|
الصدّيق هو الشخص الذي يقوم بالتصديق وكذلك هو الشخص الصادق. أما معنى الشهيد فهو الشخص الحاضر والشاهد. ولعل هذه الكلمة أطلقت على الشهيد لكونه في حضور الله تعالى يعيش حياة قريبة من الحياة الدنيوية. وكلتا المرتبتين من المراتب العليا عند الله تعالى.
لقد تسابق المؤمنون منذ عصور مع بعضهم البعض من أجل هاتين المرتبتين. ووصل الكثيرون إلى مرتبة الشهادة ولا سيما في عهد الصحابة. وقد استشهد ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة العظام، بينما وصل الرابع إلى الدرجة العظمى لمرتبة الصديقية. والآن لنذكر هنا الأمر النسبي في هذا الموضوع، ثم نبحث عن خصائص هاتين المرتبتين، وهي خصائص تذكي الأشواق في القلوب إليها. كل إنسان له نصيب في الصدق وفي مرتبة الصديقية حسب مستواه. وهناك أنواع عديدة من الموت تكسب الإنسان مرتبة الشهادة حسب العديد من الأحاديث النبوية. ولكن لكل من هاتين المرتبتين درجة عليا ودرجة قصوى تشكل الحدود النهائية لهما، أي لا يمكن تجاوزها، لأنه لا يوجد وراءها سوى مرتبة النبوة. مثلما توجد درجات في الشجرة بدءاً من البذرة وانتهاء إلى الثمرة، كذلك هنالك درجات مختلفة للإيمان. ومرتبة الصديقية والشهادة تشكلان قفزات كبيرة بين هذه الدرجات، ولهما أبعاد مهمة أخرى. وكل إنسان أقر وقبل الإسلام بلسانه وصدق به بقلبه يعد قد دخل من باب الصديقية بوجه من الوجوه لوجود تصديق قلبي هنا. ومجرد الدخول من عتبة هذا الباب يكسب الإنسان سعادة كبيرة. لذا فقد ورد في حديث رواه البخاري ومسلم أن لله ملائكة طوّافون بمجالس الذكر. والذكر هنا لا ينحصر في تسبيح الله، بل هو كل مجلس يتم فيه مذاكرة مسائل الألوهية والربوبية ومسائل التفكر والتأمل في صنع الله تعالى، بل يوجد في مثل هذا المجلس ذكر وتفكر وشكر. لذا يجب فهم موضوع الذكر بشكل واسع وشامل. وقد ورد في حديث نبوي: "إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فُضُلا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكرٌ قعدوا معهم وحفّ بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا. فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء. فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أيْ رب. قال: فكيف لو رأوا جنتي؟! قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك. فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. فيقولون: ربِّ فيهم فلان عبدٌ خطّاء إنما مر فجلس معهم. فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يَشقى بهم جليسهم".[1] وهكذا فالإنسان الذي دخل إلى الإسلام بكلمة التوحيد مهما كانت درجته ومرتبته فهو قد دخل ضمن جماعة، وهذا درجة من درجات الصديقية، لأننا نرى هنا نوعاً من الإخلاص والارتباط وإن كان من درجة عامية. ولكن هناك أيضا درجة عليا ودرجة قصوى لهذه المرتبة يشغلها أبو بكر الصديق. وهناك حادثة تروى عن سبب إطلاق هذه الصفة عليه: عندما قام الرسول صلى الله عليه و سلم بإخبار مشركي مكة بحادثة الإسراء والمعراج أسرع بعض المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه فإخبروه أن محمدا صلى الله عليه و سلم يقول كذا وكذا فقال: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: والله إنه ليقوله. فقال : إن كان قاله فقد صدق.[2] كان أبو بكر رضي الله عنه أكبر مصدق لأكبر دعوى، ووصل في مرتبة الصديقية إلى حدودها النهائية التي لا يوجد وراءها شيء سوى مرتبة النبوة. وكل إنسان يأخذ مكانه حسب مرتبة إيمانه وراء أبي بكر رضي الله عنه، وهذا لا يتم إلا بالانتقال من "علم اليقين" إلى "عين اليقين" ثم إلى "حق اليقين". ومن وسائل هذا الانتقال التفكر في الآيات التكوينية وتأملها بقلب حاضر. وكما ذكرنا سابقاً فإن الشهادة أيضا مراتب. فإن تهدمت بناية ومات تحتها بعض الناس فإن المؤمن منهم يُعد شهيداً. ومع أنه لا يعامل في الدنيا معاملة شهيد إلا أنه يعد شهيداً ويدخل ضمن الذين لهم حق الشفاعة في الآخرة. ويدخل ضمن هذا الأمر من مات من الوباء والطاعون أو من وجع البطن وأشباه هذه الأمراض. كما ورد في الأحاديث أن من مات غريقاً دخل ضمن هؤلاء الشهداء. وهذا يدل على أن بعض الحوادث ترفع الإنسان إلى بعض مراتب الشهادة. غير أن هناك ذروة هذه المرتبة وهي للذين يضحون بأنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله. وهناك روايات عديدة تذكر بأن من يعمل صباح مساء في سبيل إعلاء الدين ويدعو الله تعالى مخلصاً أن يرزقه الشهادة يحوز على مرتبة الشهيد وإن مات مرتاحاً في فراشه. وأنا أظن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي يمسك بكسوة مرتبة الشهادة إلى جانب مرتبة الفاروقية. فهو الشخص الموجود في ذروة هذه المرتبة، وقد طلب الشهادة طوال عمره وذرف الدموع خوفاً وخشية من عدم الوصول إليها. فبعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه بدأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإلقاء خطب الجمعة وبين في بعضها هذه الخشية. كانت كل خطبة من خطب عمر رضي الله عنه حدثاً مهماً، حتى أن عبدالله بن عباس رضي الله عنه (علاّمة الأمة الذي دعا له الرسول صلى الله عليه و سلم قائلاً: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) عندما كان يسمع وهو في مكة أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه سيلقي خطبة الجمعة يشدّ الرحال وسافر إلى المدينة كي يسمع خطبته. وكان معظم هذه الخطب يتم كتابتها من قبل بعض المستمعين، لذا ففي أيدينا اليوم خطب عديدة له يستنبط منها العلماء والفقهاء أموراً كثيرة. في خطبة من هذه الخطب قام عمر رضي الله عنه بالحديث عن النبوة، وذكر الصفات العالية للنبي صلى الله عليه و سلم ثم التفت إلى مرقد الرسول صلى الله عليه و سلم قائلاً: "هنيئا لك يا صاحب هذا القبر!" أجل، نحن أيضا نطلب الشهادة لأنفسنا، ذلك لأن الله تعالى عندما يعطي بكرمه الواسع لا يعطي حسب اللياقة بل حسب الحاجة. ولأننا محتاجون وندق أبواب كرمه بفقرنا وحاجتنا فإنه لن يرجعنا خائبين، لأنه لم يرجع أحداً دقّ بابه خائباً. أجل! لقد طلب عمر رضي الله عنه الشهادة بشوق، فأعطاه الله هذه الشهادة من أعلى رتبها، إذ استشهد على يد مجوسي إيراني. كان الوقت صباحاً، وكان عمر رضي الله عنه واقفاً في المحراب. وعندما هم بالسجود انغرس الخنجر الخائن في صدره. والآن لنضع هذه الحادثة في صورتها الكاملة: أولاً، رغبة قوية وشوق.. ثم صلاة من نوع ومستوى صلاة عمر رضي الله عنه الذي كان كثيراً ما يجهش بالبكاء فيها حتى ما يستبين أحد ما يقرأ.. أو تنحل عرى ساقيه فيتهاوى إلى الأرض في الصلاة. وفكروا في سجدة في مثل هذه الصلاة.. السجدة التي يكون فيها العبد أقرب ما يكون إلى ربّه.. في هذه اللحظة التي تجمعت وكملت جميع الشروط التي تهيء الإنسان إلى أعلى ذروة تكفي ضربة خنجر لكي تسمو به إلى ذروة الشهادة. كان الله تعالى قد قال: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، كان عمر قد سجد، ثم اقترب إلى الحد الذي تصل إليه طاقة إنسان غير نبي، لأن خطوة أخرى وراء هذا الحد تدخل في ساحة النبوة. وإلى هذا يشير النبي صلى الله عليه و سلم عندما قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب".[3] تحت هذه الذروة لمرتبة الشهادة هناك مراتب كثيرة أدنى من الشهادة تندرج نحو الأسفل. فالذين استشهدوا في "بدر" وفي "أحد" وفي "مؤتة" وفي "جناق قلعة" وفي طرابلس أو في أفغانستان ضد الروس أو الفلسطينين الذين يستشهدون اليوم في كفاحهم ضد الظلم اليهودي.. كل شهيد من هؤلاء الشهداء يشغل مرتبة من مراتب الشهادة هذه. كما استشهد من الخلفاء الراشدين العظام عثمان وعلي رضي الله عنهما إذ استشهد أحدهما وهو يقرأ القرآن، واستشهد الآخر وهو في طريقه إلى المسجد. ويمكن تقييم الفرق بينهم بالوضع الأخير لكل منهم. لذا فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بوضعه الخاص كان عظيماً إلى درجة لا يمكن قياس أحد به. فهو الذي كان يمثل آل البيت. وبهذا الفضل الخاص كان أكبرهم جميعاً. ولكن إن أخذنا الفضل العام بنظر الاعتبار كان أبو بكر رضي الله عنه هو الأول وكان عمر رضي الله عنه هو الثاني. ومع أنني لا أملك دليلاً موثوقاً على قيام الشهيد بالشفاعة للشهداء، وعلى قيام الصديق بالشفاعة للصديقين إلا أن قلبي يحدثني بأن هذا كائن. ثم يقوم هؤلاء بالشفاعة لأقربائهم ثم لمعارفهم. أما الذين يملكون هاتين المرتبتين معاً فالمأمول أن يشفع لهم الرسول صلى الله عليه و سلم مباشرة. أما القيام بالحديث عن الأسرار التي تحف بهذه المراتب فيتجاوز طاقة شخص مثلي، ذلك لأنه لا يمكن لمثلي أن يشرح حال هؤلاء الذين وصلوا إلى ذروة هذه المرتبة، ولا يمكن للآخرين فهم حالهم. لا أقول بأن كل مرتبة من مراتب الصديقية أفضل من كل مرتبة من مراتب الشهادة. فالتفاضل بينهما إنما يكون في ذروة كل منهما. ففي ذروة الأولى يوجد أبوبكر رضي الله عنه، وفي ذروة الثانية يوجد عمر رضي الله عنه.
[1] البخاري، الدعوات, 66؛ مسلم، الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار, 25 [2] البداية والنهاية لابن كثير، 3/ 111 [3] الترمذي، المناقب, 17؛ المسند للإمام أحمد, 4/154 |