الصفحة الرئيسية arrow أسئلة العصر المحيِّرة arrow هل اكتساب الفيض من الصلاة مرتبط بأداء العبادة بشكل تام؟ مثلاً إن لم تؤد الصلاة حسب أركانها ألا يمكن الحصول على درجات معنوية؟
هل اكتساب الفيض من الصلاة مرتبط بأداء العبادة بشكل تام؟ مثلاً إن لم تؤد الصلاة حسب أركانها ألا يمكن الحصول على درجات معنوية؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 5
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

أرى من الأفضل استبدال كلمة "الفيض" الواردة في السؤال بكلمة "السعادة" أو "اللذة"، ذلك لأنه لا يمكن فهم معنى "الفيض" هنا. الفيض في الحياة الدنيوية هو الواردات والألطاف السبحانية التي لها علاقة بالحياة القلبية والروحية للإنسان. أما في الآخرة فالفيض هو ما يناله الإنسان من مراتب وشرف مثل دخول الجنة ونيل رضا الله واستحقاق شرف رؤية جمال الله. لذا فإن إدراك كلمة "الفيض" وفهم محتواها والإحاطة بمعناها يكون شيئاً مستحيلاً بالنسبة الينا.

فربما أحاطت بنا الفيوض من كل جانب وتحيط بقلوبنا ونحن لا ندري ولا نشعر بها. وربما كان عدم معرفتنا وعدم شعورنا بها من لطف الله تعالى بنا وإحسانه، ذلك لأن أفضل إحسانه هو الإحسان الذي لا نحس به.

إذا تناولنا المسألة من هذا الجانب نستطيع القول بأن هناك فيضاً وبركة في جميع العبادات التي تؤدى لله تعالى. فليس من المتصور رجوع أي إنسان متوجه إلى بابه بالخيبة أبداً. ولكن على الإنسان ألا يربط عباداته بالفيض أو باللذة التي يحصل عليها منها. فأحياناً قد تؤدي صلاة وأنت في حالة روحية منقبضة، أي في وقت ضاقت فيه نفسك وقلبك. فحسب الظاهر وحسب حكم مستعجل قد تطلق حكماً متشائماً على تلك الصلاة. ولكن قد تكون تلك الصلاة من أفضل صلواتك وأكثرها قبولاً، لأنك وقفت للصلاة وأنت متجرد عن جميع الأذواق المادية والمعنوية، ولم تنس ولم تهمل إظهار عبوديتك لله تعالى حتى في ذلك الوقت. أي لم يخلّ بإخلاصك عدم تلقيك أي فيض معنوي. وهذه هي العبودية الخالصة المخلصة.

يجب أن تقول لنفسك "مادام الله تعالى يقول (اُدعُونِي أستَجِبْ لَكُم) أي يخبرنا بأنه سيستجيب لكل دعاء خارج من بين شفتينا، إذن فسأبقى مقيماً على بابه ولن أتركه أبداً". إذا كان العبد يُظهر مثل هذه العبودية طوال حياته حتى من دون إحساسه بأي لذة روحية يكون قد صرف عمره كله في عبودية خالصة.

من جانب آخر يجب ألا يكون الحصول على المراتب المعنوية هدفاً للعبودية. لذا قال جنيد البغدادي حول الذين يقومون بإيفاء وظائف العبودية من أجل الجنة إن عبادتهم هي "عبادة الجنة "، أي هم عبيد للجنة، بينما لا يمكن أن تكون الجنة هدفا وغاية للعمل وللعبادة. فالعبادة تؤدى لأن الله تعالى أمر بها، أي من أجل الحصول على رضائه.

أجل، فالسبب الحقيقي للعبادة هو أنها أمر الله تعالى، أي أننا نؤدي فروض العبادة لأن الله تعالى أمرنا بها. فإن قام أحدهم ووقف يصلي لله تعالى وهو يرتجف خوفاً من جهنم فإن مثل هذا الشخص "عبد النار" أي عبد جهنم. إذن فكيف يمكن أن يكون عبداً لله تعالى؟ إن على الإنسان ألا يؤدي عباداته طمعاً في الجنة أو خوفاً من النار بل لأنه عبد لله تعالى ولأن الله أمره بها.

إن على الإنسان أن يؤدي صلاته حتى وهو في حالة انقباض روحي، أي وهو محروم من جميع الفيوضات المادية والمعنوية. حتى أن بكاء الإنسان وأنينه كما يمكن أن يكون وسيلة للفيض والبركة، قد يكون أحياناً وسيلة للابتلاء والامتحان. فلا يمكن إعطاء حكم قاطع في هذا الخصوص.

أجل! فالإنسان الذي لا يراقب نفسه جيداً ولا يحاسبها قد يشكل بكاؤه وأنينه خطراً جدياً عليه، لأنه لا يكون عالماً بأعماق قلبه. وإذا كانت أحوال البكاء عطية خاصة للصلاة، واتبع الإنسان في صلاته هذه الأحوال على الدوام فقد نقاطاً مهمة من أمور الإخلاص. لأن من المهم جداً الوقوف في الصلاة أمام الله تعالى بنفس مشبعة برغبة الحصول على رضاء الله تعالى فقط. ندعو منه تعالى أن يرتفع بنا من ناحية الصدق والإخلاص إلى القمة. إذا تحقق هذا فما البأس إن كان منظرنا أمام الناس منظر المقصرين. مثل هذا المظهر الخارجي لا يهم كثيراً. ويدعو الرسول صلى الله عليه و سلم الله بألا يجعله كبيرا في أعين الناس صغيرا عنده تعالى. لأنه ما أكثر الذين يعظم خطرهم في أعين الإنسان وهم لا يزنون جناح بعوضة عند الله تعالى. المهم هو نيل المرتبة عند الله تعالى وليس عند الناس. لذا يجب على الجميع تكرار هذا الدعاء "اللهم اجعلني في عيني صغيراً وفي عينك كبيراً".

والأمر الآخر في هذا الخصوص هو أن الله تعالى قد يهب اللذة الروحية في العبادة إلى الإنسان. وهناك بعض العظماء والأولياء استطاعوا قلع العجب بالنفس من قلوبهم ووصلوا إلى التوحيد الكامل. فهؤلاء يستطيعون التحدث بصراحة عن نعم الله تعالى عليهم وكل أنواع الجمال الذي ألبسه الله تعالى إياهم. فمثلاً نرى رسول الله صلى الله عليه و سلم في معركة حُنين عندما بقي وحيداً يهجم وحده على الأعداء والعباس رضي الله عنه -وفي رواية أبو سفيان بن الحارث- يريد الإمساك بزمام جواده.. نراه صلى الله عليه و سلم يهتف: "أنا النبي لا كذِب... أنا ابن عبد المطلب".[1]

وعندما قال الرسول صلى الله عليه و سلم هذا إنما قاله في مقام الامتنان والتحدث بنعمة الله وقال في نفس المقام: "أنا سيد وَلَد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر".[2] وقال أيضا:

"أُعطِيتُ خمساً لم يُعطَهنّ أحد قبلي.. نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة".[3]

كل ذلك تحدثاً بنعم الله تعالى عليه. فمثلاً إن وهب لي شخص ملابس جميلة، فإني أتحدث في كل مكان أزوره عن صاحب الهدية وأقول إن هذه الملابس الجميلة التي ترونها عليّ والتي تضيف إلى جمال خلق الله جمالاً آخر إنما هي هدية الشخص الفلاني. لذا فلا بأس من التحدث بالنعم العديدة التي أسبغها الله تعالى علينا، بل يكون إخفاء هذه النعم -أحياناً- جحوداً. في هذا الخصوص يقول بديع الزمان عن الكتب التي كتبها:

"سأهتف بكل قوتي وأقول إن كتاب "الكلمات" كتاب جميل، ولكنه لا يعود لي، بل هو خارج ومنبعث من صدر القرآن". وهو يقتبس هذا المعنى من دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم لشاعره حسان بن ثابت "اللهم أيده بروح القدس" لأن حسان بن ثابت رضي الله عنه كان شاعراً فحلاً، وكان يدافع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن الإسلام وعن القرآن، ويكسر بكلماته البليغة معنويات المشركين، لذا خصص له كرسيا في المسجد النبوي. وكانت كلماته تنزل كالصاعقة على رؤوس المشركين. قال حسان بن ثابت يوماً:

وما مدحت محمداً بمقالتي
ولكن مدحت مقالتي بمحمد

وهذا تحدث بالنعمة من قبل هذا الشاعر وهذا موافق لما جاء في القرآن الكريم الذي خاطب النبي: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). وعندما قالت أم جميل وكانت امرأة مشركة: لقد ترك شيطان محمد محمداً. قال الله تعالى مسرّيا عن رسوله (مَا وَدَّّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى). وجاء يوم أصبح فيه خُمس سكان الأرض من السائرين على طريق الهداية التي رسمها الرسول صلى الله عليه و سلم، وتشرفوا بشرف الإسلام وانتشرت المنائر والقبب في جميع أنحاء العالم. وأصبح الأذان المحمدي يُقرأ في شرق العالم وغربها خمس مرات في اليوم. فما أن ينتهي المؤذن في بلد من الأذان حتى يبدأ مؤذن آخر في بلد آخر بالأذان "أشهد أن محمداً رسول الله" وهكذا انتشر اسم محمد صلى الله عليه و سلم وتماوج في أرجاء الارض.

أجل، لقد كانت سورة "الضحى" بشارة للرسول صلى الله عليه و سلم وجواباً للمشركين في الوقت نفسه. كانت تقول إن الله لم يودعك ولم يهجرك. ثم تســــــتمر السورة قائلة (وَلَسَـــــوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى). وعند الانتقال من سورة (الليل) إلى ســــــــورة (الضُّحَى) حيث توجد علاقة واضحة بينهما نرى أن ســـــورة (الليل) تنتهي أيضا بـ (وَلَسَوْفَ يَرْضَى). وكذلك يرد في سورة الضحى بأن الله سيعطيه حتى يرضى، أي أن الله سيعطيه في الدنيا وفي الآخرة حتى يرضى. ففي المحكمة الكبرى يوم القيامة يقال له "ارفع رأسك، اشفع تُشفًّع، سَلْ تُعط" وعند تمام النعم يسأل "هل رضيت؟" فيقول "نعم! رضيت". إذن (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَر). أجل! انظر إلى هذه الأمة المباركة والعظيمة تراها تمشي في أثرك منذ أربعة عشر قرناً.

عندما يدخل الإنسان إلى الروضة الطاهرة يستولي عليه إحساس بأن الرسول صلى الله عليه و سلم حي، وأنه سيقابله وجهاً لوجه بعد قليل. فما أعجب هذه النضارة وتحدي الزمن! وما أعجب هذه الجدة والشباب بحيث أنه لا يزال يعيش في قلوبنا وأفكارنا حتى بعد مرور أربعة عشر عصراً. والاحترام والحب الذي يحتله في قلوبنا يبرهن على أنه لا يزال يعيش في ضمائرنا. وهذا من النعم التي أنعمها الله عليه ليرضى، وأمره ربه بأن يتحدث بنعم الله عليه. فقام عليه الصلاة والسلام ببيان هذه النعم كما ذكرنا قبل قليل. ومن قبيل التحدث بالنعم قوله "وجُعلت شهوتي في الصلاة"، ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكن يصلي أبداً من أجل الحصول على اللذة الروحية فقط. ولعل في هذا إشارة إلى أصحاب الاستعدادات. فيجب أن تحتفظ بالهمة العالية وبذل الجهد للوصول إلى هذه الحالة.

ومع كل ما ذكرناه حتى الآن فإن أكثرية الفقهاء يرون أن تعديل أركان الصلاة فرض. وباستثناء الإمام أبي يوسف فإن علماء المذهب يرون أنه واجب. ومعنى تعديل الأركان هو أداء أركان الصلاة بهدوء ودون عجلة وبجوارح مطمئنة حتى نهايتها. وهذا مرتبط بوضع الجسد المادي في الصلاة. ودون رعاية هذا الوضع لا يمكن عد الصلاة كاملة وتامة. وأنا أرى أن من الحيطة الاشتراك مع وجهة نظر الذين يعدون تعديل أركان الصلاة فرضاً. فما دام هؤلاء العلماء الذين يقولون بهذا قد نذروا أنفسهم لفهم القرآن والسنة، لذا وجب الاقتراب باحتياط شديد في الأمور التي اختلفوا فيها.

كما أنه ليس من حقنا إصدار الأحكام في حق المؤمنين بعد مشاهدة أحوالهم الظاهرة في أداء العبادات والطاعات. كما ليس من حقنا الوقوع في سوء الظن والقول لهذا وذاك "إن حجك كان عبثاً ليس فيه إلا التعب، وصيامك ليس إلا جوعاً وظمأ". فسوء الظن هذا ليس من أخلاق المؤمن، لأن على الإنسان أن يتصرف كمدعٍ تجاه نفسه وكمحام تجاه المؤمنين الآخرين. فنقول عن أنفسنا "إنني أصلي كثيراً، ومع هذا لا أستقبل من صلاتي فيضاً أو بركة، فهل تقبل صلاتي وأنا في هذه الحال؟" ثم نبدأ بتذكر ذنوبنا.

أما بالنسبة للمؤمنين الآخرين فيكون حسن الظن بهم شعارنا، لأن هذا كان تصرف وسلوك النبي صلى الله عليه و سلم وسلوك الصحابة والتابعين من بعدهم، فلم يؤولوا أحوال المؤمنين تأويلاً سيئاً، ولم يقوموا بتجريم أهل الصلاة وأهل القبلة استناداً إلى بعض تصرفاتهم السيئة. بل يجب حسن الظن بهم والتأكيد على الجوانب الجيدة من تصرفاتهم وعلى حسناتهم. فمن دخل إلى حديقة أو إلى بستان لم يلتفت إلى وجود بعض الأشواك فيها، بل يجب حصر نظره على الأزهار وعلى الثمار الموجودة فيها، وشعاره "خذ ما صفا، دع ما كدر".

ففي عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم كان هناك شخص اسمه "نعيمان" يروى أنه اشترك في معركة بدر. وكان يصنع الخمر من العنب ويشربه، وقد ضبط سكراناً، وعوقب في حضرة النبي صلى الله عليه و سلم مرات عديدة. وفي إحدى المرات قال أحد الحاضرين بعد انصرافه: ما له أخزاه الله! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"،[4] أي أن الشيطان هو الذي يوسوس له هذا الأمر ويوقعه في هذا الإثم فأعينوه بطيب الكلام. وفي رواية أخرى فأتي به يوما فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنْه ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي صلى الله عليه و سلم: "لا تلعنوه! فوالله ما علمت إلاّ إنه يحب الله ورسوله".[5]

أي إنه كان يمد يد العون لمن يحب الله ورسوله وإن وقع في الاثم مرات ومرات، فما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم تاركاً شخصاً يحب الله ورسوله في مثل هذه المحنة دون مساعدة. لذا يجب أن نكون واعين ويقظين تماماً في مثل هذ المواضيع.

إن الله تعالى يصدر أحكامه حسب رجحان الخير أو الشر لأفعالنا. وسنقف جميعاً أمامه يوماً، وحينئذٍ سنلتفت يميناً وشمالاً فنرى ذنوبنا وقد بلغت علو جبل "افرست"، وقد نقع في اليأس عندئذٍ، ويبدأ كل واحد منا في تذكر بعض أفعال الخير والبر الصغيرة التي عملناها في الدنيا "لقد ناولت قدح الماء مرة إلى أمي، ومسحت حذاء والدي مرة، كما صليت صلاة الجنازة على رجل صالح، ودعوت مرة بكل حرارة "رب اغفر وارحم" بين السجدتين" ثم نتضرع إلى الله: "اللّهم! هل يمكن أن تكون هذه الأعمال مجلبة لرحمتك وغفرانك؟" فإن كانت كذلك قلنا وقد أطمأن بالنا "كم تليق المغفرة بك يا رب!"

وما نأمله في حق أنفسنا من الخير نستطيع أن نأمله في حق جميع إخواننا المؤمنين. فإن رأينا فيهم بعض الجوانب السلبية بحثنا عن أعذار لهم وقلنا من يدري فلعل الله تعالى لم يشأ إعطاء ثمرات عملهم هنا في الدنيا، بل ادخرها لهم للآخرة. وهذا هو السبب في مظهرهم الناقص والسلبي.. نقول هذا ونحسن الظن بهم.



[1] البخاري، الجهاد، 52؛ مسلم، الجهاد، 76-77؛ البداية والنهاية لابن كثير، 4/373
[2] الترمذي، تفسير السورة (17), 18، المناقب, 1؛ المسند للإمام أحمد, 1/281
[3] البخاري، التيمم,1؛ مسلم، المساجد ومواضع الصلاة, 3
[4] البخاري، الحدود, 5؛ المسند للإمام أحمد, 438/1
[5] البخاري، الحدود, 5
 
< السابق   التالى >