التواضع طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

الذين يلصقون خدودهم بالأرض هم أصحاب المراتب العليا عند الحق تعالى وعند الناس كذلك. أما الذين يشمخون بأنوفهم ‏ويستعلون على الناس ويحتقرونهم فلا يجدون سوى البغض من الناس والعذاب من الله تعالى.

‏* * *‏

الذين يفتتنون بأنفسهم ويعجبون بها ويعظمونها يبرهنون على نقصان عقولهم وفجاجة أرواحهم. والإنسان العاقل والناضج روحياً ‏يعلم أن كل مزية من مزاياه هبة من الله تعالى. لذا تراه في شكر دائم وفي خضوع وخشوع أمامه.‏

‏* * *‏

التواضع يجلب تقدير الخالق ورضاه حتى وإن جلب استهانة الناس أو إزدراءهم، لذا فهو يشرح القلب. أجل! فالشخص ‏المتواضع يكون قد دخل -بإحساسه برضا الله- في درع حصين، وقلعة منيعة وإن استهان به الناس واستخفوا به.‏

‏* * *‏

التواضع علامة على نضج وعلى فضيلة الشخص. والكبرياء علامة نقصه وانخفاض مستواه. أكمل الأشخاص هم الذين ‏يتعارفون مع الناس ويمتزجون ويؤسسون علاقات المودة معهم. وأنقص الأشخاص هم الذين يكرهون مخالطة الناس ويستنكفون من ‏ذلك، لأن ذلك لا يتلائم مع غرورهم وكبريائهم.‏

‏* * *‏

الذين يعيشون في مجتمع لا يعرف قدرهم وقيمتهم، سرعان ما يعلون نحو المعالي بسبب سجية التواضع عندهم. أما المبتلون ‏بعقدة الكبرياء فسرعان ما يكشفهم المجتمع فيتحولون بمرور الزمن إلى عنصر غريب ومنفور في محيطهم.‏

‏* * *‏

إن ارتفاع أي شخص إلى مرتبة الإنسان لا يكون إلاّ بتواضعه. ولا يظهر هذا التواضع ولا يتوضح إلاّ عندما لا يستطيع ‏المنصب والجاه والشهرة والعلم (وهي الأمور التي يقدرها العوام) على تغييره. فإن استطاع أحد هذه الأمور تغيير سلوكه أو تفكيره ‏عند ذلك لا يمكن الحديث عن أي تواضع، ولا عن ارتفاعه إلى المستوى اللائق بالإنسان.‏

‏* * *‏

يكاد يكون التواضع مفتاحاً لجميع السجايا الحميدة. والذي يملك هذه السجية يستطيع امتلاك السجايا الحميدة الأخرى. ومن ‏يحرم منها يحرم -على الأكثر- من السجايا الحميدة الأخرى. فبينما استطاع النبي آدم ‏عليه السلام‏ بتواضعه أن يسترجع كل ما فقده من ‏نفائس تتجاوز قيمتها العالم المادي، أصبح الشيطان الذي تورط في الذنب معه ضحية لغروره وكبريائه.‏

‏* * *‏

لم يسمُ في التكايا والزوايا سوى من وضع خديه على التراب. ولم يستفد في المدارس الدينية والمدارس الاعتيادية سوى ‏المتواضعين خلقاً، وكانوا هم الذين أفادوا المجتمع. أما الذين شمخوا بأنوفهم، وخالفوا أصول وآداب الزوايا والتكايا، ولم يسمح لهم ‏غرورهم بالجلوس وتلقي العلوم من حلقة تدريس عالم فقد ذهبوا وضاعوا.‏

‏* * *‏

لما كانت الكبرياء من صفات الألوهية، فإن مدعي الكبرياء من المغرورين تعرضوا على الدوام للغضب الإلهي وأُهلكوا بيد ‏قدرته. أما الذين عرفوا حدودهم فتواضعوا فقد سموا ووصلوا وسعدوا بالقرب الإلهي.
 
< السابق   التالى >