وثالثاً إنَّ تيار الإلحاد كان قويًّا وسارياً ‏سريان الوباء. ومن هنا ما كان هناك تكافؤ بين الجبهتين: فالجبهة المضادة لها وزنها وثقلها، مما دفع أهل الوجدان الغيارى إلى الفزع ‏من المصير، ولاسيما عندما بدأ هذا الفكر ينتشر انتشار النار في الهشيم حتى غزا المقاهي والمجالس العامة.‏

ففي هذا الوقت الدقيق الحرج بدأ العالم الجليل محمد فتح الله كولن بمواعظه ودروسه بأسلوب المحاورة في سؤال وجواب، ‏وانطلق يجوب في ميدان واسع جدّاً من العمل، بدءاً من منصة الوعظ في الجامع إلى مقاعد المقاهي العامة المنتشرة في المناطق المختلفة ‏في المدينة إلى محيط الجامعة وصفوف المثقفين. وقد كنا شهود عيان لهذا العمل الدائب والخدمة الجليلة، إذ ما كان يصدر سؤال من ‏أي أحد كان، وبأي أسلوب كان، فيطرحه دون تردد وإحجام، إلاّ ويأخذ جواباً شافياً وافياً. ولاسيما الأسئلة الواردة حول ‏مسائل القدر، لما فيها من غموض ومزالق أقدام. فكانت الأجوبة واضحة جلية نيّـِرة تزيل ما علق في العقول والأذهان من أدران ‏الشبهات، وتنقي الأفكار من لوثات الضلالات المشوشة. ولقد كنا نلمس التحول ونشاهده رأي العين، إذ كانت الجلسات تبدأ ‏بعدم المبالاة وعدم الاكتراث من الحاضرين ولاسيما في المقاهي، وربما قلة توقير وإحجام عن الإنصات، أو بردود مفتعلة وإثارة ‏صخب، ولكن بعد فترة إذا بالحاضرين يتحولون إلى آذان صاغية تدريجيّاً ويستمعون إلى المحاورة وكأن على رؤوسهم الطير.‏

كانت الأسئلة والأجوبة تسجّل على الأشرطة، وتتناقلها الأيدي. فنجّى الله بها الكثيرين من الحيارى من مستنقع الضلالة، ‏وأصبحوا سبباً في إنقاذ أصدقائهم؛ لأن الكلمات التي تلقى في المحاورة ما كانت كلمات باردة وتعابير منطقية جافة فاقدة للروح، ‏بل ثمرات أينعت في قلب حزين وسقيت بدموع عين شاهدت ضياع جيل كامل غير محظوظ، قد فقد التسليم والانقياد وانهدّت ‏لديه أُسس الاحترام والتوقير، وغرق في مهاوي الإنكار والجحود.. نعم هذه الكلمات كانت تحمل من الحرارة النابضة والدفق ‏الحيوي والعطف والحنان، حتى أصبحت وسيلة لإرجاع الكثيرين إلى رشدهم وعودتهم إلى صوابهم، بل دفعتهم إلى إنقاذ من يليهم ‏بإذن الله.. نعم إنها كانت اهتزازات وجدان ينقب عن دواء من صيدلية القرآن الحكيم وينتقي منها ما يلائم عقول المخاطبين الذين ‏كان منهم من لا يعرف حتى آداب السؤال، فيضع البلسم الشافي كالطبيب الحاذق ويسقيهم إياه بعطف وحنان غامرين، فأثمرت ‏بفضل الله نتائج بهيجة جميلة في عالم أرواح المخاطبين. إن موضوع القدر بشكله التعريفي يعرض أمام المخاطبين في مساحة واسعة ‏سعة الكون أجمع، إذ يبيّن النظام الدقيق في الكون كله بدءاً من الذرات والنوى والبذور إلى السيارات والمجرات، فيوضح أن كل ‏موجود في الكون قد صُمم وخُطط له مذ خلقه ربه. ويبين أيضاً أن انكشاف معنى القدر في وجدان الإنسان وحلّ أسراره واحدة ‏تلو الأخرى، هو الآخر نقطة أساس في هذه المسألة، ويُلفت النظر إلى الفروق بين مفهوم القدر لدى "المبتدئ" الذي مازال في أول ‏الطريق، والذي قطع أشواطاً بعيدة في عمق الإيمان وسر الإخلاص والاستغراق في العبادة حتى بلغ (المنتهى). ويُنبه أيضاً إلى أن ‏معرفة بعض دقائق علم القيافة وحلّ بعض أسرار ماهية الروح ووظائفها من ملامح وخطوط سيماء الإنسان ينعقد أيضاً في القدر. ‏وبجانب آخر يُعطى نصيباً لإرادة الإنسان التي هي جزئيّة ضعيفة نسبية إضافية. وفي الوقت نفسه تؤخذ شهادة الوجدان مقياساً عند ‏أهل البصائر، بدءً من مسؤولية الإنسان - من دون غرور - إلى قضيته "ألستُ بربّكم". والحقيقة إن نفاسة الأجوبة تضفي على ‏الموضوع بعداً آخر من الجمال والبهاء .‏

والفصول الثلاثة الأولى لهذا الكتاب، جامعة لسلسلة المواعظ والدروس التي ألقاها ارتجالاً العالم الجليل محمد فتح الله كولن، ‏وسجّلت مباشرة على أشرطة التسجيل، ثم حُوّلت إلى أسلوب الكتابة، وعُرضت على الأستاذ المؤلف الفاضل. وبعد إجراء ‏التصحيح والتشذيب خُرّجت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. أما الفصل الرابع من الكتاب فهو فصل الأجوبة عن الأسئلة التي ‏وجِّهت إلى الأستاذ الفاضل بوسائل مختلفة وفي مواضيع شتى.‏

وبعد الانتهاء من تنسيق الكتاب وضعت له فهارس، فأصبح حقّاً كتاباً يمكن عده من كتب المصادر والمراجع.‏

وعلى الرغم من أن تلك الهجمات المكثفة المنظمة تبدو كأنها توقفت، فإن إلقاءات النفس ووساوس الشيطان تكدر صفو عالمنا ‏الداخلي في أحْيَانٍ كثيرة، مما يزيد الحاجة إلى هذه الأدوية الشافية.‏

وفي الواقع إن هذا الكتاب ‏‎"‎القدر في ضوء الكتاب والسنة‎"‎‏ ليس هو أجوبة لبعض ما ورد من الأسئلة فحسب، بل هو ‏شعاعات إيمانية يجد بها القلب والعقل والوجدان اطمئنانه، ومن هنا تكون الحاجة إليه ماسة وباستمرار.‏

إن العمل للإيمان والقرآن وعلى مستوى العالم، يبدأ في الحقيقة بتقعيد هذه الحقائق الإيمانية على أسس متينة، إذ العالم برمته ‏بحاجة إلى هذه الحقائق التي يجهلها وفي المقدمة أوربا وأمريكا. ولهذا تقتضي الضرورة ترجمة هذه الحقائق إلى لغات العالم الأخرى ‏ليعم نفعها.‏

ونغتنم هذه المناسبة لنقدم أجزل شكرنا إلى أستاذنا الفاضل ونبارك الذين أصبحوا وسيلة في إنجاز هذا العمل الجليل. سائلين ‏المولى القدير أن يرزق أستاذنا عمراً مباركاً ويوفقه للمزيد من العمل في خدمة القرآن والإيمان. آمين.‏

صفوت سنيح

 
التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri