بلية اللسان طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

الثرثرة مرض يدل على عدم توازن العقل والروح. والكلام المعقول والمقبول هو الكلام الذي يصل إلى عقل المخاطب عن أقصر ‏طريق ودون تشويشه. ولكي تفهم مخاطبك شيئاً لا تحتاج إلى ثرثرة طويلة، بل إن الثرثرة تجلب أضراراً في أحيان كثيرة. لأن الكلام ‏الكثير قد يحتوي على تناقضات عديدة ويجلب أسئلة جديدة لفكر المخاطب، وهذا الأمر أقرب إلى الضرر منه إلى النفع بالنسبة إليه.

‏* * *‏

الإنسان العاقل هو الإنسان الذي يدع فرصة الحديث والكلام للآخرين ويُؤَمِّنُ فرصة لتحدث الآخرين -ممن يرجو منهم الفائدة له ‏وللغير- أكثر من تحدثه هو.‏

والحقيقة أن تحدث الآخرين أمام من تنور عقله بنور الكون وقلبه بالمواهب الإلهية يعد عدم احترام وعدم توقير، كما أن صمت ‏أمثال هؤلاء الأشخاص الكاملين يعد خسارة للمجتمع.‏

‏* * *‏

التحدث قليلاً والاستماع كثيراً أمارة من أمارات الفضيلة والنضج في الإنسان. أما شهوة إجبار الآخرين للإنصات والاستماع ‏له وإن لم تدل في كل حين على مرض نفسي، إلاّ أنها بلا شك علامة من علامات عدم التوازن وعدم الحياء في الإنسان.‏

‏* * *‏

يجب أن يكون كل كلام إما لحل مسألة أو إجابة على سؤال. ويجب الانتباه عند التحدث ألا يكون سبباً وجالباً لملل وسأم ‏السائل او المستمعين.‏

‏* * *‏

من الطبيعي أن يصمت الإنسان عند وجوب الصمت، ويتحدث عند وجوب الحديث. غير أنه من الأفضل أن يتكلم أكثر ‏الأشخاص إفادة. وهذا مرتبط بالأدب وبفهم فضيلة السكوت. وما أحسن ما قاله أجدادنا: "ان كان الكلام من فضة، فالسكوت ‏من ذهب".‏

‏* * *‏

لا ترتفع قيمة الإنسان وقدره بطول كلامه، بل بمدى فائدة هذا الكلام، بل على العكس فالشخص الذي يتحدث على الدوام ‏سيقع في أخطاء كثيرة لا سيما إن كان حديثه يتناول مواضيع فكرية دقيقة أو مواضيع تتطلب الاختصاص، فيخل بذلك بقيمته ‏ويهبط بمنزلته، وما أصدق من قال: "من كثر كلامه كثر خطؤه".‏

‏* * *‏

يُظهر الإنسان نفسه بكلامه، وتعكس تصرفاته وسلوكه سمو روحه. والشخص الذي يتصور أن من واجبه أن يدلي في كل ‏موضوع بدلوه ولا يدع فرصة الحديث للآخرين... مثل هذا الشخص الثرثار سرعان ما يقابل بالنفور والضيق من قبل أصدقائه ‏ويتعرض لإهاناتهم. وفي مثل هذا الوضع قد نفقد فرصة الاستماع إلى آراء جيدة من الآخرين، كما أن حقائق سامية ستتعرض ‏للاستهانة وللهزء لكونها صدرت من فم ثرثار، وهذا عدم توقير لها.‏

‏* * *‏

لقد كان شعار قلة الكلام شعاراً من شعارات الناضجين إلى جانب شعار قلة الأكل وقلة النوم. وأول وصية لمن يريد تربية ‏ملكاته الروحية هو وجوب سيطرته على لسانه والحذر من الكلام عشوائياً. والذي يفتح فاه ويكثر من الهذر... مثل هذا الشخص ‏قد يسوقه لسانه هذا - الذي يكون عادة أكبر من عقله وأطول - إلى الخسران هنا في الدنيا وفي الآخرة ايضاً.‏

‏* * *‏

أما الذين يدعون فعل ما لم يفعلوا فأمرهم أمرّ، وحالهم أسوأ. لذا فقد بين الصادق الوعد الأمين أن المحافظة على اللسان وعلى ‏ما بين الفخذين وسيلة وطريق من طرق الوصول إلى الجنة.‏

‏* * *‏

على قدر ابتعاد الإنسان عن مرض العجب بنفسه وبكلامه وعن عدم إعطاء فرصة الحديث للآخرين يكون قريباً من الخالق ‏ومن المخلوقين ومحبوباً لديهم، وبعكسه لن يجد المكانة التي تأملها لا عند الخالق ولا عند الناس.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri