فلسفة الحياة عندنا... طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 14
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

يعيش قسم من البشر من غير ممارسة للفكر. وقسم آخر منهم يفكر، ولكن لا يعكس فكره على واقع الحياة قط. أما ما ينبغي ‏فهو أن يعيش الإنسان وهو يفكر، وأن يبتكر أنماطاً فكرية جديدة إذ يعيش، فيتفتح على آفاق مُركّبات فكرية مختلفة. والذين ‏يعيشون من غير فكر هُم دُمى تُمثّل فلسفة حياة للآخرين. هؤلاء يلهثون للتغير من شكل إلى شكل، ولا يملّون تبديل قوالبهم، ‏ويضطربون ما عاشوا في الانحراف بين الشعور والفكر، والانـزلاق في الشخصية، والتمسّح بين الصورة والسيرة. وقد يتقاسمون ‏حيناً حظوظاً حصل عليها المجتمع، ويستفيدون حيناً من توافق مجرى الأمور - وكأنها تترتب حسب تفكيرهم وحسهم وإرادتهم - ‏لكنهم لن يريحوا أرواحهم البتة بالمحاسن والفضائل الإرادية، ولن يَشبّوا بها إلى العلى، ولن يوجهوها إلى اللانهاية. هؤلاء يشبهون ‏برك الماء العقيمة والمحرومة من البَرَكة والخامدة والمعرضة إلى الأُسون. فلا يبعد أن يتحولوا بمرور الزمان إلى مجمع للفيروسات ‏ومأوى للمكروبات، بَلْه أن يفيدوا بشيء باسم الحيوية.

وهم ضحالٌ فكراً وسطحيون رأياً إلى درجة كأنهم أطفال يقلدون كل ما يرون ويسمعون، وينجرون وراء الطغام هنا وهناك، ‏ولا يجدون سانحة للإحساس بأنفسهم والإنصات إلى دواخلهم وتمحيص قيمهم الذاتية... بل لا يشعرون البتة بوجود قيم تخصهم ‏بأنفسهم. فيحيون كعبيد لأحاسيسهم الجسمانية والبدنية عبودية لا انعتاق منها. ويُسَخِّرون كل شيء حصلوا عليه، ويحصلون، ‏لخدمة الجسمانية في إطارها الضيق، ويغيّرون أعظم الألطاف التي وهبها الله للإنسان، كالقلب والإرادة والحس والشعور، إلى ‏وسائل رخيصة لملذاتهم البدنية، ويقضون أعمارهم في بوهيمية. المقام والمنصب والشهرة والمنفعة والحرص على الحياة، من أهم ‏العوامل التي تُعيّن حركة هؤلاء وفعالياتهم. وسواء أعرفوا أم لم يعرفوا، فهم يقعون كل يوم في واحد أو أكثر من هذه الفخاخ ‏القاتلة، ويذبحون أرواحهم مرات بسكين أرذل أنواع الموت. ‏

وليس لأمثال هؤلاء ماضٍ ولا مستقبل، ما داموا يرددون قول عمر الخيام: " لا تَشغل البَال بماضي‏‎ ‎الزمان/ ولا بآتي العيش قبلَ ‏الأوان/ واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ/ فليسَ في طبعِ اللَّيالي‎ ‎الأمان"، ويتبعون غرائزهم الحيوانية، ويرون الدنيا عشبا ومرعى، ويحيون ‏راغمين أنف مشاعرهم ومَلَكاتهم الإنسانية. فلا ينفكون من التقلب المضطرب في المستنقع و"اللوثيات".‏

أما الذين يعيشون حياتهم مفكرين، ويجعلون - حسب درجاتهم - كل يوم، أو كل ساعة، من حياتهم ميناءً أو مرسى أو طريقاً ‏للأفكار المبتكرة، فهؤلاء يمضون أعمارهم في خوارق العيش ما فوق الزمان، ومفاجآته وسحره، فيتجرعون الماضي كماء نبع ‏مبارك، ويتنفسونه نفحةَ رائحةٍ في رئاتهم، ويطالعونه ككتاب، ويسيرون إلى المستقبل بهذه العُدة... ويحضنون الزمن الآتي بحرارة ‏قلوبهم، ويلونونه بآمالهم، ويصورونه بعزمهم وإرادتهم... ويحتسبون الزمن الحاضر مركزاً استراتيجياً لتنفيذ أفكارهم المثالية، ومصنعاً ‏لإنتاج التقنيات الضرورية في هذا السبيل، وجسراً للعبور من النظري إلى العملي... وَيَجدّون دوما كي يكونوا فوق الزمان وفوق ‏المكان.‏

فهُم من وجهة يطالعون الوجود والزمان في هذا المستوى، ومن وجهة أخرى ينسلخون من ضيق الحياة الجسمانية وينفسحون ‏في رحاب عالم الفكر ويسيحون -وهم في هذه الحياة الفانية الموقوتة- على سفوح ممتدة إلى اللانهاية في عالم آخر ذي بُعْدٍ أبدي... ‏يسيحون ويدفعون عربون اللانهاية بأفكارهم وأحاسيسهم وآمالهم، ويتعايشون مع مشاعر اللانهاية، ويتطلعون إلى ثراء الكينونة ‏الإنسانية في أغوار الرحاب اللَدُنّية التي حفروها في مغاوص قلوبهم، ويجدّون في اصطياد أنواع الفجاءات بالشِباك التي نشروها في ‏قلوبهم مما لا تبصره الأعين ولا تستمع إليه الآذان ولا يتصوره خيال الإنسان. فترشدهم علومهم ومعارفهم ومكتسباتهم العالية فوق ‏المستويات، إلى ما هو أعلى، بل أعلى المعالي، ويؤمّل كلّ منهم أن يكون عُقاباً سماوياً. فهؤلاء الذين يحيون حياة كهذه، ويجعلون ‏أعمارهم مزارع لأشجار الفكر، سَمّوهم إن شئتم أهل الحكمة، أو أبطال الفلسفة ذوي الهدى، وعرّفوهم كما تشاءون، لكن ‏اعلموا بأن رجال النور الذين يحيكون التاريخ برقة وظرافة نسيج الحرير، قد ظهروا دائماً من بين هذه الأرواح العالية، على مر ‏الزمان الممتد من العوالم القديمة إلى عصرنا الحاضر. وحتى أنظمة البراهمية والبوذية والكونفوشية والطاوية والزرادشتية، التي تشبه ‏النظم الفلسفية وليس الأديان، هي هدايا أبطال الروح إلى الإنسانية.‏

فإن ألحان صروح الفكر هؤلاء، تسمع دوماً في خرير تيار الفكر المديد إلى الماضي. إن الرؤى المختلفة إلى الحياة وأنماط الحياة ‏المتنوعة وأحواض الحضارات العالمية والثراء الثقافي في الجهات الأربعة من العالم القديم والجديد، كانت دائماً من نتاج بيادر الفكر ‏لهؤلاء الأبطال. فمع كل هذا التبديل والتحريف والإبعاد عن الأصل الذي أصابه، يمكننا أن نقول باطمئنان تام إن القسم الأعظم ‏من البشر في الأرض لا زالوا يتبعون آثار ذلك المحتوى والمعنى والروح القديم -مهما تعسر التأليف بين الحياة المعاصرة وبين هذا ‏القول- وأظن أن الضرورة قائمة لكي نتقبل استمرارية الأخطاء -كحالة طبيعية- بحسن الظن وحسن التأويل، وذلك إلى أن يجد ‏‏"الممثلون" الأبطال الأمورَ التي لم تتعرض إلى التحريف والتبديل من تلك المرجعيات.‏

وبناءً على ذلك، ما يجب علينا اليوم - ونحن نستعد للتجديد مرتبطين بأوثق الروابط بجذور معانينا الذاتية - هو أن نجهّز ‏الأبطال الذين يجيدون تلقيح أنفسهم بأمصال الوقاية المستخرجة من ذات أرواحهم... الأبطال المُنْشِدون القادرون اليوم على أداء ‏الكلمات لأناشيد ماضينا من غير تعثر بشيء أو بعائق، وعلى استشعار توقد الحماس في قلوبنا المتجددة كل مرة بتلون آخر.‏

والواقع أننا سوف يطالنا خراب عظيم على أيدي صناعٍ أجانب أغرارٍ، لحين إعدادنا وتجهيزنا لهؤلاء الأبطال. وإبّان ذلك، ‏ستشتغل الإنسانية جمعاء أيضاً بصب أساطيرها القديمة لملء فراغ القيم الأزلية الكونية التي تبحث عنها بوجدانها فلا تعثر عليها ‏بعقلها... فتتقلب من فقدان الطمأنينة إلى دوار الأزمة، ومن دوار الأزمة إلى تخريبات جديدة.‏

لقد غابت عن واقعنا منذ قرون منظومة فكرية ذاتية، وفلسفة حياة ذاتية، تعتمد على الحركيات الإسلامية التي تشكل جذور ‏المعنى لثقافتنا "الملّيّة"، فتشتتنا شذر مذر، نحن وعالم كبير مرتبط بنا. ومن الضروري أن نميز بين النسق الفلسفي والفكري لمترجمي ‏نظام الفلسفة اليونانية المتجمعة في الحوض الفكري لأرسطو، من أمثال الكندي والفارابي وابن رشد، وإلى حد معين ابن سينا، وبين ‏نسقنا الفكري وفلسفتنا في الحياة، الموصولة الجذور بالسموات، القديمة كالأزل، لكن الجديدة، بل الأكثر جدة من الجدة ذاتها، إلى ‏درجة القدرة على استيعاب كل العصور، والمنضودة من الحكمة والحِكَم. فموضوع نسقنا الفكري قائم على تفسير ذي تنـزّل من ‏اللاهوت والجبروت والملكوت والناسوت، ومعلوم المنشأ ومنوّرٍ، ومعتمدٍ على حقيقة الخلق. فإذا استطعنا أن نتفهم هذا التفسير ‏والتأويل بنكاته الذاتية، نكون قادرين على إبراز نظامنا الفكري. وهذا يعني في الوقت نفسه افتتاح طرق واسعة تؤدي إلى تجديد ‏جاد على مستوى العالم كله.‏

لقد بذلت الجهود في سبيل نظام فكري كهذا مرات كثيرة منذ عهد محمد الفاتح -جعل الله مثواه الجنة- لكنها لم تبلغ الغايات ‏المرجوة منها. هذه الملاحظة يمكن أن تتعرض إلى المناقشة من بعض جوانبها، لكن الحال هو هذا عموماً. لقد جَدّ الكثيرون في أن ‏يستجيبوا لمثل هذا البحث والترقب في الوجدان الاجتماعي العام، كأمثال خوجه زاده والملا زيرك، أو مصطفى رشيد باشا ‏ومهندسي "المشروطية" (الحكم الدستوري)، ومنهم إلى كثيرين من عمال الفكر في المرحلة الحديثة، الخالصة نياتهم وغير الخالصة. ‏لكن بعضهم تعثر وتوقف عند "تهافت" ابن رشد والإمام الغزالي، وبعضهم غرق في دوامات الثورة الفرنسية واوغوست كومت، ‏وبعضهم تلهى وانشغل بهذيان دركهايم... ولم تكلّ الحركة أبداً، لكن لم يحسبوا حساب العصر حيناً، أو تراكضوا وراء الأحلام ‏وحدها، أو اتخذت الأهواء والرغبات آلهة من دون الله فتبدد في الحيرة والضياع ميراث ألف سنة من القيم "الملّيّة". ويا ليتنا استطعنا ‏الآن أن نتجاوز هذه السلبيات... هيهات هيهات! فلسنا ندعي أننا ننظر بعين الرضا إلى هذا الجانب من واقعنا. فكم أتمنى أن ‏نتجاوز السلبيات كلها، وأن نطور نظاماً فكرياً وفلسفة "مِلّية" تتغذى من مصادرنا الذاتية! ‏

