|
ان في يد المؤمن كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويهديه إلى سبيل الرشاد، فهو منبع عزّه وسؤدده. وأمامه القدوة الحسنة للبشرية جمعاء وهو سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم. فهو بهذا الكتاب المبين وبهذا الرسول الكريم، ذو حظ عظيم أكثر من أي أحد كان على ظهر الأرض قاطبة. ولهذا فهو المرشح الوحيد ليحكم الأرض كلها.
والقرآن الكريم يعلّم المؤمن هذا المفهوم، والله سبحانه و تعالي ينتظر منه هذه النتيجة. فالمؤمن هو الذي يردد دائماً: الله ربي، ومحمد نبيي والقرآن كتابي والجهاد في سبيل الله أسمى أمانيّ؛ لذا استقر في قرارة نفسه هذا المفهوم: إنني لابد وأن أجعل من أمة الإسلام عنصر توازن بين أمم الأرض جميعاً. فإن لم يؤخذ كلامي أساساً بين القرارات التي تُتّخذ بين طبقات البشر، تُرتكب إذاً مظالم شنيعة، ويُذلّ الأعزاء، ويُعزّ الأذلاء.. ولهذا فلا بد ان يكون القرار والحكم صادراً مني، وأكون أنا عنصر الموازنة. وعلى الدول ان تحدق في اجتماعاتها إلى إصبعي أنا حيثما أشير، وأن يُقَدّم كلامي على الكلمات التي تطلق هنا وهناك. ولا يُتخذ قرار إلاّ بعد أخذ رأيي في كل مسألة... فإذا ما بلغ المؤمن هذا الشعور والمفهوم فلا تستغل أية قوة استعمارية المسلمين ، ولا يؤخذ ضدهم قرار الحصار. وهذا ما يريده سبحانه و تعالي من المؤمن وهو القائل: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء: 105). فالذكر يعني: النصيحة، أما هنا فيأتي بمعنى التوراة، أو اللوح المحفوظ في معنى أشمل. وعلى هذا المعنى يمكن أن توضح الآية الكريمة كالآتي: إن الله سبحانه بعد ما كتب في اللوح المحفوظ ما كتب، كتب في الكتب المرسلة إلى الأنبياء مستنسخات من اللوح المحفوظ وهي: إن عباد الله الصالحين يرثون الأرض، أي العباد الصالحون هم الوارثون الحقيقيون الدائمون في الأرض. أما حاكمية الآخرين للأرض فهي عابرة خاطفة؛ إذ الحاكمية الدائمة على الأرض بالتجدد المستمر، إنما هي حاكمية العباد الصالحين، وما يتشكل منهم من أمم صالحة ومجتمعات صالحة. ولقد تقرر هذا قانوناً في اللوح المحفوظ، وسجّل في الزبور نقلاً منه. نعم، إن الزبور غير المحرف الذي اُرسل إلى سيدنا داود عليه السلام فيه هذا القانون . نعم، ربما تظهر نظم - مما لا يرضى به الله - في الشرق والغرب، ويظهر فراعنة ومتمردون في كل مكان ولكن لفترة معينة ولمدة عابرة. فهذا لا يخالف القانون المكتوب في اللوح المحفوظ وفي الزبور، والذي أخبر عنه القرآن الكريم. لأن الميراث المذكور هو الميراث الدائم والحاكمية المستمرة لمدة طويلة. أما ظهور حاكميات غير الصالحين بين فترة وأخرى، فهو مبني على حكمة إلهية وهي إيقاظ المسلمين وتذكيرهم ليبادروا إلى الاتفاق فيما بينهم. وهذا قانون إلهي لا يقدر على تبديله أحدٌ قط. فذوو الأخلاق الفاضلة في عصرهم أو من لهم نصيب وافر منها هم الذين يكونون حكاماً في الأرض. وجدير بالملاحظة أن المقصود بالأخلاق الفاضلة لا يعني التردد إلى المسجد أو ما شابه ذلك فحسب بل هو الاتصاف بأخلاق النبي صلى الله عليه و سلم في كافة مرافق الحياة، وبهذه الأخلاق يدرك الإنسان معنى الأشياء والحوادث وعلاقة الإنسان بالكائنات، وفيها أيضاً المحافظة على التوازن التام بين أغوار الأنفس والتفكر في أغوار الآفاق.. وبمعنى أوسع فالمصلحون في الأرض هم المرشحون دائماً لإدراك الخلود. ولا يمكن أن يحقق هذا المعنى الواسع للحاكمية، الذين يثيرون الإرهاب والفوضى في أنحاء العالم ويرتكبون الجرائم تلو الجرائم ويستغفلون الناس - ولاسيما الشباب - بمشاكل سياسية، ويختلقون شعارات سياسية لجذب الرأي العام، ويعتدون بعقولهم تاركين الشورى فيما بينهم.. هؤلاء لا يمكنهم قطعاً أن يؤسسوا هذه الحاكمية - بمعناها الحقيقي - وسيفيقون من غفلتهم يوماً من الأيام عند شروق شمس الإسلام، وعندها يندمون، حيث يدركون تخبطهم في ظلمات دامسة، فيعترفون بخطئهم. نعم، إن الإنسان الذي خلق مكرماً سيجد الطريق السوي يوماً ما، إذ بخلافه يكون هذا القانون خطأ - والعياذ بالله - ومن المعلوم أن القانون لا يتبدل إذ: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله) (الروم: 30) إلاّ أنه سبحانه له قانون آخر وهو (إنَّ الله لا يُغَيّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11) فالله سبحانه لا يذلّ أمة عزيزة كانت تاجاً على الرؤوس إلاّ إذا غيرت الأمة ما في داخلها. فهذا القانون سار في المعنى الإيجابي والسلبي على السواء. لذا ينبغي الحفاظ على النفس، والتعمق فيها، والسعي لإدراكها، فمن كان يريد إحراز لقب الفاتح فليفتح قلعة النفس أولاً، ومن استعصى عليه فتح الداخل لا يمكن أن يفتح شيئاً في الخارج. ان بطرس الأكبر المعروف بجنونه، رسم للروس خطة مثالية، كانت خطته هذه موضع اهتمامهم دائماً، ويمكن ان نلخص قسماً منها بالآتي: تجاوزوا حدود البلقان، اوقفوا توسع العثمانيين واقطعوا السبيل عليهم، بثوا الفتنة والشقاق في صفوفهم. انـزلوا إلى البحار الساخنة.. استولوا على أفريقيا وممالك خليج البصرة.. لا تفسحوا المجال للأوروبيين أن يستغلوا العالم الإسلامي ضدكم حتى لو دخلتم معهم في مفاوضات.. تمضى الوصية هكذا عموماً، وأصبحت هذه الوصية إلى أيامنا الحاضرة غاية الروس وهدفهم، حتى في عهد الشيوعيين. أما وصية الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم للمؤمنين، فهي القيام بدعوة سامية ولغاية جليلة، تلك هي حاكمية الإسلام على الحياة كلها لضمان سيادة الدنيا والآخرة. فامتثال هذه الأمانة المقدسة ونشرها في آفاق العالم اليوم دَين في أعناقنا. فالمؤمن يعيش طوال حياته لأجل الغاية وسينطلق لبلوغها إلى البحر الساخن والبحر البارد، وسيُشعر بقوته وحاكميته في كل بقعة من الأرض حتى لو كانت منجمدات سيبريا ومجاهل أمريكا الجنوبية وصحارى أمريكا الشمالية. ذلك لأن الله سبحانه و تعالي لا يقبل منه أن يظل تحت سيطرة الكفار (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهِ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (النساء: 141)، إذ لو رضي بها يعني ذلك أنه فقد كل ما يملكه من إسلام وإيمان. وعند ذلك لا حقّ له في الحياة. إذ تصبح حياته كلها ذلاّ ومهانة وبؤساً وشقاء. وستكون آخرته كذلك خزياً وعاراً. ولهذا فان أقدس شعور يمتلكه المؤمن ويستحوذ عليه هو حاكميته على الأرض كافة. ولقد كنا ردحاً من الزمن حكام الأرض، فما تحقق بالأمس يمكن أن يتحقق غداً، وما علينا إلاّ بذل الجهد والسعي المتواصل وحصر الهمة به، وفي الأقل نثير همة أُولي العزم من الرجال لوضع أهداف من أجل تحقيق الحاكمية. آ. الحاكمية عند سيدنا موسى عليه السلام ومن قبله. لقد أظهر سيدنا موسى عليه السلام هذا الهدف، لبني إسرائيل المؤمنين به وهو المسؤول عن تربيتهم وتنشأتهم، ولكن لم تكن تلك الفئة أهلاً لهذا الهدف إذ كانت أعينهم لا تبصر وآذانهم في صمم عن الحقائق التي نبعت من تلك الروح السامية، وهو الرسول المشحون بتجليات ربه الجليل في طور سيناء. والقرآن الكريم يبين موقفهم هذا بالآية الكريمة: (قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (المائدة: 24). إن هذا الكلام كان يخاطب به نبي كريم من أولى العزم من الرسل. وبنو إسرائيل قد نشأوا وترعرعوا بمفهوم الأرض الموعودة.. وقد حان الآن الوقت وسنحت لهم الفرصة فلو بذلوا شيئاً من الجهد والتضحية لبلغوا الهدف ولكنهم أخلدوا إلى الأرض، فآثروا الراحة والقعود. فلم تكن في نيتهم حتى التحرك من مواضعهم، ويتحاشون بذل أي جهد وجهاد. ولاشك أن لما يريدون نواله ثمناً، ولكن عزّ عليهم دفع الثمن، ولهذا التجأ سيدنا موسى عليه السلام إلى ربه الجليل عاجزاً عن القيام بشئ (قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة: 25) وكأنه يقول: لقد ضجرت من هؤلاء وسئمت منهم فهم ذوو أرواح ميتة فاقدة لروح الجهاد، يفضلون الدعة والراحة، خائرو العزيمة والغيرة. فأدعو ملتجئاً إلى ربي: فَافْرُق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ. فجعلهم الله يتيهون في صحراء التيه أربعين سنة ضائعين حائرين. وهكذا تجري دعوة الرسل الذين يأتون من بعد موسى عليه السلام على نفس الشاكلة فنبي الله يوشع قد مضى على المنوال نفسه في الجهاد. وسيدنا داود عليه السلام كذلك. نعم إن داود عليه السلام الذي كان جندياً في جيش طالوت قد تصدى لجالوت، وقتله في ميدان الحرب. ولكن مع هذه النتائج كلها نرى أن الكثيرين من جنود طالوت يتخلفون في الطريق، (قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) (البقرة:249) ولا يبقى غير قلة من المؤمنين الذين قالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 249) ينطلقون مندفعين نحو الموت مستحقرين الحياة الدنيا، فصدّقهم الله في دعواهم ولم يكذبهم وألحق الهزيمة بجيش جالوت، فطردوا العمالقة من مواضعهم، وتحققت أمنية بني إسرائيل، وهي الدخول إلى البيت المقدس. ب. مفهوم الحاكمية على الأرض لدى الأمة المحمدية وجغرافيتها. لنلق نظرة على سيرة المصطفى صلى الله عليه و سلم نراه قد أشعل في روح الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين نور تلك الغاية المثلى - الحاكمية على الأرض - والتي أوردنا أمثلة منها. وتسبق تلك الغاية، إقامة الحياة الشخصية على الحياة الدينية دوماً، وقد حقق الله لهم هذا العزّ والظهور بفتحه أبواب العالم أمامهم. وفي الحقيقة إن هذه الغاية والهدف هو معنى رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم، فلقد بعثه الله بالقرآن الكريم ليظهره على الدين كله. كما تبينه الآية الكريمة : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِالله شَهِيداً ) (الفتح: 28) فلقد وعده الله سبحانه بفتح مكة - ولا يخلف الله وعده - و فُتحت مكة. ويفهم من الآية الكريمة أيضا أن الله سبحانه سيفتح له العالم كله، متى ما حان وقته. لأن ذلك ضمن وعد الله له أيضا، إذ لا يكون الدين على الأرض إلاّ الإسلام وحده. ذلك النظام الذي يسبغ على الإنسانية جمعاء السكينة والأمان والاستقرار. نعم إن الله سبحانه و تعالي قد أرسل رسوله بهذا الدين الذي تتنور الأرض بنوره وتُعمّر الخرائب بهدايته. فمن يوقد نار هذا التوق والاضطرام والوجد والشوق في وجدانه، يجعل الجهاد أسمى غاياته في الحياة وأعظمها بل يجعل الموت في هذه السبيل نعمة عظمى. ولا جرم إن لم يكن الفناء فلا بقاء. فالطريق الموصل إلى البقاء يمر من الفناء، والنهار يعقب الليل والربيع يعقب الشتاء، ومن ليس لهم ليل ولا شتاء في حياتهم إذن لا ربيع لهم ولا نهار. نحن في انتظار أن ينشق النهار في أمتنا.. نعم تقيمون الليالي الطوال وتقتحمون المصاعب والعسير من الأمور، وتعبرون أنهار الدماء وتدعون وراءكم أمثال أحد من الجبال ثم تنعمون بفتح مكة والنصر في واقعة جالدران. ثم سيموت كل ذلك بعد شتاء قارس، بعد ليل بهيم، بعد اختلاج آلاف الأوجاع واجتراع آلاف الآلام. ولا جرم أن لكل ولادة مخاض، فالذين يريدون أن يذوقوا لذة الولادة عليهم أن يرضوا بآلام المخاض. ان الله سبحانه و تعالي قد وعد بظهور دينه، فالذين يحملون هذا الدين سيكونون أعزاء ظاهرين على الناس ما تمسكوا بدين الله، وسيظهر الله دينه حتماً، إن لم يكن في هذه الديار ففي ديار أخرى من العالم. لأن وعده قاطع لا ريب فيه. ولكنه متعلق بمدى ما تبذله الجماعة من الجهاد والعزم والثبات لتطهير الأرض من الفتن؛ يقول تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله) (البقرة: 193) أي جاهدوا وقاتلوا حتى تُزال من فوق الأرض القلاقل والاضطرابات ويبلغ الإنسان إقليماً آمناً وسعادة دنيوية وأخروية معاً. بمعنى ان الجهاد لا يمكن تركه ما لم يعم الإسلام الأرض كلها، ولم تنعم البشرية بالأمن والأمان. إن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم قد أوقد هذا الشعور النوراني في روح الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. ولنلق نظرة إلى جغرافية الأرض المنورة بنور هذا المشعل الوضيء. انه لم تمض على خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه خمس سنوات إلاّ وقد خضع شمالي أفريقيا كله لحكم الإسلام. ومن الجهة الأخرى اجتاز جيش المسلمين بحر الخزر وفتحوا طبرستان وعقب ذلك فتح ما وراء النهر. أي أن الإسلام بلغ سدّ الصين، بمعنى أن الله سبحانه و تعالي قد أنعم على مسلمي ذلك العصر دولة تسع خمسين مرة مساحة تركيا. ذلك لأنهم استحقروا هذه الحياة وابتسموا في وجه الموت. وانتم كذلك متى ما استحقرتم الحياة وضحيتم براحتكم وجعلتم الدين حياة لحياتكم وقال كل واحد منكم الموت خير لي ما دام الإسلام لم يحكم الحياة كلها، عندها سيتفضل الله سبحانه و تعالي عليكم ويجعلكم حاكمين على الأرض. فالجماعة التي تكابد المشاق لأجل نصب الراية على قمم الأبراج وتعقد العزم على ذلك بنية خالصة لله، وتنشر على سطح الأرض حاكمية الإسلام ستندفع إلى السماء لنصب راية الإسلام هناك. فتكون بذلك قد أحرزت عناية الله ولطفه، فيرزقها سبحانه حاكمية العالم. نعم إن حاكمية العالم لا تتحقق إلاّ بعد استكمال هذه النفوس الربانية بناءها وبذل أرواحها ثمناً لها. |