| نحو عالم الغد |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.25 | |
|
لم يبرح العالم الإسلامي منذ قرون، الدوران في دائرة مفرغة حائمة حول أغلاطها من غير أن تجد جوهر ذاتها وروحها. فإن تقدمت خطوة إلى الأمام، أعقبتها بتراجع خطوات إلى الوراء أو انحرافات عن سواء السبيل. بل كثيراً ما خلف هذا السير المشؤوم أو الانحراف اللعين الذي طغت خطاياه على صوابه وأغرقت أضراره فوائده، آثاراً غير محمودة على الجهود الذاتية الاجتماعية في تحري سبل العودة إلى الذات، فعرّضت الأعمال الطيبة ورجالها إلى التزلزل من الأعماق. هذه الحال تدل على أن عقد الخرز قد انفرط في العالم، وأن دولاب الدول والشعوب يدور خلاف مصالحها. لذلك، نؤمن بضرورة توجيه العالم الإسلامي جميعاً إلى التجدد بكل أجزائه في فهم الإيمان، وتلقيات الإسلام،[1] وشعور الإحسان، والعشق والشوق، والمنطق، وطريقة التفكير، وأسلوب الإفادة عن نفسه، بمؤسساته ونظمه التي تكسبه هذه الأحوال. إن أساس حياتنا المعنوية قائمة على الفكر الديني والتصورات الدينية. ولقد حافظنا على وجودنا حتى اليوم بهذا الأساس، وكانت وثباتنا أيضاً منطلقة منه. فإن جردنا أنفسنا منه، فسوف نجد أنفسنا متخلفين ألف سنة إلى الوراء. إن الدين الذي يهدف إلى غايات مثل إضفاء المعنى على الإنسان والكائنات، والانفتاح على الروح الإنسانية والذات، وتحقيق الرغبات الممتدة إلى ما وراء الدُّنَى، وإشباع حس الأبد في الوجدان... ليس منحصراً على العبادات. إنه يحتضن الحياة الفردية والاجتماعية جميعاً... ويتدخل في كل شيء لنا: عقليٍ وروحيٍ وقلبيٍ... ويصبغ بصبغته كل تصرف لنا حسب نيتنا، ويسربل بلونه كل شيء. نعم، كل تصرف للمؤمن الحق قائم على محور العبادة، وكل جهد له ذو بُعد جهادي، وكل حملة وجهد له متلون بالعقبى والرضا. فلا محل في حياته للفصل بين الدنيا والعقبى... ولا برزخ بين قلبه وعقله... وعواطفه ومنطقه مزيج واحد... ولا تتناكر محاكمته العقلية مع إلهاماته. كذا، التجربة والخبرة في عالم فكره سُلّمٌ من النور يتصل بالعقل، والعلم برج عال بحسابات الفراسة. فهو نسر يحلق إلى اللانهاية دوماً بأجنحة العشق العملاقة في هذا السُلّم، وحلاجٌ يندف قطن الوجود ندفاً بفطنته في هذا البرج. وحيث لا فراغ في أي زاوية من زوايا هذا الفهم، فلا كلام عن إهمال الإنسان الفردي أو الاجتماعي في هذه المنظومة. والذين يختلقون صداماً بين الدين وبين العلم والمحاكمة العقلية، هم بؤساء جهلوا روح الدين والعقل. أما إلقاء مسؤولية الصراع بين الفئات الاجتماعية المتنوعة على كاهل الدين، فهو سقوط مريع في الانخداع. لأن الصراع بين التكتلات نابع من الجهل والمنافع الشخصية والمصالح الفئوية. والدين لا يؤيد مثل هذه العواطف والأفكار. ونشهد في الواقع صداماً وصراعاً بين قسم من المتدينين أيضاً. هذا يرجع إلى أن هؤلاء الحاملين لنفس الجذوة الروحية لم يبلغوا الدرجة اللازمة في صدق الإيمان وحفظ الإخلاص... وربما يندحرون أمام عواطفهم أحيانا... لأن الفضيلة المؤمنة تقطع الطريق عن هذا البؤس. والواقع