وأشير هنا إلى أن آراءنا ستتناقض مع بعضها باستمرار وسينهش بعضنا بعضاً في فخ "التعارض والتساقط"، بسبب الاختلاف في ‏زوايا الشعور والإحساس بالكائنات وتفسيرها، ما لم نُقِم ما نبنيه على قاعدة فكرية راسخة كهذه، وما لم نمتلك نظاما فلسفياً ‏كهذا. فيجب تحقيق عائدية مستقبلنا إلينا، مثلما حاضرنا، بهذه الأصول، وبهذا النظام، وبفيض أسلوب تتقاسمه الأجيال جميعاً. فإذا ‏لم تتحقق الوحدة في مشاعرنا وفكرنا ونمط حياتنا، فستظل الوحدة "الملّيّة" والتضامن "المِلّي" أُمنية حماسية. فالمنطلق "الملي" والفكر ‏‏"الملي"، والمحاكمة "الملّيّة"، وواردات الروح، أمور بالغة الأهمية في أي نظام من الأنظمة. فإن أي نظام فكري يستطيع أن يحقق ‏وحدة الحس، ووحدة المنطق، ووحدة المحاكمة، وسهولة التعايش معاً لشعب من الشعوب، بالمقياس والقدر الذي يستمد من عقل ‏الشعب ووجدانه وعالم أحاسيسه... وعلى الضد إذا تصادمت المشاعر والأفكار والتفاسير والأساليب، وتناقضت المحاكمات، فإن ‏تزاحم الحركة في هذه الأحوال، لا يعني كثرة البركة البتة. ودع عنك البركة، فكثيراً ما يؤول المصير إلى الاضمحلال في هذه ‏الأوضاع. إن كل حملة وجهد في المجتمع الذي يعاني من فوضى في الفهم والتفسير يشبه أمواج البحر المرتطمة ببعضها، إذ تتكاسر ‏دوماً وتنصبّ إلى حوض عطالتها وتلف وتدور في فراغ الدور والتسلسل الفاسد. ولعلنا نجد بالتمحيص حكمةً في تكاسر أمواج ‏البحر بالارتطام مع بعضها، لكن أمثال هذه المصادمات في المجتمع لا يخلف إلا التعفن والانحلال وإهدار النفس. ففي مثل هذا ‏المجتمع، يكون كل فرد ذئباً يفترس الآخر، وكل فكر برنامجاً للموت. ومع أن السماء تمطر رحمة على مثل هذا العالم، لكن الهيئة ‏الاجتماعية تبقى تحت تهديد عُثّتها. وكذلك تبقى القيم التاريخية فيها معرضة إلى الانخراق والتمزق، وتبقى المقدسات مهددة ‏بالتبدد. ولا محل للوفاء عند الكهول في الركام البشري لهذا المجتمع، ولا مكان للفتوة عند شبابهم. فالقوى الفتية والحركية المأمول ‏منها أن تسمو بالمستقبل كسارية العلم على هاماتها، هي التي تحتقر الراية وتشتم الماضي من جهة، وتحسب المستقبل ساحة جنون ‏لإجراء رذائلها من جهة أخرى... أما الكهول والمثقفون الذين سلموا أنفسهم للامبالاة المفزعة، فيتصرفون كمشجعين لفكر ‏‏"اللوثيات"... فتراهم يثيرون البوهيمية في الأرواح ويصبّون ماء النار على البصائر، بأقوالهم وكتاباتهم ورسومهم وبرامجهم في ‏وسائل الإعلام.‏

وفي مثل هذه المرحلة، لا تحفز مآوي العلم عشق العلم وفكر العلم في الأرواح... ويلعب أصحاب أيديولوجيات معينة بالذين ‏يمثلون القوة وكأنهم دمى، يفترس بعضهم بعضاً... ويضطر المنطق والمحاكمة والإلهام على المسير في الممرات الضيقة للرموز ‏والإشارات... وبدهي أن الحياة بذاتها تكون تعذيباً للحياة في مجتمع كهذا، عامرٍ بالنقائض والمخالفات، مقدّمٍ للرغبات والأهواء ‏على الفكر.‏

