نحو حضارتنا الذاتية طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.21

لا بد لنا اليوم أن نعرف البرنامج والخطط التي تسير بها أمتنا إلى المستقبل، وما المراحل التي ننتقل إليها في مسيرنا. لقد احاط بمجتمعنا في ماضينا القريب حوادث مأساوية زعزعزتنا، وفتحت عيوننا.

على العصر في ضباب ودخان بقرقعات ودوي كقيامة حمراء! فكان عسيراً بطبيعة الحال أن تبصر أمتنا غايةَ المراد من الانبعاث بصفاء ونقاء، وأن تستدل على الاتجاه القصير والصائب للوصول إلى الغاية، في كثافة ذاك .

الضباب والدخان وكرب رجات الكثير من الزلازل وقد وجد نفسه في مركزها، بل لعل ذلك كان محالاً بواقع الأحوال الداخلية والخارجية. كان عسيراً أو محالا، لكن العجيب أن تتشكل رؤى هذا المجتمع في "الانبعاث من .

جديد" وان يتوجه إلى قيمه الذاتية، في هذا الوقت العصيب بعينه، بعدما سيق إلى التضعضع في كل ما هو ذاتي فيه، وهيء ليُستَلبَ ويُستعمر. وكان هذا حالاً خارقاً للعادة... لأن الشعور الفردي كان مهزوز الأس .

والأساس، والشعب كان حائراً ومضطربا في قلب زلازل من اشدها رهبا ورعبا، وجموع البشر مقصومة الظهر في مآس مفزعة من أندر ما في التاريخ.

لم يكن الوجدان الاجتماعي قد أكمل التشكل وسط هذا الضباب والدخان الكثيف... ولم يكن غير أفراد منقطعين بعضاً عن بعض، وأولئك يكدّون من اجل الوصول إلى المستقبل بدافع أن يجدوا لقمتين ومأوى! .

ويعني انهم يحسبون المراوحة في مكانهم سيراً وتقدما! غافلين عن غاية حياتهم، وعن وجود قيم سامية تستحق حتى الموت في سبيلها. كانت الأفكار مبعثرة، والإرادات مهزوزة، والهمم مشلولة، والآفاق مظلمة، والقلوب .

خاوية. ومع هذه المثبطات كلها، كان المجتمع يوجِد كل يوم أحلاماً جديدة ويسري عن نفسه بالأماني، ثم يجد نفسه غثاء وهدراً في كل يوم جديد ببرنامج جديد! .

لكن حديثه عن تصاميم كالمتكلم في المنام، وحواره عن مشاريع، وإن ضاقت مساحتها، قد توافق في الميعاد مع هذه المرحلة المشؤومة التي تضاعف فيها وقع النكبات عليه، وتوالت عوامل التعرية الروحية.

وتجلى كل شيء في البداية كردِّ فعلٍ للأفكار المستهان بها، والمعتقدات المتعرضة إلى التزييف، والضمائر المقموعة. ثم أعقب ذلك حركات مستشعرة واعية، و"أعمال حركية" مستديمة. فتعد هذه البداية ميلاداً صادقاً .

للانبعاث بعد الموت لأمتنا. ولابد أن يظهر في القابل - كما ظهر في الماضي- من يريد أن يهيمن على هذه الحركة الواعية المستشعرة، والطاقة الحاصلة من إحياء النفوس والأرواح، ويقوّمها كما يهوى ويشتهي... ولكن .

جموع البشر تأبى أن تقع في موقع الاستلاب والاستغلال كرة أخرى بعدما صارت تدرك ذاتها بذاتها، وبمحركاتها الداخلية الذاتية.

ومع الزلات والكبوات، يمضي ويدوم الانخراط في هذا الإحياء الذي صارت الجموع تستشعر أحاسيسه في عوالمها الداخلية وفي أرواحها وقلوبها، وسيحظى الجميع، الجميع من غير استثناء، بوجود جديد، إن لم .

يكن اليوم فغداً! صحيح أن موانع لا زالت تعيق الرؤية السليمة والإحساس السليم للمجتمع كأمثال ذلك الضباب والدخان القديم، لكن كثافة الضباب والدخان اليوم ليست كالقتام الذي عرفناه. فبشيء من الهمة والجهد، .

صارت القلوب قادرة على أن تنهل من المناهل "الملية" وان تتصور وتتمنى "متلقيات" حضارتها الذاتية.

وكان علينا كما هو اليوم، أن نحدد إطار "متلقيات" تلك الحضارة، ونعيد النظر في كنهها، ونقف على المعنى والمحتوى لأمسنا، وهلامية يومنا، والمعالجات المتصورة لغدنا... ثم نتعرف على صوت هذا العصر .

أثناء الحفاظ على الأصل والذات من جهة، وجر معالجات وتفاسير الزمان الحاضر إلى جانبنا وصفنا من جهة أخرى. وبدهي أن هذا عمل شاق، لكننا قادرون على القيام بأعبائه بعناية الله، ما دمنا قد ألقينا بأنفسنا في .

هذه المسيرة...

من مقترب أنثروبولوجيّ [1]، نجد تنوعات عديدة، وحسب "المتلقيات" والتقبلات الفكرية والفلسفات، في تفسير مفهوم الأنظمة .

المرتِّبة للحياة الإنسانية، أو "المتلقيات" الفكرية والاعتقادية والفنية لشعب، أو كل الأوصاف الخاصة بالوجود المادي والمعنوي لشعب معين بتمامها، والتي يمكن أن نسميها الحضارة. ومهما كثر التنوع في التفسير، .

فلا شك إن "المتلقى" السليم، ليست هذه النوعية والأساليب من الحياة، التي انتقلت إلينا من "مستعمري" الزمن الكولوني[2]، فتقطعت أنفاسنا لهثاً وراءها .

منذ سنين طويلة، ونزعنا من اجلها عن أنفسنا كثيراً من قيمنا. ولو كانت كذلك، لفقد الكفاح العظيم ضد الاستغلال والاحتلال كل معانيه. والواقع أن هدف الكفاح كان واضحاً: وهو الاستقلال التام الكامل. فان كنا .

الآن نفكر في إعادة بناء الذات من جديد، ونبحث عن أسلوبنا الذاتي الحضاري، فينبغي أن نتخلص من احتلال المفاهيم والأفكار الغريبة في داخلنا، والمبرمجة على تخريب جذور الروح والمعنى فينا، وان نتبع - بالضرورة- .

سبيلا يُمكّننا من العمل على رقش فكرنا الذاتي ونظامنا الاعتقادي الذاتي، وفلسفتنا الذاتية في الحياة، على نسيجنا "الملي" الخاص. ومع الابتعاد عن التحليلات الأنثروبولوجية الحديثة، وباستخدام الوسائط .

المشروعة كافة، لا بد لنا -وبقدر المستطاع- إن نجد حلولاً بديلة لبلوغ مقصود جليل يُعيّنه فكرنا "الملي"، تزيح عنا الفوضى والضياع الذي نعيشه، آخذين بنظر الاعتبار عوامل الوضع الجغرافي والاجتماعي.

ولئن كانت الحضارة عنواناً أو مصدراً لكامل الأحوال والأشراط المادية والمعنوية، وكانت هذه الأحوال والاشراط في المجتمع لازماً وحاجة لأفراد ذاك المجتمع من أطفال وشباب وشيوخ ومسنين في كل مرتبة .

من مراتب الحياة، وفي كل أمل أو تحقيق الأمل أثناء كل مرحلة من مراحل التطور، فإني احسبُ أن الاصوب والأصح هو أن ننظر إلى القضية بعين عملية/وظيفية، إلى جانب المنظور الأنثروبولوجي، بصورة قد تتعدى علم .

الأنثروبولوجيا البحت، وإذ نفكر في هذا، يلزمنا ألا نهمل مرحلة التطور للمجتمع. وإننا إذا اقتدينا بالوضع الحالي لدول سبقتنا في وتيرة الإمكانات الحضارية بأشواط بعيدة، أو بأخرى تقطع المسافات بسرعة البرق في .

الطريق الذي نمشي فيه مرة ونكبو مرة، ومعنا آخرون ممن يقاسموننا الخطوط والتوجهات نفسها، وذلك للوصول إلى الغاية، فأحسب إننا ستصيبنا صفعات الخيبة للفشل في نوال المقصود، ونعجز عن الوقوف على أقدامنا تحت .

وطأة الانكسار والفشل.

إن المجتمعات المتطورة والمتقدمة اليوم، كانت من قبل تعاني من هذا السياق كالذي نعاني، وتقوم وتقعد في تلبد كتلبدنا، وتكتوي بنار عذاب كعذابنا. ثم جاءتها أيامٌ فُتحت فيها أبواب التجديد على .

مصراعيها بشوق البحث وعشق العلم وحثيث العمل، وبعد تحقيق النجاح اثر النجاح: فورانُ العزم وشحذُ التوق ومكافأة التوفيق بأجزل المكافآت. فصارت البيئة عندهم مشاتل تحتضن فسائل الدهاء... فتَتَابَعَ الاختراع من .

مكائن البخار إلى مصانع النسيج، ومن مختبرات الأبحاث إلى المطابع... وبلغوا بعد مدةٍ عصرَ العلم والعقول الإلكترونية.

وإذ أحْسَنَ مُحِبُّو العلم في تلك الأيام جزاءَ الكشوفات والاختراعات والأبحاث العلمية، صاروا وسيلة لنثر القابليات العظيمة في كل مكان لتجد فرصتها في النماء والتطور، فكأنّ أطراف أرضهم محشر .

العجائب بأعمال لا تعرف الفتور، لأدمغة نابغة.

وكما تعاقب العلماء في عالمنا، أمثال ابن سينا والفارابي والخوارزمي والرازي والزهراوي... إبان تحقق الوسط والبيئة الشبيهة، كذلك استخدم الغرب المكتسبات المتوارثة خير استخدام وبأوسع وجه ممكن .

في ذلك الوسط، واستطاع أن يسِمَ القرون الأخيرة بسِمَتهِ.

لذلك، من الغلط أن نحصر حاضر "الغرب" بناءً على آثار قابليات راقية، مثل كوبرنيك وغاليلو وليونارد دافينشي ومايكل انجيلو ودانتي.. او اديسون وماكس بلانك وآينشتين. فلا يمكن أن نرجع "النهضة .

العلمية" أمس، ولا الفوران العلمي والتكنولوجي اليوم، إلى مساعي زمر من امثالهم حصراً. وإلا، سنعجز عن إيضاح المشاكل التي تواجهنا بسبب القاعدة المعروفة بتناسب العلية. فان النجاح الخارق للعادة، المتحقق أمس .

واليوم، والتكوينات العالمية الكبرى، مرتبطة بدهاة الأفراد، وكذلك بالبناء الاجتماعي الصالح لولادة الدهاء، والوسط المنمي للاكتشاف، والبيئة العامة الحاضنة للقابليات. فنقول على هذا الوجه، إن الحديث عن .

الوسط والبيئة العامة يرد حيثما يرد ذكر همة الفطرات السامقة وجدها وجهدها. بل كثيراً ما تحقق ظهور الدهاء والقابليات للاستعدادات العظيمة والدهاة السامقين بقدر ما تسمح به البيئة العامة. وتوقُّعُ ما يخالف .

ذلك غير مجدٍ اليوم أيضاً.. فبدهي انه ما من أحد يقوى على تغيير قواعد "الشريعة الفطرية". فالذي يناطح السنن الكونية كلها يخر منهزماً، اليوم أو غداً. إن الدهاء في أرض غير أرضها محكوم عليها أن تكون كعصفٍ .

مأكول، كما يُحْكَمُ على البذرة بالخواء في ارض لا ترعاها بالهواء والماء والقوة الانباتية.

إذن علينا أن نجد ما نأمله لغدنا، في نقطة تلاقي البيئة الصالحة، وعشق العلم وعزم العمل ومنهاج البحث. فإذا حَقَّقَ الوسطُ الصالحُ فوران العشق العلمي، ونهض بعزم العمل إلى العلياء، فستشعر .

القلوب الحساسة بذلك في كل آمالها بعملية امتصاص بديعة، ثم تقدره حق قدره، ثم تضعه موضع التنفيذ في حياتها بنظم معينة. وبعد ذلك، تعمل "الدائرة الصالحة"[3] .

للارتقاء بإلهامات وتداعيات وتركيبات وتحليلات جديدة.. تعقبها باستمرارٍ وتسارعٍ مُطّردٍ الجهودُ المتابعة للأحداث والنظم المتوافقة للنظرية الذاتية والمتلائمة مع الحركيات الأساسية المبدئية.

لكن الحاصل عندنا كان دائماً عرضاً خلاباً لما أنتجه غيرنا بعناوين التحديث أو النهضة الإسلامية، وان كان اكثر هذه "المنتوجات" يناقض "حركياتنا" الاساسية. فلم نفلح في تفهم "الحديث" أو "النهضة" .

بحركياتها الذاتية، أو قل ان شئت ذهلنا عن ذلك. ومن هذا الوجه، إن تخلف عالمنا عن اللحاق بما بلغته الدول المعاصرة وعجزه - مع كده وجهده- عن تحقيق النهضة المأمولة، ليس بسبب الوضع الجغرافي لبلادنا، أو نقص .

الإمكانات، أو ضعف القدرات والقابليات لانساننا، بل لقصورٍ عن فهم كنه التحديث ونقصٍ في الفكر واغتصابِ الجاهزية الهيكلية[4] مكان حب العلم وعشق .

الحقيقة.

وأظن أن التعرف على أنموذج ألمانيا القريبة منا، وعملاق الشرق الأقصى: اليابان، يزيح عن أنظارنا ستائر كثيرة لنطلع على نواقصن.

فألمانيا خرجت من حربين عالميتين مثخنة بالجراح. كان حال ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين خراباً وركاماً ومسرة للبوم الناعق في كل طرف، وكأنها هي التي وصفها محمد عاكف في بيت شعر: .

"الديار خرائب والصحارى خالية وموحشة، والأيام محرومة من الخبز، والليالي جاهلة بمعنى الغد". لكنها تغلبت على المثبطات، ولمت شعثها وجمعت أشتاتها في زمن قصير، وانتصبت بلداً عملاقا في العالم. ولم تكن .

ألمانيا قد تفوهت بكلمة عن الوحدة الألمانية، حينما بدأنا نحلم بأحلام التحديث في أوائل القرن التاسع عشر! وإذ صارت ألمانيا بلاد الأحلام متحدية كل هذا الخراب، لا زلنا نثرثر عن أحلام التحديث. وقد يقال إن .

ألمانيا غيرت كفنها إلى قميص مرتين بحظوة أنها بلد غربي، فحققت انبعاثات بعد موتها مرات حسب فلسفة حياتها... إذ ما كانت ألمانيا قادرة على القيام لولا القرابة الدينية والثقافية مع الدول الأوروبية. ولئن .

قبلنا بهذه الفرضيات والتقديرات في شأن ألمانيا، فثم "يابان" الشرق الأقصى التي تعرضت إلى الحصر والتحديد من العالم الغربي كله ردحاً من الزمن.

وإن مشاريع التحديث عندنا تسبق اليابان بنصف قرن من الزمان. لقد بدأت اليابان بالسعي الحثيث في طريق التحديث بعدنا بخمسين أو ستين عاماً... فاجتازت العوائق وتخطتنا في السباق في شهقة واحدة، وان .

أصيبت بنكبتين عظيمتين في التاريخ القريب، فأخذت موقعها بين العوائل الكبيرة والقوية التي تتولى شؤون العالم. وإذ نسلو ونُسّري عن أنفسنا بقصائد الولادة من جديد والانبعاث، جنى اليابانيون ثمار نهضتهم. وإذ .

يلوك ويمضغ بعضنا بعضاً بقيل وقال عن منطلقات الخلاص - أكثر من الغايات المقصودة- بعد مائة وخمسين سنة من المسير، سد اليابانيون الفجوة بينهم وبين الغرب في زمن قصير لا يعدو الأربعين عاماً، واكتسبوا قدرة .

التقاضى والاستجواب مع عصرهم. فاليابان اليوم قوة عملاقة، بقدرة اقتصادها ونشاط مبادراتها، وسعة استثماراتها الفعالة، وتوقيرها في أرجاء المعمورة كلها. وقد ظلت اليابان حذرة وانتقائية ومخلصة لهويتها القومية .

إبان تحقيقها التحديثات المتتالية وتبشير شعبها بوعود المستقبل المرفه، وأثناء اقتباسها من العالم ما تقتبس، وجزها ما تجز، وتركها ما تترك. فلم تستخف بتاريخها، ولم تلعن ماضيها، ولم تنكر جذور معنوياتها .

وروحها. بل ما فتئت تفكر مليا في المهاوي السحيقة بين حالها المتخلف، وبين الذرى التي تصبو إليها، وتُقَوّم الحال بعقلانية وواقعية، فخططت مشاريع متماسكة، وَصدّقتْ بأنها ستحل معضلات التخلف كلها بمنظومة .

اجتماعية تقوم على الأسس الأخلاقية بأعظم مقياس، وملأت الفراغات الناجمة من نقص القدرات وزيادة الحاجات بالاعتزاز القومي/الوطني (الملي)، والانتساب القومي/الوطني، والعزم القومي/الوطني، والحركة المنظمة .

الهادفة، وتنظيم المساعي والجهد. لقد نجح اليابانيون في البقاء بهويتهم الذاتية، وصاروا أنموذجاً يذكرهم التاريخ شعبا أنجز عجائب العصر.

إن ما فعلناه في تاريخنا القريب هو الكدح في بناء الحضارة فوق أنعمها ومحصولاتها. أما اليابان والبلاد المتقدمة، فقد أقامت كل شيء على أسس الفكر الحضاري "والمتلقيات" والتصرفات الحضارية. ومع .

تقديري وتوقيري لشيء من التطور الحاصل عندنا، فإني أظن أن هذه النظرة المنحرفة هي السبب الرئيس في تسابق العالم من نجاح إلى نجاح، ومراوحتنا في مكاننا. فبينما نكافح نحن في استكشاف طرق سهلة ورخيصة للحصول .

على انعم الحضارة ووسائل تقاسمها، أقامت الشعوب المتقدمة بناء كل شيء على الإنسان والأخلاق والتعليم والثقافة.. واجتازتها بسرعة الطير حيثما تعلقنا بشيء ، فارتقوا إلى القمم التي قصرنا عنه.

لننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى. إن مجموع الحواصل والمعطيات لحضارة معينة هي الحضارة عينها. ولا ننسى أن أهم الأركان لموضوع الحضارة هو الإنسان المؤهل، وأقوى أسسها الحيوية هو دولة حرة .

ومستقلة، واثمن رؤوس اموالها هو الزمن. ولا نشك أن الدول المتقدمة قد استغلت هذه الحركيات بأحسن وجه. وزيادة على استغلالها هذه الحركيات استغلالاً حسنا، لم تهمل أبداً تقسيم الوظائف واحترام الاختصاصات .

والاهتمام بالإنسان ومجازاة النجاح وتقويم الإمكانات الأولية التي وهبها الله تعالى بأحسن وجه. وفي الضد، المجتمعات التي لم تنظم مساعيها تنظيماً حسناً، ولم توزع الواجبات والأعمال توزيعاً مرضيا عنه، ولم .

تتعرف إلى أسرار ثرواتها المكنوزة والظاهرة، ولم تتفهم القيمة الحقيقية للإنسان، ولم تستثمر الزمن استثماراً مجزيا، كأنها بائع وقع في يده مال لا يقدر بثمن، فضيعه بثمن بخس لسوء ظنه بما في يديه.

إن الأمم التي تركت آثار حضاراتها في التاريخ والخرائط الجغرافية كتبت صفحاتٍ بأحرف بارزة بمثل هذه المثابرة في التقويم والتنظيم، والقابلية في التركيب والتحليل، والاستطلاع الميتافيزيقي .

والفوران اللامادي (الروحي).. أمم أكْسبت الترابَ والإنسان والزمان قِيَماً كالجِنان بطول الهز في مهد الإيمان والعشق والاستطلاع الميتافيزيقي.... في خط طويل متمادٍ، من البراهمانية إلى البوذية، ومن .

اليهودية إلى النصرانية، ثم الإسلام.

لكن الحق أن الإسلام يختلف بأوجه كثيرة عن جميع الأفكار والنظم القديمة والحديثة، الدينية واللادينية. وابتداءً، من المسلم به أن حركات التحديث الواقعة في النظم كافة خارج الإسلام، أدت إلى .

أبعاد الدين عن مركز الحركة. أما في الإسلام، فعلى خلاف ذلك مطلقاً، تولى الدين رسالة مهمة في مركز الحركة (التجديدية)، وتحولت كل حملة إلى تماسك ونضوج واعدٍ بالمستقبل بتغذيتها المستمرة من معانيه وروحه.

وما زال إنساننا منذ سنين مترقباً لشرارة من روح الدين، كلما همّ بالقيام بعمل. ونشهد أن بوارق شرارات كهذه تلمع على بعد، أو رُؤى تزدان بمثل هذه النقوش، تُبلّ أرواحاً ضاوية ذاوية منذ مئات .

السنين... فكيف اذا لمست لَمْسَ اليد نتائجَ الهمم التي لا تُقَدّر حق قدرها الآن، وهي في الواقع على قَدر عظيم؟ أظن أن الآمال ستتوتر وتنشدّ بجدة "انبعاث بعد الموت"، وتنهض الإرادات، وتفور القلوب بالإيمان، .

فتحقق المشاريع "الملية" المترقبة منذ مئات السنين مشروعاً بعد مشروع. هذا، ما لم نستسلم للعوائق المصطنعة والموقوتة التي تريد أن تقطع سبيلنا، وما لم نلوِ رقابنا إلى الأجور الدنيوية أو الأخروية لخدماتنا .

التي نحن ملزمون بأدائها وإيفائها، وحصرنا الغاية في طلب رضاء الحق تعالى وحده ولا غير.

إن "متلقَّيات" الديمقراطية والحرية، حتى بوضعها الحاضر (في تركيا)، قد خلّصت شعباً غافيا في رهن الغفلة، وجهزته بأحاسيس وأفكار وقدرات للعبور إلى الحضارة. سنقتدر على أن نقول في القابل القريب: هاكم .

مشاعرنا الذاتية وأفكارنا وفلسفة حياتنا وحضارتنا وثقافتنا... إنْ استطعنا أن نمنع ترجرج الموازنات ضد مصالح شعبنا، في مواجهة الأحوال والمعادلات الداخلية والخارجية. .


[1] انثروبولوجي: علم أحوال الإنسان والبشرية (المترجم)
[2] الكولونيالية: بمعنى الاستعمار أو الاحتلال بالاسكان البشري في البلد المحتل والمكتشف (المترجم)
[3] أراد المؤلف بالدائرة الصالحة الدائرة الوَلود التي يثمر فيها الخير خيراً على الدوام، وهي ضد الدائرة الفاسدة التي يفرز فيها الشرُّ شرا على الدوام في حلقة مفرغة عقيمة. (المترجم)
[4] الجاهزية الهيكلية: يعني المؤلف بها الاستعداد لقبول القوالب الجاهزة والهياكل الشكلية التي تتبادر إلى الظهور فيميل إليها القبول لبساطتها وينقاد لها الانسان من غير كدٍّ في البحث والتمحيص... فتستتر الحقائق والبواطن والكوامن الحقيقية خلف اللهث وراء هذه الجاهزية الهيكلية الصورية المتبادرة. (المترجم).

 
< السابق   التالى >