نحو عالمنا الذاتي طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

لقد تكرر الكلام كثيراً عن دعاوى البناء من جديد في عهود وأزمان متعددة وبلاد متنوعة من الأرض وبعناوين مختلفة. ويبقى ‏صدق هذه الدعاوى قابلاً للأخذ والرد ومفتوحاً للنقاش في كل وقت. لكن هنالك عالمٌ يوفي عملية البناء حقها... باحتواء الوجود ‏والأسرار خلف ستار الوجود، والإنسان والحياة جمعاً، حرٌ وطليق من كل القيود المذكورة آنفاً. إن هذا العالم، وباعتبار الأمد ‏الطويل خاصة، هو عالمنا ودنيانا.

وما زالت الأرض بعد الدوار الطويل والتزلزل الشديد، ورغم أنف الأشياء، قادرة على تحقيق هذا التكوين في الحاضر، ومالكة ‏لطاقة تحقق بعثاً جديداً بعد الموت! وإن أمتنا تمتلك تراكماً علمياً تجعلها قادرة على الريادة فيما حولها من التكوينات الجديدة. وزد ‏على ذلك أن قيادتها للأمم آماداً مديدة تركت فرصاً مكتسبة من القبول الكامن تحت الشعور في الشعوب المنقادة لها منذ الزمن ‏الغابر، وهي مقتدرة على استعمالها اليوم. بلى، إنها جاهزة تماماً من وجهة الرمز والتمثيل، لكن عليها أن تستعمل المحركات التاريخية ‏التي تُعد دم هذا الماضي العظيم العريق ولحمه، استعمالاً سليماً وصحيحاً.‏

كان عالمنا زمناً يسابق العصر في العلوم الطبيعية والدينية، وفي التصوف والمنطق، وفي تخطيط المدن والجمال، وفي كل مجال ‏ومضمار، بدهاة نفشوا الوجود كالخوارزمي والبيروني وابن سينا والزهراوي، وأساتذة الحقوق كأبي حنيفة والإمام محمد والسرخسي ‏والمرغناني، واستعدادات اجتازت المقاييس الإنسانية وعاشت الحياة في خط الوجدان بتغليب القلب والمنطق كالإمام الغزالي والرازي ‏ومولانا جلال الدين الرومي والشاه النقشبند، وأبطال المحاكمة والفطنة كالإمام الماتريدي والتفتازاني والجرجاني والدواني، وعمالقة الفن ‏كالمعمار خيرالدين والمعمار سنان وعطري وده ده أفندي.. ويمكنه بعد زمن العطل العابر أن يحرّك مجدداً كل الأرواح والأدمغة المنورة، ‏فيحقق النهضة العالمية الثانية أو الثالثة. إن الدنيا تستطيع أن تفتح صفحة جديدة بإدراك أذواق البديعيات الحقيقية من خلال نقش ‏الروح والمعنى في كل مكان، والفن المتحري عن اللانهاية في هذا النقش، المتصف بالأخروية، والمترقق، والمتحد مع الأبعاد، في تجديد ‏الاستماع إلى روح الإسلام ومعناه كما في تفسير الوجود مجدداً، وفي أجواء التصوف اللاهوتية العميقة الغور كما في الميتافيزيقا، وفي ‏المحاسبة والمراقبة الإسلامية كما في التيقظ والتمكين اللذين يكسبان الإنسان قيماً فوق قيَم، وفي المدن وتخطيط المدن الذي يمكّن عالمنا ‏الذاتي من التنفس ويجعل عالمنا الذاتي يتنفسه كما في القيم الجمالية العائدة للجمهور. نعم، تستطيع الدنيا أن تفتح هذه الصفحة ‏الجديدة، بل الصحيح أنها قادرة عليه علىالرغم من أنه يبدو عملا غير يسير.‏

إننا لن نقدر على أن نفتح الصفحة الجديدة من غير انتزاع المُتَلَقَّيات (التصورات) والأفكار المنحرفة السائبة في هذا الوطن منذ ‏سنين وسنين، مثل إضناء الحياة الروحية وإذوائها بدرجة كبيرة، وتعطيل عمل أجوائنا الدينية. ووضع الأقفال على ألسنة القلوب ‏بتنسية الوجد والعشق تماماً، وانحباس المثقفين المفكرين والدارسين في قمقم المادية الوضعية الكثيفة، وإحلال التشدق محل الصلابة ‏والثبات في الحق، وحتى في طلب الآخرة والجنة، طلبها بنظر دوام السعادة الدنيوية المعتادة!‏

وليس المقصود من هذا القول أننا عاجزون عن انتزاع اللوثيات اللاصقة بأرواحنا في القرون الأخيرة. بل الإفادة بأن بلوغ برّ ‏الأمان عسير غاية العسر ما لم نتخلص كأمة من أسباب ودواعي انهيارنا وانحلالنا الحقيقية، مثل الحرص والكسل وطلب الشهرة ‏وشهوة السلطة والأنانية والميل إلى الدنيا وغيرها من الأحاسيس والمشاعر، ونتوجه إلى الحق بما يُعدّ جوهر الإسلام وحقيقته، ‏كالاستغناء والجسارة والمحوية والاهتمام بِهَمّ الآخر والروحانية والربانية، ونُصفّى بمشاعر الحق ونصب في قالبه. لكن العسر الشديد ‏لا يعني المحال. فما لم تخل الساحة - وهي ليست خالية - من شجعان مخلصين للجوهر والذات، مالكين لإرادة التجديد، قادرين ‏على احتضان العصر، فلابد أن يتحقق هذا التجدد والتغير ... تجدد وتغير ذو أبعاد قرآنية وسجايا فطرية... يتحقق بوتيرة تُعجز ‏الذين يصرون على حبس أنفسهم خشية الانفتاح على هذا الفهم أو يصرون على الانغلاق، تعجزهم عن صد التيار. فإن النهضات ‏العالمية التي عرفناها وعلمنا بها حتى اليوم، كانت ثمرة سعي الدهاء الفردي، لا حملات الكتل البشرية وحركاتها... فقد كانت ‏التجديدات والتغييرات التي بلغت حد الانفجار أحيانا في السنوات المتعاقبة بعد ظهور الإسلام، من آثار عدد من الأرواح الفذة ‏والعقول الذكية الاستثنائية والأفكار الممتازة التي سمقت في العهد الأموي والعباسي، كما كانت الفكرة الغائرة العمق والروح ‏المتعمقة والفطرة البراقة خلف التحرك والتكون "عن المركز" في العهد الإيلخاني والقره خاني والسلجوقي والعثماني. إن المسلك ‏الذي افتتحه هؤلاء الرواد الذين ظهروا بمعنوية عالية في كل مرحلة من المراحل، تحول بعد لأيٍ ومدةٍ إلى مدارس وتيارات تنفخ ‏روح البناء من جديد في الكتل البشرية. فتابع من سار خلفهم طريق أولئك المرشدين الأرواح وتعقبوا درب أفكارهم، وانحشرت ‏الحشود على أثرهم ولجأوا إلى إقليم ضيائهم. فعاش هؤلاء المرشدون العظام مع الحشود وكأنهم القلب والدم منهم. أما في مراحل ‏أفول الأدمغة العظيمة هذه، وغياب مَن يشغل فراغهم من بعدهم، فإن الذهول وتفحم الفكر وعقم التجديد أصاب المجتمع بكل ‏أصنافه وطبقاته.‏

وفي هذه الأثناء، إذ تتحول الأيام إلى الربيع، ويتبع الفجر فجراً، ينتعش أملنا وانتظارنا. فندعو ربنا تعالى أن يهبنا إرادة مؤيدة ‏بالمشيئة تعيننا في إقامة صرح روحنا، وجعل قلوبنا خضراء كربوع الجنة، وإيصال ألبابنا إلى أسرار حرم الألوهية، وأن يُلهم شعبنا ‏طريق التجدد في خط السير المحمدي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.‏

