الأجيال السعيدة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.21
أنا مغمض العينين
ألحظ أجيال الغد
وهي تتفتح عن منابت الأملنحن نشعر بأن كل شيء في العالم الخيّر الجميل للغد سيكون بروعة وجمال الوجوه المشرقة لأهل الجنة، وسيكون معبراً كالتعبير العميق لنظراتهم، وسيكون فواحاً بالعطر كعطر جلودهم وأجسادهم، وستلين بل تذوب حتى القلوب المتحجرة بفعل الروائح العطرة التي ستهب من كل جانب.

أجل!.. سيتفتح الوجود في يد إنسان المستقبل المتنور ذهناً وروحاً مثل برعم وردة، وسينتقل الإنسان السعيد لهذا المستقبل المنور في صدد الكشف عن الأكوان كالفاتحين العظام من نصر إلى نصر ويصل في النهاية إلى معرفة السر في أن الأشياء كلها مسخرة لبني الإنسان. ويمر تحت أقواس النصر الواحد منها تلو الآخر لينصب راية الفكر والشعور على برج مرضاة الله تعالى، ويرى قدرته في عجزه، وثروته وغناه في فقره، فيرتفع ويطير بأجنحة الشكر والشوق ويبحث عن عوالم أخرى لفتحها وحتى يحين اللحظة التي يفتح فيها عينه على العالم الآخر يعيش في دنياه الحلوة هذه حلاوة الأحلام محاولاً على الدوام إضافة أبعاد جديدة لها.

إن قُيّض لنا أن نصل إلى تلك الأيام، نحن الذين نشكو عقدة في لساننا وضيقاً في صدورنا، وشللاً في مشاعرنا... نحن الذين نعاني الحرمان لم نجد فرصة لتوسيع عالم مشاعرنا وأفكارنا... إن وصلنا إلى تلك الأيام هاجت بنا الأشواق وبدأت الحِكَمُ تتساقط من أفواهنا، وعندما نرى أن الآمال التي طالما أخفيناها في صدورنا ومشاعرنا الخفية المتأرجحة بين الحسرة والأمل وأفكارنا السجينة الحزينة على قلة حظها قد ظهرت الميدان... عند ذاك سيتم تذوق كل حلاوات وسحر تلك العوالم التي كانت تعيش على الدوام في خيالنا.

أجل!.. إن مشاعرنا النائمة في أعماقنا ستقوى وتتوتر بشوق، وتتذوق حلاوة هذه الحياة مثل فراشة تتنقل في الصباح الباكر بين الورود والزهور باحثة عن أبعاد جديدة من سعادة الحياة التي هو اللذة بذاتها. وفي هذا الجيل الذي تتبرعم في كل جانب منه أنواع من اللذائذ، سيجد أصحاب الأرواح المتفتحة على ذاتها وعلى عوالم مشاعرها وأحاسيسها فرصة البحث عن عوالم أخرى من الجمال اللدني، وعوالم أخرى من الخيال المذهل الذي تبرق فيه الأبصار، فيشاهدون في سهول وبراري قلوبهم المتنورة بالإيمان عناقيداً من النجوم المتراصة الواحدة تلو الأخرى، وسفوحاً كسفوح تلال الجنة موزعة هنا وهناك. وبفضل هذه الأفكار الجميلة الملونة التي تأتي متعاقبة يمزقون الرتابة التي تسعى لإطفاء جمال عالمهم إرباً إرباً فيعيشون في شوق وطرب.

الروح الواصل إلى هذه المرتبة يستغرق في تأمل وجه الحقيقة التي تظهر له من خلال المنافذ المتفتحة على قلبه ضارباً عرض الحائط بالصورة الضيقة لعالم الوجود، ويتخلص من الأسر خلقته باحثاً عن مأوى جديد له خارج أبعاد الزمان والمكان، وفي كل قفزة يحاط بأنوار أكثر، وفي كل عملية من عمليات التنوير هذه يشعر أكثر بالمنبع الأساسي لوجوده وينسى تماماً ما كان يُطلق عليه من قبل "أنا" فيغدو في حال يحس فيها في كل صوت يطرق سمعه، وفي كل لون يسيل إلى عينيه العشقَ الذي زرع كبذرة في روحه منذ الأزل وكأن شيئاً كالحمّى أحاط بكل كيانه، عند ذلك يحترق بلوعة الوصال وناره. عند ذاك لا يعود لبكاء الألوان ولا لانزياح الأنوار والأطياف، ولا لعبوس الموت وحزنه أي أهمية أو معنى لديه. عند ذاك يرن كل صوت في أذنيه كنغمة أمل باسم، وكل دبيب في أعماقه ولبه ينبض نبض الخلود، وتُعرض جميع الأسرار أمامه، ويجد نفسه بين أذرع العشق الذي يحرق كل شيء أجنبي في عقله وذهنه ويجعله رماداً فيصل إلى إدراك غاية وجوده.

أجل!.. إنني آمل أن تتذوق الأجيال القادمة اللذائذ العديدة لمثل هذه الحياة كل يوم وكل ليلة وكل ساعة، بل كل ثانية، وأن تضم في صدرها الأمواج المتلاطمة والمتتابعة للبحار الكبيرة للعشق والوصال، حيث ينقلب كل موجة صغيرة إلى بحر، ويصل هؤلاء السعداء -الذين يرتشفون في كل لحظة قطرات العشق والوصال- في يوم من الأيام إلى أعظم عشق وأعظم وصال، ويتخلصون من خداع الظلال ومن ضجيج "الكثرة" خلاصاً تاماً.

آخر تحديث ( 2006.09.21 )
 
< السابق   التالى >