الحيـطة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

اتخاذ الحيطة تصرف مهم يحول دون الوقوع في الخسارة في أي أمر أو في أي فعالية من دون مواجهة المصائب ثم إطلاق ‏الحسرات. فما أكثر المحاولين الذين لم يراعوا الأسباب حق الرعاية وكانت النتيجة الحتمية أنهم لم يجدوا أمامهم إلاّ إطلاق الزفرات ‏أو ندب حظهم ولوم القدر. فهم يقصرون في رعاية الأسباب في البداية، ثم يقعون في الخطأ عندما ينتقدون القدر.

‏* * *‏

تتناسب أهمية الحيطة ومراعاة اتخاذ التدابير اللازمة مع أهمية الهدف الذي تستهدفه أي محاولة أو نشاط. لذا فإن لم يقم أي ‏شخص بتنظيم أعماله والأخذ بنظر الاعتبار الأرباح والخسائر المحتملة للمسؤولية التي أخذها على عاتقه، ونسبة أهمية ومقدار هذه ‏المسؤولية فهو إما شخص غير جدي في أعماله هذه، بل شخص مغامر، أو هو شخص ساذج وأحمق. وقيام هؤلاء الحمقى بمثل ‏هذه المحاولات أسوأ من الجمود وعدم الحركة.‏

‏* * *‏

إن اتخاذ الحيطة والتدابير اللازمة رأسمال كبير للإنسان الذي يأمل الوصول إلى مبتغاه. وإبداء أي تراخ أو إهمال خطأ كبير، إذ ‏سيؤدي في النتيجة إلى تبادل الاتهامات، والإنسان العاقل هو الشخص الذي يجد الحلول اللازمة للأضرار المتوقعة ويتلافاها قبل ‏ظهورها. أجل فكما قال أجدادنا: "عليك أن تمسك بتلابيب النشال قبل أن ينشلك".‏

‏* * *‏

على كل إنسان أن يتناول كل عمل ضمن خطة مسبقة وتدبير، وعليه تجنب كل شيء لا يؤدي في النتيجة إلى فائدة مادية ‏وفضيلة معنوية تجنباً قطعياً. فكل محاولة لم يؤخذ لها مثل هذا التدبير منذ البداية تعد عبثاً. والاشتغال بالعبث يدل على نقصان عقل ‏ذلك الشخص وطفولة عقليته.‏

‏* * *‏

إن أي شخص يستطيع أن يظهر قدره وقيمته ويبرهن عليها عندما ينجح في اجتياز الامتحانات الصعبة والظروف غير المواتية. ‏ونجاح الدعوة في ظل هذه الشروط يستند قبل كل شيء إلى خطة محكمة والتصرف والحركة ضمن هذه الخطة. وعلى هذا فقدر ‏أي شخص وقيمته تتناسب مع مقدار نجاحه، ويتناسب نجاحه مع صحة القرارات التي اتخذها قبل البدء في مشروعه وعمله تناسباً ‏طردياً.‏

‏* * *‏

كما أن اتخاذ الحيطة لا يعني الخوف والتراجع إلى الوراء لأنهما شيئان مختلفان تماماً، كذلك فإن التصرفات البعيدة عن الحيطة ‏وعن اتخاذ التدابير اللازمة لا علاقة لها بالشجاعة والبسالة.‏

صحيح أن الإفراط في الشق الأول قد يؤدي إلى بعض الأضرار والخسائر ولكنها أضرار يمكن تلافيها. أما الذين يعدون عدم ‏أخذ الحيطة شجاعة وتكون تصرفاتهم متسمة بالدونكيشوتية فإن أسلوبهم هذا يكون خطراً وضاراً على الدوام.‏

‏* * *‏

وككل خصلة رديئة فإن الخروج لاصطياد الجماهير تحت عناوين تحبها هذه الجماهير هو مما ورثناه عن الغرب. ويرى الذين ‏يتبنون هذه الفكرة اللقيطة أن من الطبيعي إحداث ضوضاء في كل حركة كالضوضاء التي تطلقها الدجاجة وهي تضع بيضة ‏واحدة، بينما نرى نحن أن كل نشاط يجب أن يجري في سكون وصبر يحاكي سكون وصبر المرجان الذي يتكاثر بهدوء ودون ‏ضوضاء في أكثر الأماكن هدوءاً وبعداً عن الأنظار.‏

‏* * *‏

إن منزلة الإنسان عند الله تعالى تقاس بعلو همته. وأبرز علامات علو الهمة هو تضحية الإنسان بمنافعه وبملذاته الشخصية في ‏سبيل سعادة الآخرين. ولا أدري أهناك تضحية أكبر من قيام الإنسان بالدوس على كرامته وشرفه في سبيل سلامة المجتمع وكظم ‏غيظه بدلاً من إطلاقه زئير الغضب، ووضع القيود على جميع رغباته الشخصية فيما يتعلق بسعادته في كل مرة... أهناك تضحية ‏أكبر من هذه التضحية؟

‏* * *‏

كما أن حصر نجاح "جيوش الفاتح" في شجاعة وبسالة هذه الجيوش وعدم الالتفات إلى الخطط العسكرية الحكيمة لهذه الجيوش ‏وعدم إعطائها أي أهمية يعد غفلة وقصور فكر، كذلك فإن ربط كل أسباب النجاح بالجرأة العمياء وبالتهور وعدم إعطاء أي أهمية ‏لاتخاذ التدابير اللازمة حماقة لا تغتفر.‏

‏* * *‏

إن أي حملة نشاط وفعالية مثلها مثل اتخاذ التدابير، إنما هي دعاء متوجه لله تعالى. وهما في الوقت نفسه وجهان لحقيقة واحدة. ‏وأي قصور يطرأ على أحدهما يؤدي في أحيان كثيرة إلى انقطاع المدد الإلهي والعناية الإلهية مما يؤدي إلى الفشل. والاستمرار في ‏السير دون تعثر إنما يمكن فقط عندما يكون هذا السير مستنداً كل لحظة إلى البصيرة الواعية. فطوبى لمن أدرك هذا وفهمه.
 
< السابق   التالى >