إن سعينا لتحقيق هذا الأمل وانتظارنا له هو حقنا وواجبنا وضرورة إيماننا. ومن اللوازم أثناء استعمال حقنا والإيفاء بواجبنا أن ‏نراجع ماضينا المجيد باستمرار، ونلجأ إلى قيمنا التي جعلت أمسنا زاخراً بالعظمة. فعندما حقق الغرب نهضة كهذه في مسيره نحو ‏المدنية الحاضرة، التجأ إلى المسيحية واتخذ اليونانية مثلاً وتزاوج مع الرومانية. أشباه هذه الأسس مقبولة للحضارات الأخرى في كل ‏زمان. إذن سنلجأ نحن أيضاً إلى ماضينا وجذور معانينا ونقتبس من مثلنا الروحية التي لم يتكدر صفاؤها بتعاقب الزمان. وسنأخذ ‏من إبداعات عصورنا البيضاء التي نراها شريحتنا الزمنية الذهبية ومصدر فخرنا الأبدي، في الفكر الفلسفي كما في الحقيقة الصوفية، ‏وفي طبيعة متلقيات الدين المستقرة كما في بعده الأخلاقي، ونـزيد بغزل النقوش على أردية مرفلة تسربل المستقبل. في هذه النقوش ‏يتجاور مولانا جلال الدين الرومي مع التفتازاني، ويسجد يونس أمْرَهْ مع مخدوم قولي، ويضم "فضولي" إلى صدره "عاكف". ‏ويقف الأمير اولوغ تحية لأبي حنيفة، ويجلس الخواجة الدهّاني قبالة الإمام الغزالي، ويلقي إبن عربي وردة على إبن سينا، ويفيض ‏الإمام الرباني السرهندي ببشرى بديع الزمان النورسي... يتوحد عماليق الأفكار لهذا الماضي المارد العظيم بقاماتهم العملاقة، ‏فيهمسون في آذاننا طلاسم الخلاص والانبعاث.‏

المأمول أن نكتشف الشعور والفكر والمنهج والفلسفة التي تجمع كل هذه، وأن نجد أسلوبنا السماوي والخالد. من أجل ذلك، ‏أرى أن نعيد النظر في طرقنا التي نسلكها قبل كل شيء، وأن نجدد إعمارها. فمن الأسس المهمة لنهضتنا إلهام العشق والشوق ‏وبَركتهما، والمتانة والرصانة التي توحي بأمان العقل والمنطق، واستقرار وإنسانية الحرية والعودة إلى الذات، وبُعد التعمق والدقة ‏والتجريد، ومحور المنطق، وروح الوحي في فننا وفلسفتنا. ومن ضمانات الثبات على النهج الصحيح في التجدد أن نجعل رضا الله ‏غاية الآمال، والروح أساساً للحركية في جهود الشعور بالواجب، وحب الإنسان وهذا الوطن حرصاً لا يستغنى عنه، والأخلاقية ‏زاداً حيوياً في المسير لا يترك أبداً، والكائنات والإنسان والحياة: كتابا محفوفاً بالأسرار لا يُكفُ عن نبشه فصلاً بعد فصل تحت ‏منشور القرآن البلوري، ومصدراً للقوة مهماً لشخصية الإنسان وقيمه البشرية الحقيقية، والقرآن والسنة محوراً للطريق الموصل إلى ‏الهدف والغاية، متناسباً مع حقانية الهدف والغاية ومُقَدَّسّيته.‏

وإن أموراً يمكن أن نسميها بوصفة طبية لخلاصنا، مثل: أن نجعل وطننا وإنساننا مقصودنا ونجهد في تغيير مصيرنا المعكوس، ‏ونحيي أجسادنا بالروح المتشكل من عجين مجتمعنا، ونفتح صفحة تاريخية نقية وجديرة لشعبنا، هي شيء من الأسس لحضارة تفوق ‏المدن الفاضلة ورؤيا التجدد. وسنعرض هذه الأسس بشيء من التفصيل في فصل يأتي.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri