| لا صوم عندي ولا صلاة، ولا دمعة في عيني أو حماسة في قلبي.. بل هناك رياء الظهور والوجود ضمن الدعوة.. ومع ذلك فلا أستطيع ترك هذا البابة؟ |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.25 | |
|
هذه هي صرخة قلب كل متألم يرى نفسه محاطاً بالفراغ من جميع الجوانب. هذا ليس سؤالاً، بل نوع من التقرير يعود إلينا جميعاً. كان أحد العظماء كثيراً ما يكرر الأبيات التالية: ليس لي لا علم ولا عمل، هنا يكون البكاء والأنين عملية تفريغ للمخلصين والصادقين من الناس الملتهبة أفئدتهم على الدوام. فكأن أفئدتهم تحوي على جمر من نار جهنم تكوي صدورهم فلا تجد مشاعرهم هذه طريقاً للخروج إلا بالدموع. لذا نرى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤسس توازناً بين جهنم وبين الدموع. فقد ورد في الحديث: "ما من عبد مؤمن يَخرج من عينيه دموع وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار".[1] أجل! فما يستطيع إطفاء نار جهنم سوى الدموع. وفي حديث آخر يعبر عن هذا التوازن بقوله: "عينان لا تمسهما النار.. عين بكت من خشية الله.. وعين باتت تحرس في سبيل الله".[2] وفي هذا الحديث -كما في أحاديث أخرى- ينظر بالنظرة نفسها إلى من يجاهد ضد الآخرين، وإلى من يجاهد نفسه فيذرف الدموع. ويذكر القرآن الكريم أيضا وضع الأشخاص الذين يخرون سجداً وبكياً. كما يدعو في آيات أخرى إلى الضحك القليل والبكاء الكثير ندماً. والدموع شاهدة على رقة الطبع وجمال الروح. وكل قطرة منها تعادل مياه الكوثر في الجنة. وجفاف الدموع مصيبة كبرى بحيث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يلتجئ إلى الله منها. فيا ليت كان باستطاعة كل مؤمن مراقبة نفسه والاعتراف بهذه الحقيقة المرة فيقول: ليس لي لا علم ولا عمل.. ولا صبر لي على الطاعة والبر.. ولا دمعة في عيني.. ولا طاقة في القلب.. ولا أملك نورا في الإرادة... ويا ليت كل مؤمن استطاع إقناع نفسه بأنه لا شيء، وأنه إن كان مظهراً لبعض ألطاف الله تعالى فليس بسبب لياقته، بل على العكس لحاجته. وإن فقره وإفلاسه هو الذي جلب رحمته تعالى، وهو سبب ألطافه. إن أول الطريق أمام الإنسان للتخلص من عيوبه وتقصيراته هو معرفة هذه العيوب أولاً. ويجب أن يعقب هذه المعرفة إحساس بالندم والألم لكي يحاول الإنسان الخلاص منها. إن من أهم النعم التي أنعمها الله تعالى على المؤمن هو حبه للمسائل المتعلقة بالإيمان وكرهه ونفوره من المسائل المتعلقة بالكفر والفسوق والعصيان. ويستطيع الإنسان بهذا الحب وبهذا الكره التسلق إلى قمم الإنسانية وإلى قمم الإيمان، ويتخلص من كل ما يحاول جذبه ودفعه إلى أسفل. وإلى هذا الأمر تشير الآية الكريمة: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ اِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان اُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَة وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحجرات: 7-8). إذن فإن الله حبب الإيمان وزينه في قلوب المؤمنين. وعندما ينظر المؤمنون من عدسة هذا الإيمان فكأنهم يرون الجنة وحورها. ولكن الأهم أنهم يحسون بالقرب من الله تعالى. إن المقصود من هذه الآية الصحابة الكرام. كان هذا السلوك طبعهم العام الذي لم يتغير أبداً. إذ كانوا يحبون إلى درجة الوجد والعشق كل المسائل المتعلقة بالإيمان وكل الأحكام المتعلقة بالعبادات، وينفرون ويكرهون الكفر وكل ما يؤدي إليه. وبفضل إيمانهم هذا كانوا وهم في الدنيا وكأنهم يعيشون في الجنة وفي جو الجنة. وكانوا يفضلون أن يقذفوا في النار ولا يعودوا إلى الكفر. ولو خيروا بين أن يعيشوا مرفهين في الكفر وبين أن يحترقوا في النار كمؤمنين لاختاروا الأخير. لذا فقد وصلوا إلى مرتبة الرشد، وكان هذا فضلاً من الله ونعمة. لقد ذكرنا من قبل أن الإنسان إن أحس وشعر بتقصيراته كان هذا هو الخطوة الأولى للتخلص منها. أما إن رأى نفسه كاملاً، ورأى كل ما يعمله من أجل الإسلام كاملاً لا نقص ولا خلل فيه فاعلموا أنه يغرق بشكل تدريجي. ينقل لنا الإمام القسطلاني أن أربعة عشر من الصحابة كانوا يرتجفون خوفاً من النفاق ومن كونهم مسجلين في قائمة المنافقين. وهذه الخشية والقلق علامة أخرى على المدى الرفيع الذي بلغه إيمانهم. وكان عمر بن الخطاب وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما من بين هؤلاء الصحابة. كان عمر رضي الله عنه من المبشرين بالجنة، ولكن هذا الرجل العظيم لم يكن مع هذا مطمئناً تمام الاطمئنان، مع أنه شرف بحديث الرسول صلى الله عليه و سلم: "لو كان هناك نبي من بعدي لكان عمر". لذا كان يذهب إلى حذيفة[3] رضي الله عنه ويسأله متوسلاً: قل لي يا حذيفة بالله عليك هل عمر من المنافقين. أما أمنا عائشة رضي الله عنها فقد دخلت إلى بيت النبوة وهي في زهرة عمرها، فلم تعرف رجلاً غير الرسول صلى الله عليه و سلم ولم يدر بخيالها رجل غيره. كانت تنظر إلى حقائق عقيدتها الألوهية من خلال مرآة الرسول صلى الله عليه و سلم. كان بيتها مهبط الوحي، وكانت زوجة لرجل يفوق يوسف حسناً، وقد أنشد الشاعر على لسانها قائلا: "عندما رأى النساء في مصر يوسف عليه السلام قطّعن أيديهن.. ولو رأين سيدي لضربن صدورهن بالسكاكين التي في أيديهن..." أما عبادتها وحساسسيتها في العبادة فأمر معروف من قبل الجميع، فلم تفتها صلاة واحدة أو صوم يوم واحد خارج الأوقات التي تكون المرأة فيها معذورة عن الصلاة وعن الصوم. كما أنها كانت أحب الزوجات إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، أي نالت مثل هذه المرتبة العالية. نستطيع ذكر المزيد من هذه الأمور. والآن ضعوا كل هذه الأمور أمام أنظاركم لتفهموا مدى عظمتها ثم انظروا إليها وهي تبكي فيسألها الرسول صلى الله عليه و سلم عن سبب بكائها كما جاء في الحديث الآتي: عن الحسن عن عائشة أنها ذكرت النار فبكت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "ما يبكيك؟" قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حين يقال هاؤم اقرءوا كتابيه حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم"[4] وهكذا فإن امنّا عائشة رضي الله عنها التي نأمل أن تشفع لنا تبدي كل هذه الخشية وكل هذا الخوف، ولا تكون مطمئنة ولا واثقة من نفسها ومن وضعها. ليس هناك عرفان أكبر من معرفة الإنسان لنفسه. وكل من يعترف بأخطائه وبقصوره يستحق التهنئة، لأنه من الواضح أنه خطا الخطوة الأولى والخطوة المهمة في إنقاذ نفسه وتخليصها من عيوبها. إن الصيام والقيام والعاطفة الجياشة والدموع هي الأسس التي تقوم عليها الحياة المعنوية والروحية. ولا شك أن هناك أمور يجب إضافتها أيضا كالتضحية بالمال مثلاً ولا سيما في مثل هذه الأيام التي أصبحت التضحية بالمال والجهاد فرضاً لا يمكن الاستغناء عنه. فهذه أركان لا يمكن الاستغناء عنها. فإن غاب ركن من هذه الأركان كان كمن يؤدي صلاة ينسى فيها ركناً من أركانها لذا فلا يكون على تماس مع رحمة الله تعالى. فإن أردنا أن نكون على تماس مع رحمة الله تعالى وعلى نفس موجة التردد معها فيجب علينا القيام بتطبيق جميع أوامره سواء أكانت متعلقة بالحياة الفردية أو بالعائلة أو بالحياة الاجتماعية دون تهاون ودون تقصير. وهذا يشبه النتوئات الموجودة على المفتاح. فإن كان هناك عدم تطابق لنتوء واحد لم يستطع فتح الباب وإن كانت النتوئات الأخرى متطابقة. لذا فعلى كل مكلف أن يراعي الأسباب وأن يهيئ لكل قفل مفتاحه المناسب. هذا هو معنى العبودية في الحقيقة. أجل! فالعبودية هي إصرار ووقوف وانتظار أمام الباب. على العبد أن يقف أمام الباب وينتظر فتحه ولا يتركه وإن أخذ هذا الانتظار منه العمر كله. ويبقى بنفس شوق اليوم الأول دون أن يدع للعادة وللألفة فرصة لتقليل شوقه ووجده، ودون أن تتحول