أن سبيل النجاة الوحيد من السقوط في هذا البؤس هو إحياء منظومات الدين كلها وجعلها دم المجتمع ولحمه. إن المجتمع الإسلامي بحاجة إلى "بعث ما بعد الموت"، وإصلاح جاد في ملكاته العقلية والروحية والفكرية، وبإفادة دافئة، إلى "إحياء"... إحياء يستجيب لمتطلبات أصناف البشر كلهم ويحتضن الحياة كلها، في كل زمان ومكان، بقدر السعة والعالمية التي تعد بها مرونة النصوص، ضمن الجد والجهد للحفاظ على صفاء أصل الدين. لقد سمح هذا النظام المبارك منذ أن شعرنا بظله فوق رؤوسنا - أدام الله حفظه علينا إلى الأبد- بفسحة للولوج من بابه مراراً إلى التجديد والإصلاح، فشهدنا الانبعاث مراراً. المذاهب عموماً وفي الأكثر تمثّل التجديد في الفقه والحقوق. وصارت الطرق الصوفية سبلاً رئيسة تزيّن مسالك القلب والروح. وانشغلت الكتاتيب والمدارس عموماً -يوم أن كانت لنا- بإضفاء المعنى للوجود والكائنات. أما التجديد والانبعاث المأمول في الحاضر، فيتحقق بالتوفيق بين كل ما ذكرناه وحشدها جمعاً في مجمع واحد. ويعني هذا، الانسلاخ من القالب إلى اللب، وترك الشكلية والتوجه إلى الجوهر والروح، في كل مسألة. ويعني أيضاً التوجّه إلى اليقين في الإيمان، وإلى الإخلاص في العمل، وإلى الإحسان في الحس والفكر... نعم، ينبغي أن تكون "الكمية" تامة و"النوعية" هدفاً في العبادات، والكلمات وسيلة والروح والصدق أساساً في الدعوات، والسنة مرشدة في التصرفات، والشعور لازما. وفي كل هذه: الله غاية القصد... الصلاة ليست قياماً وقعودا... ولا الزكاة مالاً مطروحاً تبرئة للذمة لا يعلم أين ذهابه... ولئن صار الصيام جوعاً وعطشا، فما اختلافه عن الحِمْية؟ والحج إن لم يجر في فَلَكِه، فما اختلافه عن سياحة بين مدينة وأخرى تكسب بعضهم عملاتٍ أجنبية؟ والعبادات قد تصير كلعب الأطفال إن انحصرت في الكم... وصيحات الأدعية الخاوية من الروح شغل الباحث عن عمل الحلوق... والحج والعمرة إن صارت مشقة تُحتمل للتسلي بحمل لقب "الحاج" ومناقب الحج، فسوف نحرج في المعاني والمرامي... إن سبيل الخلاص من كل من هذا الاضمحلال هدراً في شِباك السلبيات، هو ملء فراغاتنا، وإعلان النفير العام الذي يزيل ضعفنا وينقذنا من عبودية الجسم والبدن. وإذ ينقذنا، يجهز أطباء الروح والمعنى الذين يقودون القلب والروح إلى مستوى الحياة... أطباء منفتحة قلوبهم في الروح والمعنى، منطلقون في ساحات العلم والذكاء والعرفان والواردات والفيوضات كلها، من الفيزياء إلى الميتافيزيقا، ومن الرياضيات إلى الأخلاق، ومن الفنون الجميلة إلى التصوف، ومن الكيمياء إلى الروحانية، ومن الفضائيات إلى الأنفسية، ومن الحقوق إلى الفقه، ومن السياسة إلى السير والسلوك. إن هذا الشعب ليس بحاجة إلى هذا وذاك، بل إلى مثل هذا العقل. وكما يلتقي العقل ويحاور كل جهة بعيدة وقريبة في البدن عبر الأعصاب، ويرسل الرسائل إلى أقصى نقاطه ويستلم منها، فإن فريق العقل هذا سيكون في تعاط مع جميع حجرات بدن الشعب وجزيئاته ويصل إلى جميع الوحدات في المجتمع، ويضع يد تصرفه في جميع أجزائه الحيوية... ويهمس في أذن كل صنف شيئاً من الروح ومن المعنى، مقبلاً من الماضي ومكتسباً عمقا أشد غورا في الحاضر، وممتداً إلى الآتي. هذا الفريق يسع الجميع. يحتضن الطفل الملتزم والمؤدب في المدارس، كما يحتضن أبناء الوطن السائبين وغير المنضبطين في الأزقة. ويُفرغ في كل صدر إلهامات روحه، ويُعِدّهم لفائدة المجتمع دهاة مؤهلين بعلوم الغد ومهاراته، ويرفع كل إنسان وكل شريحة إلى الكمالات الإنسانية بالتطهر من لوثات العصر في صفاء مآوي النور ومجمّعات إقامة الطلاب وبيوت الطلبة والمدارس والجامعات والمعابد والتكايا... هذا الفريق يؤنس وحشية الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام القوية، ليجعلها صوتاً ونَفَساً للدين والملّة من وجهة، ويرشد بها من وجهة أخرى الأحاسيس السوداء والأفكار القاتمة والأصوات المدلهمة، إلى سبيل الصيرورة الإنسانية. هذا الفريق ينقذ التربية والتعليم المتغيرة صورة وتوجهاً كل يوم تحت وطأة الضغوط الخارجية والانحرافات الداخلية، من وصاية الأفكار الدخيلة، فينظمها بصورة طيّعة لمتطلبات الحاضر وحسب السياق التاريخي، ويرفعها لتكون مؤسسة ذات رسالة ببرنامجها وخطتها وأسلوبها. بفضل ذلك، ترتقي الأمة من الفقر الحسي والفكري، والحفظ الببغائي والشكلية، إلى الفكر العلمي الحق، ومن تزكية أنواع الرذائل باسم الفن، إلى الفن والجمال الحق، ومن العادة والإدمان المجهول نشأة ونسباً، إلى الشعور الأخلاقي النابع من الدين والتاريخ، ومن أقفال الأفكار المتنوعة القابعة في صدورنا والتي أضنتنا وأنهكتنا، إلى واحدية الخدمة ، التسليم، الشعور، التوكل. لنضع جانبا بلبلة التكوينات الجديدة في العالم. نحن لا نصدّق بولادة شيء جديد من الهندام الرأسمالي القديم، أو أحلام الشيوعية، أو تكسيراتها الاشتراكية، أو هجين الديمقراطية الاجتماعية، أو خرق الليبرالية البالية. الحقيقة هي أنه إن كان ثَمّ عالَمٌ مشرّعُ الأبواب لنظام عالمي جديد، فهو عالمنا نحن. وسيتناوله الجيل القادم على أنه عصر نهضتنا نحن. هذه الولادة الجديدة، ستُكسب عالم مشاعرنا وأفكارنا، كذلك مفاهيم فننا وجمالنا، أعماقاً مختلفة اختلافاً شاسعاً عما عليها الآن. وفي ظله سنكتشف أذواقنا البديعة ونصل إلى موسيقانا، ونعثر على رومانسيتنا... ويستقر شعبنا في حرز مصان ومتين من كل جهة، سواء في العلم والفن، أو الفكر والأخلاق، فنضمن مستقبله. شعارنا في هذا المضمار النفير والإقدام، ومصدر قوتنا الإيمان والحقيقة. لقد أخفق دوماً الذين داروا بنا على الأبواب الأخرى على أمل الشفاء من الأدواء بالانفلات من الإيمان ومن الأخلاق. ولقد نلنا نحن الشرف، وبقينا شرفاء، بفضل الله الذي ارتبطت قلوبنا به، وفي ظل تسليمنا وانتمائنا إلى أمتنا التي رجحناها على كل شيء دنيوي وبلادنا التي وُجِدنا في صدرها ونشأنا في حضنها. ولا أظن بأنني في حاجة إلى شرح الواقع بعكس الحال! وسنتابع في فصل آخر مواضيع في الانبعاث من جديد. [1] المقصود من تلقيات الإسلام أو متلقياته: طبيعة فهمه وتداعياته في الإنسان ونوع التصورات بشأنه. |
| < السابق | التالى > |
|---|



