نحو عالمنا طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

لا يخفى على نظر المتبصر تداخل الفكر والعمل الحركي ببعضهما في وقائع التاريخ العظيمة. تداخل يتربى ويتبرمج فيه العمل ‏الحركي بالفكر من جهة، وتهيئ فيه الحركة والجهد الحركي أرضية لأفكار وبرامج جديدة من جهة أخرى. فكأَنّ الفكر -بهذا ‏المعنى- سماء ومطر للعمل الحركي، أو فضاء وهواء له، وكأنّ العمل الحركي أرض وسندانة للفكر، أو تراب وقوة الإنبات فيه. فلا ‏أحسب هذا الأداء المتقابل بينهما غلطاً. ذلك بأن كل جهد حركي هو تحقق فكر وبرنامج، وكل فكر هو بداية ووتيرة للعثور على ‏أطره الحقيقية وبلوغ مراميه في ثنايا التحركات الملتزمة به. إن المرحلة الأولى للإرادة هو ميل داخلي، وَحَدُّها النهائي هو العزم ‏والقرار والهمّ بالعمل. والفكر في هذه الوتيرة كخيوط لفائف تلقى من المبتدئ لتتعلق بالمنتهي، والأعمال الحسية كنقوش تزين هذه ‏اللفائف. وإن التصرفات من غير فكر أو برنامج تؤدي في الأكثر إلى الفشل والفوضى، وإن الأفكار الجامدة من غير حركة، تعيق ‏تشكل الأنموذج الذي يُعدّ البعد النهائي للفكر، وتُصَدِّع روح الإرادة.

إبّان تقدمنا إلى عصرنا الحاضر، حُجبت أنوار الفكر عن إضاءة زوايا المجتمع، وعُطلت الإرادة تعطيلاً كاملاً... ومُنع "التمثيل" ‏عن التأثير وذُبح العمل الحركي على يد الفوضى. ودفعت أحداث التاريخ المشؤومة المجموعات البشرية من مأزق إلى مأزق، ومن ‏تشتت إلى تشتت. وجرّت النفوس الأنانية والنفعية الكتل الإنسانية يمنة ويسرة. واستُغِلّت على الدوام للانتفاع منها. فلا مفر ولا ‏منجى إزاء هذه السلبيات في إنساننا المعاصر من القول: "رويداً.. ومهلاً قليلاً"، إلى حين النضج الكافي لتحريك قواه القلبية ‏والعقلية. لا مناص من أن نقول: "رويداً.. ومهلاً قليلاً" إلى حين إزالة الضعف في سجايانا الفردية، وإشباع إرادتنا بالقوة، وتربية ‏معتقداتنا حسب مقاييسها اللازمة، وانتزاع اليأس بأنواعه من نفوسنا. وقبل كل شيء، من أجل الانسلاخ من "الانشداه بالغرب". ‏

نعم، قد أوقعتنا هذه الحادثات المتتاليات في الغرب، من النهضة الصناعية إلى التقدم التكنولوجي المعاصر، في شَدَهٍ بعد شَدَهٍ، ‏فأصابتنا بالشلل، كما دوّخت رؤوسنا وكدرت أبصارنا المُتَلَقَّيات الخاطئة لدعوى "العلمية" والخفة الفارغة "للعصرنة". وربما يدوم ‏هذا الضعف والاهتزاز مدة أخرى. وربما يستمر المشي في السبات والتكلم في النوم، فيلزم أن نصبر ونحتمل سنين، علمها عند الله. ‏نعم، سنصبر، لأننا نعي ونستشعر الحاجة إلى سنين قد تطول من الانتظار الحي في الأعماق المرجانية، ومن الحركة المؤثرة والمنظمة ‏في حضانة البيوض، حتى يتعافى سائر البدن المتضعضع، ويستجمع قوته ليقتدر على تصفية حسابه مع العصر. ‏