عباداته إلى حركات رياضية لا روح فيها. هذه هي العبودية الحقة.. أن تتسابق مع الزمن وأنت محمل بالشوق وبالخوف وبالرجاء كما كنت في اليوم الأول، والقرآن الكريم يعلمنا هذا فيقول: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبهُمْ لِذِكرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبهُم وَكَثِيرٌ مِنْهُم فَاسِقُونَ)(الحديد:16). كان الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أول من خوطبوا بهذه الآية يجددون إيمانهم وكأن مائدة معنوية تنزل عليهم من السماء كل يوم. لذا فإن توجيه هذا الخطاب إليهم يحمل لنا معنى خاصاً. ذلك لأن شروط الألفة لم تكن موجودة آنذاك، فالآيات كانت تنزل تترى. وكانوا يعيشون الإسلام الجديد النضر. فمثلاً يسمعون في يوم ما صوت الأذان لأول مرة فيهرعون إلى المسجد بانفعال جديد. وفي يوم آخر يعلمهم الرسول صلى الله عليه و سلم تسبيحة ودعاء آخر. وهكذا تبقى مشاعرهم نضرة ومتجددة على الدوام. ومع كل هذا كانت هذه الآية تحذرهم من قسوة القلب وتطلب منهم مشاعر حية ودافئة على الدوام ودموعاً. فإن لم تكن مشاعرنا الداخلية حية، وإن لم تكن عيوننا دامعة بالمستوى الذي يطلبه القرآن منا فمن الطبيعي أن نلوم أنفسنا. في هذا العهد الذي أهمل فيه الدين ولم يعد هناك مَن يرعاه، فإن كنا لا نسارع للجهاد من أجل إعلاء الدين الإسلامي المبين أو لا نستطيع ذلك، وإذا كنا لا نصاب بالأرق من جراء انسحاقنا تحت صولة الكفر ومن جراء غلبة الباطل على الحق ولا نحس بالم عميق.. فليس هناك من يجب إلقاء اللوم عليه إلا أنفسنا. لذا يجب على كل منا أن يعيب نفسه ويتهمها. نحن عبيد هذا الباب.. باب خدمة دين الله.. عبيد لا نريد الخلاص من هذه العبودية، إذ لن نفارق هذا الباب أبدا. ثم أيوجد هناك باب آخر؟ سنظل أمام هذا الباب بكل عناد وإصرار ولن نولي وجهنا عنه. هناك قصة رمزية تقول إن أحد أولياء الله تعالى عبد ربه سنوات طوالا، وتخرج على يديه الكثير من المريدين. وكان كل مريد منهم يترقى في المراتب حتى يشاهد اللوح المحفوظ ويقرأه. والغريب أن كل مريد كان يقرأ في اللوح المحفوظ أن شيخه شقي. فبدأ المريدون ينفضون عنه ويتركونه ولم يبق إلا مريد واحد. فسأله شيخه "لماذا ترك أصدقاؤك مجلسنا ولم يعودوا يأتون إلينا؟" فأجابه المريد على خجل "يا سيدي! لقد قرأوا في اللوح المحفوظ أنك شقي، لذا تركوا حلقة الدراسة". فأجابه الشيخ وعلى شفتيه ابتسامة ألم "يا بني، لقد رأيت هذا قبل أن يروه بأربعين عاماً. ولكن قل لي يا بني أهناك باب آخر أستطيع أن أطرقه؟" وعلى أثر كلام الشيخ هذا اهتزت السماء وتغير اللوح المحفوظ، وكتب فيه من السعداء. في العهود التي تلت عهد الصحابة كانت التربة قد أصبحت منبتة وخصبة إلى درجة نشأ فيها الآلاف من أحباء الله تعالى وجنوده، ولم يترك أحد منه بابه. كانت الخشية من الرياء أكثر ما يخشاه كبار المؤمنين. ولا شك أن مفهومهم للرياء يختلف عن مفهومنا كثيراً. ومع ذلك كانت هذه الخشية موجودة لديهم. وكانت هناك طرق معينة للتخلص منها، أولها العلم بأن الله تعالى مطلع على كل ما نفعله من أفعال وعلى كل ما يدور داخل أنفسنا من أفكار، وعدم نسيان هذا أو الغفلة عنه، وأن نكيف سلوكنا على ضوئه، وألا نبتعد عن الأذكار والأوراد ومطالعة الكتب التي تربي الخشية في قلوبنا، وننظر إليها كأحد الحلول التي توصلنا إلى الهدف. وأحيل هذا الأمر إلى الجواب المفصل الذي أجبت عليه في موضع آخر. [1] ابن ماجة، الزهد, 19 [2] الترمذي، فضائل الجهاد, 12 [3] لأن الرسول صلى الله عليه و سلم كان قد أخبر الصحابي حذيفة رضي الله عنه بأسماء المنافقين. وعندما كان حذيفة لا يحضر صلاة الجنازة على أحدهم يعرف الصحابة أنه كان من المنافقين. (المترجم) [4] أبو داود، السنة, 24 |
|
| آخر تحديث ( 2006.09.25 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|



