العمل الحركي والفكر طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

يمكن تلخيص خط كفاحنا كورثة الأرض بكلمتي العمل الحركي والفكر. وإن وجودنا بوجهه الحقيقي يمر عبر العمل الحركي ‏والفكر... عمل حركي وفكر يغيران الذات والآخرين. ومن وجهة أخرى، يبدو كل وجود وكأنه حاصل حركة ومجموعة أنظمة، ‏وبقاؤه مرتبط بالحركة وبتلك الأنظمة.

وإن أهم شيء وأشده ضرورة في حياتنا هو العمل الحركي. فمن الضروري أن نتحرك على الدوام في ظروف قاهرة نضع ‏أنفسنا تحت ثقلها بأنفسنا، لنحمل فوق ظهورنا واجبات ونفتح صدورنا أمام معضلات، بالعمل الحركي المستمر والفكر المستمر، ‏ومهما ضحينا في هذا السبيل. فإن لم نتحرك نحن، فسندخل في تأثير الدوامات الفكرية والبرنامجية لأمواج هجمات الآخرين ‏وأعمالهم الحركية، ونضطر إلى تمثل فصول حركاتهم.‏

إن السكون الدائم يعني إهمال التدخل فيما يحدث حولنا، وترك المشاركة في التكوينات المحيطة بنا، والاستسلام للذوبان الذاتي ‏رغماً عن أنفسنا كقطعة جليد سقطت في الماء. وتعاجزنا عن حماية جزيئاتنا الذاتية في هذا الذوبان، يعني التسليم لأي تكوين أو ‏حادث يناقض ذاتنا ويضاد جوهرنا. ينبغي على الذين يبرمجون لبقاء الذات أن يطلبوه بكل رغباتهم وميولهم وقلوبهم ووجدانهم ‏وحركاتهم وأفكارهم، لأن حضور الوجود يقتضي توتراً تاماً في الجوهر الإنساني. نعم، يقتضي الوجود بداية، ثم إدامة الوجود، ‏ذراع الإنسان وجناحه وقلبه ورأسه. ونحن إن لم نضحّ منذ الآن بقلوبنا ورؤوسنا من أجل وجودنا في الغد، فسيطلبها منا الآخرون ‏بوقاحة في مكان وزمان لا نفع لنا فيه قطعاً.‏

إن أهم مميزات العمل الحركي الإسلامي والفكر الإسلامي هو: أنْ يكون وجودُنا ذاتَنا، وأن نجعل مطالبنا مطالب العالم ‏ورغباته، ثم نجد مجرى حركة لنا في عموم الوجود ونسيل بذاتنا في مجرانا الخاص ضمن مجريات عموم الكائنات، (ويعني الحفاظ ‏على خطنا الخاص إذ نتكامل مع الكائنات كلها). ومن لا يرتبط باعتبار عالمه الخاص بعموم الوجود، ولا يحس بعلاقاته مع ‏الكائنات، وينكفئ في روابط مطالبه الفردية والجزئية في مواجهة الحقائق الشاملة للعالم، فإنه يقطع أواصر ذاته عن الوجود كله، ‏ويجردها، ويسقطها في حبس الأنانية القاتل. ولا شبهة في أن الباعث على انقطاع الإنسان عن الوجود وبقائه وحيداً بذاته، هو: ‏الشهوات البدنية والصراعات الواقعة في أطراف الجسمانية، وكل سلوان فارغ الفحوى وذي بُعد وهمي، يرجع في جذوره إلى تلك ‏الشهوات البدنية والصراعات الجسمانية. إن دنيا رجل العمل الحركي والفكر الحقيقي، وسعادته في دنياه، ذات تلونات عالمية ‏الشمول مؤطرة بالأبد. فكأن دنياه لا بداية لها ولا نهاية، أو أنها تتجاوز تصوراتنا. ولذلك، نتذكر أمثال أولئك حينما نقول ‏‏"الإنسان السعيد". وهل تسمى "سعادة" بحق سعادة لها نهاية أو بداية؟

إن العمل الحركي -من مقترب أفضل- هو احتضان الإنسان للوجود كله بأصدق وأخلص القرارات، والتدقيق فيه، والسير من ‏خلال المعابر التي فيه إلى اللانهاية، ثم إحلال دنياه في فَلَك غاية الخلقة الحقيقية مستخدماً الطاقة الكلية لذكائه وإرادته بالسر والقوة ‏التي اكتسبهما من اللامتناهي.‏

إن الفكر عمل حركي داخلي. فالفكر المنظم والهادف هو التساؤل من الكائنات بذاتها عن المجاهيل التي تجابهنا في وتيرة الوجود، ‏والاستماع إلى جوابها عنها. أو بتصريح آخر: فعالية الشعور الباحث عن الحقيقة في لسان كل شيء وفي كل مكان، بتأسيس قرابة ‏بين ذاته والوجود كله.‏

إن روح الإنسان يلتف ويتآلف مع العالم بالفكر وفي ظل الفكر، فيتعمق باستمرار في ذاته وداخل نفسه.. ويمزق قوالب العقل ‏المعاش الضيقة ليفيض خارجاً، ويتحرر من الأوهام المنسلة إلى أغوار الروح.. يتحرر، فيوائم الحقائق التي لا تُزيغ ولا تُضل. وبعبارة ‏أخرى، الفكر هو تفريغ داخل الإنسان من أجل أن يتسع المكان للتجارب الميتافيزيقية في أعماق داخله بالذات. هذا هو أول ‏مدارج الفكر. وأما المدرج الأخير في ذاك السلم فهو الفكر المتحرك.‏

إن حركية حياتنا الدعوية والفكرية هي حياتنا الروحية.. في حالٍ لا يمكن به فصل حياتنا الروحية عن فكرنا الديني. فقد تحقق ‏كل صراع من أجل الوجود والحضور، خاصة شعبنا، باللجوء إلى المعنى والروح الإسلامية.. وظهر بارزا بالأعماق التي يختزنها في ‏ذاته كلما توجه إلى الإسلام، كما يتسامق البذر إلى السنبلة متى ما استقر في صدر التراب، وكما يتفتح البرعم حين يستقبل النور. ‏هذا التوجه وبلوغ الذات، يحقق تنامياً وتوسعاً في الإمكانات المكنونة في كنهه، وضمانا لوجوده وبقائه. وكما يتحقق بالعبادة ‏والذكر والفكر تقاسم القلب والروح لمستوى الحياة في عالمه الداخلي الذاتي، فإن احتضانه للوجود كله، واستماعه إليه "هو" في ‏وجيب نبضاته، وإحساسه به "هو" في كل كلية لعقله، يرتبط بشعور العبادة وجهد الذكر والفكر عنده. فمن البديهة أن كل ‏تصرف للمؤمن الحقيقي عبادة، وكل فكر منه مراقبةٌ، وكل كلام له مناجاةٌ وملحمةُ معرفةٍ، وكل مشاهدة منه للوجود تطلّع ‏وتدقيق، ثم كل مناسبة بأهل وطنه شفقةٌ رحمانية. وإن بلوغ هذا المعيار من الرحمانية مرتبط بالانفتاح على الأحاسيس، فالمنطق ‏والمحاكمة، ثم من المنطق والمحاكمة إلى الإلهام فالواردات الإلهية. وبإفادة أخرى، من العسير الارتقاء إلى هذه الذروة ما لم تمرر ‏التجربة من مصفاة العقل، وما لم يُسلّم العقل نفسه للفطنة العظمى وما لم يقع المنطق في حال الحب عينه، وما لم ينقلب الحب أيضاً ‏إلى العشق الإلهي، فإن تحقق، فبهذا النظر يكون العلم بُعداً من أبعاد الدين وخادماً له، والعقلُ طيفَ نور يصل به الإلهام أينما يشاء، ‏والمكتسبات التجريبية منشوراً يعكس روح الوجود... ويصدح كل شيء بصوت أناشيد المعرفة والمحبة والذوق الروحاني.‏

ولئن كان إنساننا -ببعض جماعاته- يحمل المشاعر والفكر بعينه، ويتقاسم - أو هو في وضع تقاسم- الحالة النفسية بعينها، ثم ‏لا يتصرف تصرفاً إيجابياً بقدر ما ينبغي ورغماً عن هذه المفاصل المشتركة الواسعة، بل قد يقع أحيانا في انحرافات وسلبيات، ‏فالجدير هو أن ينبش عن السبب في غياب الإيمان بمعناه الحقيقي. فتصرفات المؤمن الحق إيمانية التلون دوماً، وحركاته تدور في فَلَك ‏الفكر أبداً، مهما كان القالب الذي يحصره، ومهما كانت المضادات التي يسحب إليها.‏

لذلك، ينبغي أن يستشعر وارثو الأرض الذين يخططون لإقامة عالم المستقبل، نوعَ العالم الذي يريدون إقامته، ونوع الجواهر ‏اللازم استعمالها في إعمار هذا العالم.. حتى لا يضطروا هم بأنفسهم إلى هدم ما بنوه بأيديهم من قبل. إن جذور المعنى وأصول ‏الأسس لألف سنة من حياتنا -نحن- معلومة ومعروفة. وعلى مهندسي مستقبل الضياء أن يجهدوا في استخدام قوتهم الفكرية - إلى ‏جانب دوافعهم الحركية - من أجل أن تنصت المحركات التاريخية التي ننشئ بها حياتنا الدينية والملّيّة إلى صوت الإسلام كرة أخرى، ‏وتلتقط زاوية نظره وتجس نبضه وتستمع إلى وجيبه، بالاستفادة القصوى من المرونة والامتداد العميق والعالمية في إعلاء بناء هذه ‏المحركات مع الحفاظ على الكتاب والسنة وصوافي اجتهادات السلف الصالح، وحسب مدارك العصر وأسلوبه. ذلك، حتى لا ‏يعيشوا حياة البرزخ في طريق الانبعاث بعد الموت! وكل هذا يرتبط أولاً وقبل كل شيء بالابتعاد عن أثقال النفسانية ودوافعها ‏كافة، والانفتاح على الروحانية، والنظر إلى الدنيا والعلم بها كصالة انتظار إلى الأخرى، وبإفادة أخرى، يتحقق هذا بتعميق الكمية ‏في عباداتنا إلى النوعية، وبإطلاق النقص الحاصل في رياضية الأوراد والأذكار إلى الآفاق اللامتناهية بالنية والخلوصية، وبالمعرفة ‏والاعتبار واليقين في دعواتنا ومناجاتنا وبثنا إلى الذات الإلهية الأقرب إلينا من أنفسنا. ولا يعي هذا المعنى إلا الذين يحسون الصلاة ‏كالطائف في المعراج، ويستلذون من أداء الزكاة كحافظ الوديعة أو موظف التوزيع، ويعيشون الحج كندوة عالمية لتداول معضلات ‏العالم الإسلامي، وفي أرضية يرصدون فيها نورانية ومهابة الروح والقلب والأبعاد الأخروية.‏

إن الشعور بكل هذه والإحساس بها، فمعايشتها في الحياة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأطباء المعنويات القادرين على تشخيص بؤسنا ‏الداخلي والخارجي ومداواته، وبمرشدين صادقين مشدودين إلى الأخرويات من غير انقطاع. أولئك المرشدون الذين يمتد عالمهم ‏الفكري من المادة إلى المعنى، ومن الفيزياء إلى الميتافيزيقا، ومن الفلسفة إلى التصوف. فهؤلاء كانوا وراء أيام العمران المديدة حتى ‏اليوم، وسيكون هؤلاء ممثلين لحركات الإعمار والإحياء الآتية غداً. وسيتحقق هذا التمثيل باستنباط نظريات حقوقية جديدة من ‏مصدري الكتاب والسنة لمعالجة المستحدثات والتوقعات المستقبلية، وتزيين أفكارهم بآراء العالم الجديد، وتطوير متلقيات فنية ‏طازجة تلائم عالمية الإسلام وتركز روح الملّة وشعورها في بؤر الإسلام وترتبط بأحاسيس التجريد، وعجن ثقافتنا الذاتية المستوعبة ‏للدين والدنيا والموروثة من خزائن ألف سنة متصلة. فإن تمثيلا في هذا المستوى لقادر في زمن قصير على تحقيق تصدرنا للأمم ‏الأخرى في العلم والفلسفة والفن وحياتنا الدينية، وتقويم وحدات الحياة كلها على الطريقة المثلى، وجعْلِ أبنائنا المتشردين المنفلتين ‏في الشوارع - سواء الدارسين منهم أو الأميين- رجالَ الغد في الفكر والصنعة والمعرفة والفن. فتتنفس الأزقة والشوارع هواء ‏العرفان وكأنها أركان المدارس، وتصير السجون أوكاراً للعلم، وتزين الخمائلُ البيوتَ كزوايا الجنة. وفي كل مكان يسير الدين مع ‏العلم يداً بيد، وينثر احتضان الإيمان والعقل ثماره في كل صوب، وينبت ويزدهي المستقبل في صدر الأماني والآمال والعزم بألوان ‏وأفنان لا يضاهيها خيال "المدن الفاضلة"، وتنشر التلفزيونات والراديوات والصحف والمجلات في جو الفضاء الفيوضات والبركة ‏والنور، ويرتشف الكوثر كل قلب سائح في ربيع الجنة هذا ما خلا الذي كالرميم المتخلف من التاريخ.‏

سيولد هذا التكون الجديد من قيمنا التاريخية وحضارتنا وثقافتنا ورومانسيتنا... وستظهر هذه الحركة من الحالة الروحية لعصور ‏مستمرة تحت الغبن والقهر والظلم من جهة، ومن جهة أخرى، من حماسة قلبنا المتشبع بالإيمان والمتحفز دوماً والمستعد للانطلاق في ‏كل آن.‏

إن تحقيق هذه الرسالة الحيوية مرتبط قبل كل شيء بتحريك دبيب الأرواح الصدئة في هذه الأرضية الصدئة. ويبدو أن المجهود ‏الدؤوب منذ خمسين أو ستين سنة قد نجح في زحزحة الصعاب. فيمكننا أن نئن مع الشاعر المُعَذَّب، إذ يقول: "اضرب بالمعول يا ‏فرهاد، قد مضى الكثير وبقي القليل..." التحرك الأول هو تحرك الروح. وهو يلقي السلام علينا اليوم أينما مضينا كأقواس ‏الترحيب المقامة من أكاليل السماء النورانية، بنعومة السكينة ودفء غيمة الربيع. فلقد اقترب موعد احتضانه لوطن المظلومين ‏والمغبونين والمقهورين كله، وصب وابل حنينه الرحيم زخاً زخاً.‏

وكأن القوة - اليوم- قد انصهرت في قالب الحق واستسلمت له بعد أن ذاب معظمها. نعم، في وجود القوة حكمة... فلا ‏يمكن حل مسائل كثيرة من غيرها. ولئن كان ضرر -وأيما ضرر- في القوة المنفصمة عن الحق والمنطلقة معاندة له، فإننا نحسب ‏القوة المتحدة بالحق حقاً بعينه. والجرأة المنبثقة من توحد القوة بالحق حامية للمظلوم لا الظالم، ولسان ناطق للحق. والمهم بعد ذلك ‏أن يمثل جند الفكر والعمل الحركي إياه.‏

وسوف أعرّج إلى جند العمل الحركي في عالمنا في موضع آتٍ إن شاء الله تعالى.
 
< السابق   التالى >