النتيجة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 6
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.21

الموت الشريف.. يفضّله المؤمن الحق على العيش الذليل... الموت العزيز أفضل ألف مرة من العيش في عقر الدار في قلق واضطراب خوفا من تسلط الظلمة علينا. هو هكذا إذا استغرق في بحر العرفان الرباني، ذلك المسلم العزيز الكريم. ولا يدرك هذا المعنى من يعيش حياة المقابر ميتا في الحياة.

وفي الحقيقة انه من الصعوبة بمكان ان تتطهّر ذنوبنا بشكل آخر. ان الإنسان يعيش مرة ليكسب السعادة في الآخرة. والحال ان حياتنا تمضي غارقة بالذنوب. فكم مرة يقترف النظر الحرام شاب يجول في الأسواق ويجوب الشوارع، وكم مرة يموت كل يوم.. كم مرة ينغمس في القاذورات، كم مرة يغرق في الأوحال ، كم مرة يُنـزل الحرام الى معدته، بل كم مرة يركع ويسجد أمام الحرام، كم مرة يعصي ربه الجليل، كم مرة يهمل توقير الرسول الحبيب صلى الله عليه و سلم، بل كم مرة ينحط إلى الكفر بإنكاره القرآن الكريم... فلا ضمان لتطهير هذه الأجساد المليئة بالآثام إلا طريق الشهادة... البقاء في هذا الشعور والفكر، واغتنام الفرصة متى سنحت والإمساك بها، والسعي للفوز بذلك الموقع المعلى مضطربا اضطراب أبى عقيل... نعم ان هذا هو أسمى غاية لكل من حمل أمانة دعوة الإسلام العظيمة وينبغي ان يكون هذا. فالشهادة هي غايتنا ومطلوبنا وعشقنا...

ان افضل ما يعمله من أمضى حياته بالصالحات من الأعمال في منظومة من الشعر الرقيق أن يختمها بقافية الشهادة. وعندها تكسب الحياة قيمة أعظم وأغلى فتتفتح في رياض الجنة الى ما شاء الله ان تتفتح عن ذخائر مباركة، ألا يكافأ في الجنة على كل عمل من الصالحات. فالجنة وجهنم حوضان ومخزنان تجمعان أعمال الإنسان، فيتجمع الخير والطيب منها في الجنة والشر والخبيث في جهنم. ومن هذه الجهة فنحن بمثابة من ينسج الجنة وجهنم ويحيكهما خيطاً خيطاً.

إن تاج الأعمال الصالحة هو الشهادة بلا شك. والشهادة هي تسليم من نذر حياته في سبيل الله، وروحه إلى الله على بصيرة وعلم. لأن بصره قد تفتح في الدنيا فشاهد ما وراء الدنيا ولمّا يزل فيها. وقد اجتنى الشهيد ثمرات الجنة لنذر حياته لله. ومن هذه الناحية فهو المحظوظ المختار من بين الناس.

إن من يريد أن يأخذ حظاً كاملاً من حياة مباركة طيبة عليه أن يقطّر عليها قطرات من الدم في سبيل الله ويكون شهيدا، كي يظفر بمطلوبه بأفضل ما يمكن. فالحياة التي لا تختم بالشهادة تترك فجوات مهما كانت معمورة بصالح الأعمال. أما الحياة التي أخذت نصيبها من الشهادة بشكل من الأشكال فليس فيها فراغ ولا فجوة فهي كالقصيدة التي اكتملت بقافيتها إلى آخر بيت. ففيها الانسجام والنظام والمحبة. الشهادة مفتاح ذو أسرار، تفتح أبواب الرحمة للسماوات والأرضين على مصاريعها. حيث يمضي الشهيد دون حساب في المواضع التي يحاسب فيها حتى الأنبياء متوجها إلى ما أعد له من العوالم. الشهيد له حصانة. فلباسه الملطخ بالدم يمنحه الامتياز في المرور.

لقد حرص كل مؤمن بالله على الشهادة ختاما لحياته، في جميع المعارك الحاسمة والكفاح المستميت والحركات النضالية الجادة التي مرت في جميع الأدوار. ذلك لأن الله سبحانه يرضى عن أمثال هؤلاء من عباده، كما ذكر في حديث الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَانْهَزَمَ يَعْنِي أَصْحَابَهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فَرَجَعَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ). [1]



[1] أبو داود، الجهاد،38.
آخر تحديث ( 2006.09.21 )
 
< السابق