وإني أؤمن إيمانا صادقاً بأن هذا الانتظار والعمل الحركي سيحيينا ويحقق بأيدينا تغيير وجه العالم في يوم آتٍ. لكن لا شك في ‏الحاجة إلى الزمان والظروف والإمكانات ليسري دم هذه الوتيرة في عروق الحياة، فتنبغ إرادات عظيمة وقوية تتّسِم بعمق الشيخ ‏عبد القادر الكيلاني ورحاب الإمام الغزالي وربانية مجدد الألف الثاني الإمام أحمد الفاروقي السرهندي وعشق وحماس مولانا جلال ‏الدين الرومي وجامعية ورسوخ بديع الزمان سعيد النورسي... لتهيء بيئة حياتية ندية وطرية ببث روح جديدة في إنسان يومنا، ‏فتصد أمواج حُمّى الأزمات التي تحطم منذ عصور إحساس إنساننا وفكره وفراسته، فتنفخ في روحه أنسام "الجودي". كذلك، ‏لأجل أن نفتح بلاد أنفسنا بأنفسنا، ونُشكّل حركيات أرواحنا من جديد، ونعمّر عالمنا القلبي والحسي والفكري. وعلى الضد من ‏ذلك، لن نستطيع أن نقطع شوطاً في الطريق، مثلما لم نستطع حتى الآن، ما لم نجهّز فرساناً من نور يأخذون بأيدينا إلى منابع ‏‏"الخِضْر"، وما دمنا منعزلين عن ذاتنا وقيمنا الذاتية، وطالما عشنا تائهين خارج منظوماتنا الروحية. وما من سبب يدعونا إلى البحث ‏عن عدونا في الخارج. لأن عدونا في داخلنا... جالسٌ في قصره، واضع إحدى ساقيه فوق الأخرى، يتطلع من الشباك على ضياعنا، ‏ويضحك ضحكا مكتوماً.‏

فإن كان لازما بالضرورة بناء استراتيجية الجهاد، فينبغي أن يبنى على انتزاع وطرح أعداء متربعين فوق عروش نصبوها في ‏قلوبنا، لا أمان ولا إيمان عندهم. والواقع أن هؤلاء، ولا غيرهم، هم الذين يحاصرون عالمنا منذ قرون. ومرت سنون طويلة ولم ينج ‏شعبنا من هذا الحصار القاتل، ولم يفلح في العودة إلى الذات، ولم يقم على ذاته. فصار مثالاً للتشرذم ولم ينجح في لمّ شتاته، وكأنه ‏غرض مستهدف لرماية مجتمعات وأعراف وعادات شتى، أو كأنه منكوب في عقله يمر به أقوام وقبائل كثيرة ومفاهيم متنوعة، ‏ويعبد أصناماً كثيرة في آن واحد ويجثو أمام آلهة موهومة كثيرة في وقت واحد، ويجدد العهد والولاء لمعبودات مزيفة عديدة في يوم ‏واحد! هذا ما وقع... لأنه لم يصدق تماماً بصحة وسلامة أي فكر من الأفكار في تلك الفترة المشؤومة. ولذلك، عاش مرتبطاً ‏بمحاور فكرية متعددة في وقت واحد، لكنه لم يعايش تياراً واحداً منها معايشة كاملة.‏

ومن يعلم كم فكر عظيمٍ بقي حبيساً في برزخ، فلم يشهد الحياة، في هذا العالم المثقل بالدخان والضباب، وكم منهجٍ جادٍ تحطم ‏مصطدماً بالأفكار الكدرة للمصابين بقصر النظر! فهؤلاء لا يولون أهمية ولا يعون معنى للعلم ولا للمعاني التي تربط بين الأشياء ‏والحوادث، ولا للمناسبات بين الإنسان والكائنات. ‏

فالمسألة عندهم أن نفهم ما نفهمه، ونترك ما لا نفهمه باعتبار أننا سوف ندرك فهمه لاحقاً! وأن نقطع ونفصل ونشكل كل شيء ‏حسب ثوابتهم، وأننا نستطيع بمهارة أن نسيّر حتى العلم والأبحاث تحت وصاية معتقداتهم ومبادئهم المحرمة على النقاش، بإظهار حقائق ‏أسطع من الشمس كأوهام، والأوهام كحقائق متى ما دعت الحاجة! وبالتشدق والتفيهق بأسلوب قاطع، والحسم والحزم بناء على ‏فرضيات! وكأنهم شهود على الوجود وأطوار الوجود منذ البداية! ‏

ولئن كانت الكائنات خالية من كل حقيقة تستحق الإيمان بها، ولئن كانت كل فكرة غير جديرة بالإيمان والقبول، فالوجود ‏إذن عين الفوضى! وكيف نستطيع أن نحمي المجتمع من النسبية حتى في المسائل الفرضية غير المحتملة، إذا ما تحكّم في العالم فهم ‏كهذا؟ أولن يحسب جموع البشر الذين استسلموا لتيار النسبية أصدق الحقائق صحيحة بقدر صحة مضاداتها؟ وأكذب الأباطيل ‏بقدر كذب مضاداتها؟ وبدهي أن يخضع كل شيء للتلقّي النسبي الهائم، في حال شيوع مثل هذا التفكير، سواءٌ في فهم الخير ‏والشر، أو الأخلاقي واللاأخلاقي... إن الشخصية التي يحتاج إليها شعبنا أمسّ الحاجة، هي شخصية الإنسان المخلص المتحمس ‏والمتوازن، الذي يحركه الشعور والإدراك والمسؤولية، ويهيمن على تصرفاته وأعماله التفكير في الأيام القادمة في خططه وبرامجه ‏بقدر التفكير في ضرورات الحاضر. شخصية مهندس الفكر والروح، المنفتح على الوجود بقلبه، العامر عقله بشعور العلم، المقتدر ‏على تجديد ذاته كرة أخرى في كل آن، المتتبع للنظام في كل وقت، والمصلح لتخريب آخر في كل لحظة...‏

تلك الشخصية تهرول من نصر إلى نصر، ولكن ليس لتخريب البلاد وإقامة العروش فوق خرائبها، بل لتحريك المشاعر ‏والمَلَكات الإنسانية، وتقويتنا بالحب والرعاية والمروءة التي تحتضن الناس كلهم والأشياء جميعاً، وإعمار الأرجاء المنهدمة، ونفخ ‏الحياة في الأوصال الميتة، لتتحول إلى حياة ودم يسري في عروق الوجود، وإشعارنا جميعاً بالأذواق الرحيبة لغاية الوجود. هذا ‏الإنسان بطبعه رباني في كل أحواله وبكل ذاته... وهو في مناسبة دائمة مع الوجود باعتباره خليفة الله. وحركاته وأفعاله كلها ‏مراقَبة... فلا يقوم بعمل إلاّ بحس من يعرضه على التفتيش... حتى يكون الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به... ‏ويكون أسلوبه مترشحا من تأثير بيانه... ويكون تحت إرادته تعالى "كالميت في يد الغسال". وإن إحساسه بعجزه وفقره أمامه تعالى ‏هو أعظم مصدر للقوة والغنى... فلا يني ولا يفتر من الاستمداد بأحسن وجه من معين هذه الخزينة التي لا تنضب ولا تنفد.‏

كذلك، هو إنسان المحاسبة والمراقبة الرحيب. الخير والشر، والجمال والقبح في مرآة روحه منفصلان عن بعضهما ولكل شيء ‏موقعه الملائم فيها، كاختلاف الليل والنهار، والضياء والظلام. إنه ساعٍ، بكل إرادته وقلبه وشعوره، إلى اصطياد أعظم المقاصد ‏المترتبة من حركية الوجدان، واللطائف التي توجد الوجدان. وهو في حال الإدراك بأنه "لا يحمل عطايا الملك إلا مطاياه"، يتنفس ‏القرب متقدماً على الملائكة خطوات بمعرفته، وبالمناسبة بين الإرادة والمسؤولية، وبالعلاقة ما بين القلب والعشق، وبتماسه واطلاعه ‏الشاعر الواعي على أسرار الوجود وأسرار ما وراء ستار الوجود، وبالحقيقة المطلقة "بلا كم ولا كيف" في حسه.‏

هو قاصد في حياته الشخصية أن يبلغ آفاق الإنسان المثالي يسابق ويباري الأولياء والأصفياء في تمثله بالأوامر والنواهي الإلهية، ‏ويَشقُّ فيه الشعرة أربعين شقاً تدقيقاً وتمحيصاً. هو فوق كل خيال في شجاعته في أن يحيا الإسلام الحقيقي، وفي تصرفه ضد كل ما ‏يبغضه الحق تعالى، وصموده ومقاومته إزاء ما يصيبه في سبيل إحياء ما يؤمن به. ويعجز التعبير عن سماحة معاملاته مع الناس، ‏وعمقه في معرفة الله، وتواضعه الجم، وإحساسه بعظمة الله، وبالوجود من حيث علاقته به تعالى، وبالعشق والشوق والتعلق ‏والاهتمام.‏

إنه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، هو إنسان المعرفة اللدُنية والواجب اللدُني. وينبغي أن نقف وقفة خاصة عند مفهوم "إنسان ‏الواجب اللدُني".
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri