أيها السائح طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

الإنسان سائح، والكون معرض للمشاهد الملونة، ومكتبة زاخرة مطروحة لنظره وتأمله وسياحته. وهذا السائح أُرسل إلى هذا ‏العالم لكي يقرأ هذه الكتب ويزيد من معرفته. هذه السياحة الممتعة لا تتيسر للإنسان إلاّ مرة واحدة. وهذه السياحة الوحيدة تكفي ‏بالنسبة لصاحب العقل الرشيد والقلب اليقظان لإنشاء جنات كجنات عدن وكجنات إرم ذات العماد، أما بالنسبة للذين يعيشون ‏مغمضي العيون فلا تكون سوى لحظة عابرة تأتي ثم تمضي بسرعة.

‏* * *‏

الذين يتأملون قوانين الطبيعة وقوانين الحياة بعمق ويعرفون قيمتها يرون في ألوان الزهور وفي حركة الأغصان وفي هدير الرعود ‏وفي تغريد الطيور جمالاً لا يمكن وصفه، ويرون في كل صوت تقديساً وتسبيحاً لصاحب القدرة اللانهائية. ويرون في الضوء ‏والحرارة والجاذبية والعلاقات الكيميائية وفي القوانين التي تحكم الأحياء وتسوقهم آثار تجليات إلهية.‏

‏* * *‏

كلما انسلخ الروح من هذا العالم المادي المليء بالضوضاء وانغمر في أعماق "عالم الوحدانية" شاهد التجليات الإلهية المشرقة ‏بشكل أوضح، فيكاد يغيب عن وعيه.‏

هؤلاء الذين سموا إلى الوصال الإلهي مثل هذا السمو وتركوا أنفسهم بين أمواج المد والجزر للوجد الإلهي واستغرقوا فيه، يرون ‏في المناظر الصامتة للسهول الوحيدة الممتدة على مد البصر، وفي الحياة الزاخرة في أعماق المحيطات، وفي الوقفة الوقورة للجبال ‏الشاهقة التي تناطح السحاب، وفي ظلام المساء الذي يداعب السفوح الخضراء، وفي الروائح العطرة المسكرة للزهور الساحرة ‏المنتشرة في الحدائق، وفي منظر قطرات الندى وهي تبتسم فوق الزهور الصغيرة وتهتز مع النسيم فتسحر الألباب وتشرح القلوب... ‏يرون في هذه المناظر تجليات وانعكاسات من جماله هو.‏

‏* * *‏

ماذا يضرنا إن لم نحط به علماً؟! كل صوت إشارة ورسالة منه. يقول الأديب والحكيم الألماني "جوته":‏

‏"إننا نحدس وجود الله في قلوبنا وفي الطبيعة، فما أهمية إن عجزنا عن معرفة ماهيته؟ أجل! فماذا نعرف حول الماهية الإلهية؟ ‏حدسنا حول الله عاجز ومحدود ولا يغني شيئاً. وحتى لو ذكرناه بمئات من أسمائه وصفاته فإننا سنبقى دون الحقيقة بكثير. فالوجود ‏المطلق للألوهية لا يتجلى في الإنسان فقط، بل في كل صغيرة وكبيرة وفي كل حادثة دقيقها وخطيرها وفي الظواهر المتصفة بالقوة ‏والغنى للطبيعة. فهل من الممكن أن تكون الأوصاف البشرية كافية للإحاطة بمثل هذا الذات الأكمل؟" هذا ما يقوله "جوته"، ‏وهكذا يحول الأنظار نحو الذات الإلهية المعلومة والمجهولة معاً، والمتجلية بآثارها في العالم وفي الكون.‏

‏* * *‏

نحن خرجنا إلى سياحة دائمة لا تنتهي نحو ذلك الذات الأقدس الذي ستر ذاته عن العيون وتجلى بآثاره... هدفنا أن نكون دائماً في ‏الطريق الموصل إليه، وندخل من الأبواب المتفتحة عليه... نحن في رحلة أبدية نحوه... فما دام هذا العالم موجوداً فرحالنا مشدودة دوماً ‏إليه وقلوبنا تتغنى بحبه... كيف لا ولم نأت إلى هذا العالم إلا لكي نعرفه! ولا نعرف وظيفة أعظم وأجلّ من هذه الوظيفة... نحن جميعاً ‏ظل من ظلال وجوده... أما هو فمصدر ومنبع ومرجع كل شيء.‏

‏* * *‏

هو الذي فجر المياه من الأرض، وأسال العيون والينابيع بكرمه... هو الذي ألبس الشمس تاجاً من الضوء والحرارة، وزين ‏الأرض بآلاف من الورود والزهور وألبسها آلافاً من الحلل... السماوات والأرض والبحار الواسعة منه... السحب والغيوم تنظر ‏إليه بعين البحار، والبحار تسبح له بلسان الغيوم. هو الذي ملأ بطن الأرض بآلاف من التحولات والعمليات، وصبغ المرجان ‏باللون القاني... الشموس عبيد على بابه، والعوالم واقفة أمامه مثل أسرى كبلت أقدامهم وأرجلهم بالسلاسل.‏

‏* * *‏

ياخالقي العظيم! كل ما في العالم من ملك وسلطنة تحني هاماتها في ظل رايتك... وكل السلاطين عبيد عندك... كل شيء ‏يهرع نحوك ليلتمس منك الوجود، أما أنت فموجود بذاتك دون حاجة لأحد... الموجودات الوقتية تدخل عالم الوجود وتأخذ ‏أشكالها ثم تنطفئ وترحل. أما أنت فبريء من كل هذا ومستغن عن كل شيء. أنت واحد أحد، لا شبيه لك ولا مثيل ولا تحتاج ‏إلى أحد. الوجود بأجمعه يطلب المدد من وجودك الأحد الصمد. أحديتك واحة وجنة للظامئين في الصحارى، وماء كوثر لهم. ‏الأرض باقية بقدرتك، والسماء منتظمة بقدرتك وإرادتك. ولولا أن الكون كله مستند إليك لتناثرت النجوم تناثر حبات المسبحة ‏في أرجاء الكون.‏

‏* * *‏

سعدنا جميعاً بك... وجدنا طعم السعادة بمعرفتك... كل سعادة لا تشير إليك فنحن برآء منها، ونلعن مثل تلك السعادة... ‏أجل سننسى كل شيء لا يتحدث عنك ونقطع علاقتنا معه.‏

‏* * *‏

اللهم يا ذا الرحمة التي لاتُحد! نحن عبيد عند بابك! لم نسجد لأحد غيرك، ولم نكن عبداً لأحد سواك، وسنظل هكذا في الدنيا ‏وفي الآخرة. لم نشتك لأحد غيرك، فإن فعلنا ذلك دون قصد فاقبل توبتنا من ذلك، واقبل رجوعنا إلى بابك وساحتك، واملأ ‏أقداح هؤلاء الملازمين لبابك لترتسم البسمة على هذه الشفاه التي نسيت شفاهها البسمة منذ عصور.‏

‏* * *‏

يا أمل المحزونين والمكروبين ويا مصدر سعادتهم! يا صاحب الغرباء! يا شفاء القانطين واليائسين! افتح ستاراً لعبيدك الحيارى، ‏وأطفئ ظمأهم وكن دواءً لدائهم! كم كنا نود لو نستطيع شرح لوحات الجمال التي وهبتها للعالم، وانعكاسات ألوان الجمال هذه ‏في قلوبنا للآخرين. ولكن إن قصرنا في هذا... وإن عجزت كلماتنا وبلاغتنا عن هذا فاغفر لنا واصفح عنا وتب علينا يا تواب...
 
< السابق   التالى >