تقديم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

إذ أقدم هذا الكتاب للعالم الجليل محمد فتح الله كولن تستعصي الكلمات على التعبير عن هياج مشاعري وكوامن أحاسيسي. ‏فعندما عهد إليّ بهذا العمل، اضطرم فيّ القلق والضيق خشية العجز عن الإيفاء بقول يليق حقا بكتاب أستاذنا المبجل. لذلك، ‏أرجوكم أن تحملوا التشتت والطوف في السطح على عجزي واضطراب عاطفتي. فإن وجدتم فيه شيئاً من الخير والجمال فهو راجع ‏إلى انعكاس أنوار الكتاب والأستاذ على كلماتي.

‏"ونحن نقيم صرح الروح" مقالات رئيسية منشورة في مجلة الأمل الجديد التركية، اختيرت وجمعت في هذا الكتاب. وإن السرور ‏والبشرى لعظيمةٌ في جمع هذه المقالات التي كنت أترقبها - مثلما الكثير من قراء المجلة - بصبر ولهف. لقد كانت فواصل الزمن بين ‏المقالة والأخرى مدداً متفاوتة. لكن المحور الفكري لها واحد وثابت لم يتبدل. فهي تدور حوله وترفده وتغذيه. فليس الكتاب مقالات ‏مبعثرة جمعت بين دفتين، بل سلسلة منضودة بتخطيط متقدم، ومكتوبة بتنسيق فكري هادف، ترسم حدود الإحياء والانبعاث في ‏الفكر والدعوة.‏

ولا يغيب عن متقصي آثار الشيخ فتح الله كولن وعوالم عقله، الثبات والتناسق في جوهر أفكاره وعدم تناقضها أو تخالفها. بل ‏يشهد تكاملها مع بعضها وتساندها وسيرها في طريق رئيس، شوطا بعد شوط.‏

ولقد تكاثرت آثاره، فهي مدرسة متكاملة، وتكثفت على سمات وفي محاور مثل التزعزع والتخريب الذي يعيش فيه العالم ‏الإسلامي عامة، وإنسان هذا الوطن خاصة، منذ ثلاثة قرون، وغياب الأنموذج الحقيقي للإسلام وأسباب الغياب، والانبعاث الجديد ‏في العالم الإسلامي، وحضور الإسلام في المستوى العالمي كرّةً أخرى، والمحركات والخصال الأساسية للجيل الذي سيحقق هذا ‏الحضور. فمن هذه الزاوية، يشبه ما دبجه قلم أستاذنا الفاضل مقطوعة سيمفونية متكاملة ذات أصوات شجية ومنظومة. وإني أرى ‏في الكتاب مجهوداً جديداً للمؤلف، محدّداً ومنظماً ومحيطاً، يرفد حركة الإحياء ويعضد أفكاره التي ينادي بها منذ زمن ويسعى في ‏تحقيقها. ولذلك، أصف "ونحن نقيم صرح الروح" بأنه مرجع تحت الطلب لا يستغني عنه جيل الإحياء والانبعاث، أو من يسميهم ‏الأستاذ "ورثة الأرض".‏

هذا الكتاب يقلب لنا أولاً صفحات العالم الإسلامي لنقرأها ونطلع عليها. فنعلم من هذه القراءة أن جغرافية المسلمين تعيش ‏حالاً من العبثية والتناقض. ففي جهة، انحدار نحو هاوية الأزمات والضعف والجهل والخرافة والظلمات والخسران والعزلة والأنانية. ‏وفي جهة، تسارع في التوجه إلى الله وجهاد في سبيل الولادة من جديد وظمأ الناس إلى اطمئنان وحبور يَعِدُ به الإسلام. الأزمة التي ‏يسميها فضيلة الشيخ "أيام الانقراض"، هي جرح لا يندمل، أصاب العالم الإسلامي في القرون الأخيرة.‏

إن المسلمين الذين جعلوا الدنيا بُعداً من أبعاد الجنة ردحاً من الدهر، ضحوا بدينهم -وهو مصدر عزهم- لدنياهم، وضيّعوا ‏التوازن الدقيق الممتاز بين الكائنات والإنسان والحياة. فتنكّروا لتراث ألف سنة، وأحلوا محله نظماً موضوعة حديثة وهزيلة لا ‏تناسب فطرة الإنسان. ولكن من الثابت أن دعوة الانبعاث، في "أيام الانقراض" الطافحة بالانكسارات والأزمات والعواصف، ‏بقيت شرارةً في هذه الظلمات، على أمل أن تشتعل لهيباً في يوم آت.‏

إن العالم الإسلامي كله توّاق إلى الانبعاث بعد الموت وإلى الولادة من جديد، من أجل محق الانحرافات الحاضرة وإقامة حياة ‏جديدة وصحيحة. "انبعاث وإحياء يحتضن الحياة كلها، ويستجيب لحاجات أنماط البشر كلهم، في رحاب الزمان والمكان كُلاً، ‏بالسعة والعالمية التي تسمح بها مرونة النصوص، مع الحفاظ على أصالة الدين".‏

هذا الكتاب يدعو إلى التوجه نحو الإنسان والحياة والكائنات بمقترب إسلامي ويشير إلى أن المجتمعات المسلمة التي تتناسى المنطق ‏والفكر والتصور الإسلامي "بحاجة ماسة ولازمة إلى رعاية مفهوم الإيمان، والنظر الإسلامي، وشعور الإحسان، والعشق والشوق، ‏والمنطق، وطريقة التفكير، وأسلوب التعبير عن الذات، ورعاية المؤسسات والأركان التي تكسبها هذه الخصال، وإرشادها إلى ‏التجدد بكل فئاتها وأصنافها".‏

ولا بد من "أنموذج إنسان جديد" لتحقيق هذا التحول العالمي، يتحمل سعته الشاسعة وثقله المطرد كسعته. ويسمي الأستاذ هذا ‏الجيل الجديد "ورثة الأرض"، ويصفهم بأنهم "عباد صالحون، حياتهم العلمية منظمة ومنسقة، ثقات في أعمالهم وسلوكهم، أقوياء في ‏المقومات الشخصية فلا تصرعهم الأهواء النفسانية، امتزجت عقولهم بقلوبهم"، فهم ممثلو الروح المحمدية والأخلاق القرآنية.‏

والكتاب تعريف وتعليل لنهضتنا الإصلاحية التي نقف على أعتابها. نهضة تتحقق في سياق عودة الشعب برمّته إلى جذوره ‏الروحية. إن شعبنا الذي نهض لتحقيق الذات أكثر من مرة، جدير بالتغلب على "النفعية الذاتية، والكسل، وحب الشهرة، ‏والأنانية، وطلب الدنيا، وقصر النظر، واللجوء إلى القوة العمياء" وما يشبه هذه الأمراض، واكتساب فضائل مثل "الاستغناء، ‏والشجاعة، ومحو الذات، والاهتمام بهموم الغير، والعلم، والفضيلة، وقابلية التفكير العالمي" ومن ثم تحقيق التحول الكبير بمحوره ‏القرآني وسجيته الفطرية.‏

فحين يسرى في أبناء الشعب كله روحُ الإحياء، ينبلج فجرُ الانبعاث بعد الموت، أو النهضة العظمى، ويسترد شعبُنا الأمانة التي ‏ضيّعها منذ سنين طويلة، فيصنع من الدنيا زاوية جنة كما صنع في الماضي. ‏

وهو من وجهة، ينسج من آفاق القابل رؤيا مثالية تستنهض الهمم. ومن وجهة أخرى، يمحّص ويعلل حاضر العالم الإسلامي ‏بمعضلاته وأزماته والعوائق الاجتماعية والتاريخية المعرقلة لتجديد بناء الفكر الإسلامي. ولا يفقد -فضيلته- في خضم ذلك ثقته بهذا ‏الشعب الذي لم يخمد فيه جذوة الانبعاث أبدا. ولا بالآمال "الملّيّة"(1)‏ ‏ التي تشبعت بها روحه.‏

وبعد تلخيص ملاحظاتي على الكتاب، أعرّج -مع ضعفي وعجزي- إلى بلاغة الأستاذ وأسلوبه الرصين في كتبه كلها. لقد ‏اشتهر الأستاذ فتح الله كولن بانشداده إلى شعبه ومحركاته الحيوية التاريخية ووقوفه العميق على معطيات الفنون المتنوعة في الأدب ‏والهندسة والموسيقى وغيرها من الفنون التي ارتقت إلى الذرى في مسيرة التاريخ لهذه الأمة العظيمة. ونحن نشهد وَلَهَهُ وعشقه ‏لجذور الأمة الروحية ومحركاتها الأساسية في كل ما كتبه. وهل يجوز عليه غير ذلك، وهو وارث تلك الثقافة والحضارة؟ ‏

أما بلاغته ورصانة لسانه التركي، ففيهما ما يذكّر بقوة الأمة التركية يوم كانت أمة عظيمة، لها حشمتها وإحاطتها وكليتها ‏الجامعة المحتوية على عناصر وأجواء كثيرة. فكأن بلاغته ورصانة أسلوبه حلقة في سلسلة تمتد إلى زمان ثراء التركية ورفاهها. ‏فصياغته للتركية -كسبيكة الذهب- أصيلة وغنية، بسلاسة لسانه، وغنى معانيه، وقدرته على تصوير الأشياء والإنسان والكائنات. ‏ولا عجب مادام مستمدا من المحركات الحيوية للثقافة التركية في ذروة ارتقائها. فأسلوبه في التركية مذاب في القوالب القرآنية ‏ومفعم بمؤثرات الحياة الإسلامية ومصطبغ بألوانها الزاهية ومرتبط بحلقة في سلسلة الأدباء الترك وأهل الصنعة العظام. هذا الأسلوب ‏المتوشح بآثار تقاليد التصوف في الأدب، استمرار ودوام للمستوى الرفيع المنتقل إلى أوائل القرن العشرين والمنساب من بين أنامل ‏ممثليه خالد ضياء، ومحمد عاكف، ويحيى كمال، ورفيق خالد، ورشاد نوري، ويعقوب قدري، وأمثالهم. وأحسب أن هذا محصلة ‏تصديق دقيق وعميق لفضيلة الشيخ بأن حضارة ثرّة لا تنقل إلى الزمان القابل إلا بلسان بليغ مقتدر على بيان مضامينها. وأن ‏لفضيلته في التركية تصرفات خاصة به، وتركيبات واشتقاق أوصاف وأسماء. ومن هنا أزعم -أنا الضعيف- أن الحاجة ماسة إلى ‏قاموس بمعاني المفردات التي يستخدمها. ومَن يمحّص آثاره بحثاً وتدقيقاً، عن دراية باللسان التركي، سيجد تصرفات ذاتية ومفردات ‏ثرية في أسلوبه. وأزعم أن هذا القاموس يدلنا على المستندات والعناصر الأساسية لخزينة الأستاذ الثقافية وعالمه الفكري.‏

وأختم هذا التقديم بأبيات لمولانا جلال الدين الرومي (مترجمة)، أراها معبرة عن محور هذا الكتاب:‏

ما أحسن أن تهاجر من أرضٍ كل يوم،
ما أجمل أن تحط في مقامٍ كل يوم،
ما أطيب أن تنحدر، زلالاً بلا جمد ولا كدر،
أمس ، رحلت نفسي الحبيبة، أمس،
فالكلام كله يرجع إلى أمس،
وينبغي أن نقول شيئاً جديداً الآن.‏
علي جولاق
استانبول/ أسكدار

كانون الأول/ سنة 1997‏


(1)‎‏ الملّة ومشتقاتها ترد كثيراً في الأدبيات التركية عموماً، كما في كتابات الأستاذ فتح الله كولن، ‏ومعنى الكلمة في التركية غير معناها المتعارف عليها. فهي تستوعب معاني أوسع كالشعب وربما ‏الأمة أو اتباع دين وطائفة. وحين نقول "الملي" نسبة إلى "الملّة" فاللفظ يكون مشبعاً في معناه ‏بالدين والتقاليد والموروثات والخصوصية الذاتية العائدة إلى الأمة الإسلامية. فنرجو من القارئ ‏الكريم أن يعذرنا متى ما أوردناها كما هي حتى نوفي بالمدلول الشامل أحياناً، وان يفهمها بهذا ‏المعنى. (المترجم)
آخر تحديث ( 2006.09.25 )
 
التالى >