والحال أن نظام الفكر وفلسفة الحياة عندنا رحيبة، تتناول عوالم الوجود، وما عدا الوجود، وما قبل الوجود، فتقيّم الأشياء وما ‏عدا الأشياء في كلية، وتعيّن معالم نمط الحياة في تكامل وإحاطة. فهو نظام يحقق العدالة الكونية المرتقبة في الأرض كلها بتحويل ‏السلوك الأخلاقي إلى حال السيولة في المجتمع وأجزائه الأفراد، ويستجيب للمتطلبات الإنسانية، فيصل المجتمع في ظل ذلك إلى ‏القدرة على تجديد نفسه ذاتيا بالتربية على الروح والأخلاق والفضيلة والتفكر. ثم يكون فكرنا الحضاري وغنانا الثقافي كسلعة ‏رائجة في كل أقطار الأرض، فنغدو اليد المعطاء التي تقدم في ارتياح هبات فكرنا الإنساني وفلسفتنا الأخلاقية وفهمنا للفضيلة ‏ومتلقياتنا للعدالة. وبفضل هذا الوضع والمستوى أيضاً، تنبجس الحركيات الإدارية والأصول الاجتماعية والاقتصادية في الدولة، ‏كما في مصادرها الأخرى، من الروح الذاتية للأمة، فتتحرر من أنواع "المقيِّدات" كلها. إن "التقيّدات" الضمنية المضروبة على ‏رقابنا حتى الآن كالنير، بسبب نقاط ضعف فينا أو مديونيات علينا، ومهما كانت خفية غير جلية، عَرّض نظامنا الإداري، وأنظمتنا ‏الاقتصادية والسياسية والعدلية إلى العطل والفشل، وأصابها بالشلل. إن أبناء أرومتنا الذهبية الذين جعلوا الأناضول أرقى بلاد ‏الأرض عمرانا قد نسجوا أو أنشأوا أنظمتهم الإدارية والسياسية وتشكيلاتهم العدلية، بمستلزمات الروح الذاتية. فلم يسمحوا لفكر ‏أو لمؤسسة أو لَتَلقٍّ أن يجتاز من أبواب هذه المؤسسات التي تُعَدّ "بيوت الحرم" للأمة، ما لم يُقَيّم بالمقوِّمات والمعايير الذاتية. ودع ‏عنك أن يأذنوا بذلك، فهم لم ييأسوا حتى حين انسحابهم جانباً وقد أثخنتهم الجراح مغلوبين إلى مدة، بعد حرب ضروس مع العالم ‏كله، ولكن مع بريق الأمل، مهزومين ولكن مع الإيمان. فلم يتوانوا عن إلقاء أيديهم إلى التهلكة لحماية أصل حياتهم الذاتية، ‏وتراكموا حول الشعور التاريخي، وعضوا بالنواجذ -حسب إفادة الحديث النبوي- على الحركيات التي يدينون بوجودهم لها... ‏فكانت نواصيهم عالية، وتَلَقّياتهم عن الدنيا والعقبى موزونة، وأنفاسهم حرى، ماضين نحو "إحياء" جديد...‏

وقد نستطيع أن نكون مثلهم، وقد نتقدم عليهم، ونحن نترقب فجراً يتبع فجراً في هذا الزمن، إذا قيّمنا الدنيا التي نعيش فيها ‏تقييماً صحيحاً من وجهة أفق الحكمة الذاتية، ففسرنا الأشياء والحوادث تفسيراً صحيحاً، وشخّصنا المتطلبات الأساسية لبناء إنساننا ‏الداخلي، وانشددنا بفكرة التواجد والحضور إلى الأبد. وما الذي يعيق الأجيال البصيرة عن تقدم الصفوف، ما دامت قادرة على ‏تقييم الماضي والحاضر والمستقبل على صعيد واحد، وحامية لأعراف المجتمع وتقاليده وحركيات تاريخه، وماهرة في تفسير تكرر ‏التاريخ باتجاه تجديد الذات؟

ومن المفيد أن نذكر مرة أخرى بأن مسؤوليتنا الأساسية اليوم هي إشعار وجدان الأجيال بمؤثرات الكدح المبذول منذ عصور ‏مديدة، والعقائد الإيمانية المتشربة في النفوس، والثقافات المتأصلة الجذور، على قدر أعماقها في ذاتها، وذلك بتطوير حس التاريخ في ‏الأمة. فإذا نجحنا في هذا، فلن يخطر على بال أحد بعد جيلين أو ثلاثة أجيال أن يعيش فوق تراب هذه البلاد، ثم يستعير لمؤسسات ‏الشعب المتنوعة مصادر أجنبية عن حركيات روحنا ومعنانا.‏

نعم، نحن نجلب عناصر حياة الغد من ماضينا. فإن استطعنا أن نعجنها في معاجن ثقافتنا الذاتية بنور الدين وضوء العلم، نكون ‏قد جهزنا خميرة أبديتنا.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri