القضية الكبرى لشعبنا طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

إبّان تزحزح العالم كله نحو الربيع في هذه الأيام، يتفق الجميع على أن المستقبل سيكون خيراً على رغمٍ من معوقاتٍ بسبب ‏الوضع التاريخي. وجدير بنا أن نطلع على حال الذين يضغطون على هذا "التكوين" العالمي بعزم وإرادة وقدرة عالية. ولا شك في ‏أن من واجب كل مثقف أن يفكر ملياً في مستقبل وطننا وشعبنا. لكن الشك فيما إن كان الجميع يحسون بمسؤوليتهم هذه أم لا. ‏الثابت عندي هو أن نفراً قليلاً في هذا الوطن يقومون ويقعدون منذ سنوات مديدة حالمين بالمستقبل ومضطربين، على أملٍ بأن ‏الطرق الوعرة ستوصل إلى الممهدة في يوم آت.

هذا الوطن، وهذه الأرض، التي رويت منذ زمان بدماء ملايين النفوس المضحية، تعيش اليوم مع كثير من أبنائها الأوفياء حماس ‏العبور من الماضي إلى الآتي... طافحين بالرجاء والأمل وممسوسين بقشعريرة حمّى الارتقاء بشعبهم. فترى إحدى يديهم ورجليهم ‏منشغلة بالعمل اليومي، وأخراها منشغلة في تجهيز الخطط والبرامج للمستقبل، بل تجدهم قد وهبوا أحاسيسهم ومشاعرهم لإمرة ‏فكرهم ودعواهم. ولا بأس أن نقول بأن التاريخ التليد المجيد، والشعب المحظوظ الذكي، الذي حمي وحفظ قضيته الكبرى منذ ألف ‏عام، فطوّرها وصوّرها حُسناً وشكلا، يحس بالتهاب جذوتها في الأرواح كرة أخرى بوازع الحنين المزمن الحاد. فإن كثرة من الجيل ‏الجديد يبدون وكأنهم رموز هذه القضية، وممثلو هذه الرسالة، بفيض مشاعر الوحدة والتضامن، والعزم على الرقي بشعبهم فوق ‏شعوب العصر. وكأنّ مآل المستقبل إلى أن يكون سرادقاً أبدياً لهؤلاء، ما لم تهب عاصفة مضادة لا تبقي ولا تذر.‏

هذه القضية بسطت أجنحتها الوارفة على يد أعاظم الإسلام الأوائل، فكان الأمويون والعباسيون، ثم اكتسبت قيمة ومرتبة ‏مختلفة مع السلاجقة، وصارت أخيراً مع العثمانيين مسألة عظيمة وسامقة، ثم أصيبت بنكبة مريرة في مرحلة معلومة. لكن اليوم ‏نشهد سياق عودة الحياة من جديد إلى القرية والمدينة، والعائلة والدولة، والشارع والمدرسة، والفن والعلم، والعمل والأخلاق، ‏ونرى رفرفة خمائل القضية في كل صوب وناحية منذ الآن بوفاء كوفاء الفجر، وعلى مرغمة كل عائق، وبفضل الذين حفّزوا ‏الخارطة الروحية للوطن بخفقات قلوبهم، ولوّنوها وسقوها بدموعهم. ولئن جاز العديد من خداع الفجر الكاذب، فإن شهادة ‏أصدق الشهود على شروق الشمس قريباً هو الفجر الصادق في الأفق نفسه.‏

وعلى الضد من الحرص على المادة، وحب المقام والمنصب، والرغب إلى حياة، والضعف أمام الشهرة، والخشية من فوات الدنيا، ‏وما يشبه من العوامل التي حلت محل قضيتنا الروحية والفكرية، وعلى النقيض من تقديس كل متروك ومنبوذ، نحس اليوم بداية ‏زحزحتها عن مكانها وإشغاله بكل ما محوره الروح والمعنى. فنرى ظهوراً واضحاً لورثة قيم الماضي كلها من الممثلين السامقين للعلم ‏والفن والأخلاق والفضيلة، أو المرشحين لمثل هذا التمثيل، فنجدهم حضوراً محل صخابي الأمس بدعاوى إنقاذ الوطن والصعود ‏بالبلاد إلى مستوى الغرب، ومرائي الانهماك في العمل بأفكارهم الغرة وتخيلاتهم الحالمة ولا شيء إلا الجعجعة. ‏

وما زالت المعارك دائرة في ميادين للسياسة، وساحات للمصالح، وممرات للمنافع... وما زال قوم يمنحون نصيباً للأطماع ‏والرغبات ويوقعون الشعب في حيص بيص بادعاء إنقاذ الوطن وتثقيف الشعب والارتقاء بالوطن... والهذر بشعارات زائفة أخرى ‏من أمثالها. لكن أرجوكم أن تدلوني على زمن لم يكن فيه من يشبه هؤلاء! فهم موجودون في كل زمان. وسنجدهم غداً كما ‏نجدهم اليوم! فالتاريخ هو تاريخ الذين يتشاتمون ويفترسون وينصبون الفخاخ ويخونون ويفترون الكذب، كما هو تاريخ الصالحين ‏والطيبين. وهل من حاجة إلى الإسهاب، إذ يكفينا أن نطلع على ماضينا القريب لنمتلئ رعبا؟ فكم من روح اغتيلت بشعار ‏الديمقراطية! وكم من شرائح اجتماعية أوقع بينها فصارت بعضها ذئاب بعض! وكم من مرة سقيت قلوبنا بالحقد والبغض والكدر! ‏

فلا نأمل أن تختلف أعمال شرائح من المجتمع بنوعها وطبيعتها اليوم أو غداً عن أمسها. ولن يخلو أنـزه مجتمع وأمثله طريقةً من ‏أرواح مظلمة، خادعةٍ تفرق، ومستغلةٍ تسحق، ومُبَدلةٍ لأقنعتها المضللة تنجح في ستر أنفسها... وكما كانت في الماضي. لكن ‏الواقع يبشر اليوم بوجود بَشَرٍ وافر وجهدٍ زاخر يفوح طيبا ملء الدنيا.‏

واليوم، هذا النفير التربوي بأسمائه وعناوينه المتنوعة، وهذا الجهد المنصرف إلى الحب والتسامح والحوار، هِمّة مهمة في سبيل ‏لملمة شعث المجتمع وتحريك مصادر قوته المعنوية... همة تفي بإنقاذ سفينة الشعب الجانحة بالساحل، على أيدي أجيال مؤمنة ‏مشدودة الأوتار بالميتافيزيقي الغيبي. إن تلك العوائل التي فقدت فلذات أكبادها فوق مساحةٍ واسعة في زمن مضى، ممتدةٍ من اليمن ‏إلى البلقان، ومن صحارى العرب إلى سهوب آسيا، استدركت ما فقدت بفضل كفاح الاستقلال والاستقرار، فَشَبّت آمالُها ‏بالقرار على بناء دُنيا جديدة. لكن أجيال اليوم التي تهرأت روحاً وشخصية وانتُقِص الشيء الكثير من مجموع قيمها الإنسانية ‏أخلاقاً وفضيلة وفكراً وفنا بصورة متشابكة، ستشهد "الانبعاث بعد الموت" في ظل الاستقلال الروحي والاستقرار الفكري.‏

كان القرن التاسع عشر والعشرين عصر تفككنا وتراجعنا. ولم نتحسس زمناً طويلاً الأسباب الحقيقية لهذا التفكك والتراجع، ‏أو قل إن شئت: حُرّفت الأفكار بهذا الشأن قصداً وعمداً... ولذلك شهدنا مظاهر هائلة من الرجعية في الدين والعلم والفن ‏والإبداع، حتى أن بعض التيارات المتنافسة في الإطار الفكري، قد تحولت إلى تيار للإلحاد والإنكار تحت تأثير أحلامها الموهومة ‏وحيرتها وشدهها. بل ظهرت "موضة" التشدق بالعلم والسفسطة بدلاً عن الدهاء العلمي، والتمويه والتضليل بدلاً عن الثقافة، ‏والتشويه والتلطيخ بدلاً عن الكفاح. وناضل قوم يحسبون الحيلة مهارة نضالا لا هوادة فيه من أجل هدم الحقائق التاريخية بالافتراء ‏والتزوير والكذب. ‏

ثم انظروا ما أروع جلوة القدر، إذ إن تلك المحركات التاريخية وجذور الشعب المعنوية لا زالت قائمة على قدميها ومتانتها، ‏والذين سقطوا وولوا الأدبار هم أولئك!‏

فإن هذا الشعب الذي يستيقظ مرة أخرى على استقامة خط النبي صلى الله عليه و سلم، يترنم بأنشودة الصيرورة والتواجد ‏الجديد مع أنسام الربيع الغض، كالزنابق إذا انبثقت من الأرض رقعة فرقعة، وإذا استولت على الأرجاء ناحية فناحية. نحن اليوم ‏نرى أنفسنا -وإن كان إلى حدٍ معين- أمضى عزماً وأرصن قراراً، إذ نستمد من الرجاء والانشراح الحاصل بالعودة إلى الذات ‏والعثور عليها. ورجائي أن يكون كل جهد وهمة، وكل قطرة دمع، بعد الآن كما كان من قبل، شفاءً لجروحنا التي بدت ‏مستعصية على الدواء، وضياءً للمستقبل الذي بدا مظلما في عيون البعض منا. ‏

وإذ ندخل إلى عتبات القرن الحادي والعشرين، فإن مستقبل بلادنا والبلاد المرتبطة بشؤوننا منوط بعُقبان جيش النور ذات ‏أجنحة الضياء الذين يُعَدّون ممثلين سامقين للعلم والفضيلة والأخلاق في أيامنا، والذين نذر أكثرهم نفسه للتربية والتعليم. وستكون ‏هذه الأجيال المباركة الرائدة -إن شاء الله تعالى- أصواتاً من النور وأفكاراً من الضياء تصفي حساب شعبنا مع العصر، زيادة على ‏ريادتها في اكتساب قيمنا التاريخية مجدداً.‏

إن قضيتنا وغايتنا في الصيرورة والتواجد لا تماس لها ولا تلامس مع القوة العمياء مطلقاً. فنحن بملاحظتنا لحكمة وجود القوة ‏المستسلمة للحق، لنا مفهوم لإحقاق الحق يتفق مع فكرنا الذاتي الرحب، ومتلقياتنا الفنية الأَنفس من النفيس، وتدقيقنا الأدق الذي ‏يشطر الشعرة أربعين شطرا. هذا إلى جانب احترامنا لضرورة التكنيك والتكنولوجيا، وألزمية الصناعة وعاجليتها، وعلو قيمة العلم ‏فوق القيم، وإيماننا بالأهمية المطلقة لتغذية وطننا بكل ذلك، وبضرورة تحفيزه وإعانته في هذه المهمة الصعبة. ولذلك نحن اليوم في ‏أمس الحاجة إلى مرشدين ذوي أدمغة متأهلة وأفكار رحيبة وآفاق واسعة، يقيمون هذه الموازنات لإنساننا، ويرتقون بشعبنا إلى ‏ذرى الفكر، ويقودوننا إلى جذور معنوياتنا الذاتية، ويطلقون أرواحنا المشتاقة إلى المعالي نحو اللانهاية.‏

إن هذا الوطن بحاجة إلى أبطال شجعان من حواريي العلم والأخلاق والفضيلة المحصنين بالإيمان والأمل، الطافحين بالعشق ‏والحماس، المنسلخين من الأغراض المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية، أكثر من حاجته إلى الأحزاب والتعصب الحزبي. وإلى حين ‏التقائنا بهم واستسلامنا لهم، أظن أن غربتنا وأسرنا المتمازجين سيستمران، وإن كان بشكل نسبي. أدعو الرحمن الذي لا نهاية لرحمته ‏أن يغيثنا بأولئك الخالدين الناهلين من منابع "الخِضْر"، الحاملين كؤوس الحياة لنا في أيديهم، والذين وجدنا السلوان بأَماراتهم ‏وعلاماتهم البادية في الآفاق، ونحن نترقبها منذ سنين.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri