لماذا خص النبي صلى الله عليه و سلم بالبشارة بفتح اسطنبول من دون سائر المدن وبأن هذا الفتح سيتم على يد أجدادنا؟ هل يمكن تقديم إيضاح ديني وتاريخي حول هذا الأمر؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

لم تكن بشارات الرسول صلى الله عليه و سلم خاصة بفتح اسطنبول فقط. فهناك إشارات إلى فتح "الفسطاط"، وهي المدينة التي بناها عمرو بن العاص، ومدينة "القيروان" التي أنشأها عقبة بن نافع، وهناك روايات حول فتح "البصرة" كذلك. ومع ذلك فلبشارة فتح اسطنبول موقع خاص ومتميز. وقد وردت هذه البشارة النبوية في "مسند" الإمام أحمد، وكذلك في "مستدرك" الحاكم وجاءت بالصيغة التالية: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".[1]

أصبحت "اسطنبول" بعد فتحها من قبل المسلمين ذات أهمية كبيرة للعالم الإسلامي، إذ أصبحت مركزا لانطلاق جيوش الفتح إلى جهات العالم الأربعة، وأصبحت عاصمة للدولة العالمية، وبلدة إسلامية مباركة أمام العالم الغربي. لذا فإن البشارة النبوية اكتسبت أهمية استثنائية لهذه الأسباب.

كانت المدينة المنورة في عهد الخلفاء الراشدين هي المركز وكانت جيوش الفتح تنطلق منها إلى أرجاء العالم. وحافظت على موقعها المتميز كمركز للثقافة وكمركز للفتح سنوات عديدة. لم تنزل المدينة عن موقعها المعنوي أبداً، ولكن كلما تغيرت جغرافية العالم الإسلامي وتوسعت انتقل مركز الدولة من بلدة إلى أخرى، فقامت دمشق أولاً ثم بغداد ثانياً بأداء هذه الوظيفة أمداً طويلاً. أما بعد فتح اسطنبول فقد أصبحت وظيفة المحافظة على مكة والمدينة ودمشق وبغداد على عاتقها. ليست المحافظة عليها فقط، بل رعايتها كذلك.

فكل عام كان محفل "الصرة" يخرج من اسطنبول حيث يشيعه السلطان راجلاً بنفسه حتى خارج المدينة، وكان هذا المحفل يحمل الهدايا الثمنية لأحفاد الرسول صلى الله عليه و سلم أولاً ثم لأحفاد الصحابة ثم لجميع فقراء المدينة. وكانت الهدايا تحتوي على الذهب والفضة والمرجان وغيرها من الأحجار الكريمة وكذلك هدايا ثمينة أخرى. وهكذا كانت اسطنبول تعيش كل سنة لذة إهداء الهدايا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم وإلى مدن الصحابة رضوان الله عليهم.

لذا فبسبب هذه الخدمات الكبيرة التي ستقوم بها هذه المدينة كان الرسول صلى الله عليه و سلم يبشر بهذه البشارة من وراء العصور ويتقبلها بقبول حسن. وأصبحت المدينة المنورة ودمشق وبغداد بعد فتح اسطنبول مثل أبوين يحظيان بمروءة ابنهما وشهامته، وكأن اسطنبول ابن بار يليق بمقام والديه. فنور الإسلام الذي ولد في المدينة وشع وتعمق في دمشق وبغداد انعكس في اسطنبول لينير ظلمات بلدان لم يصلها بعد هذا النور. لذا فمع تسليمنا بقدسية مكة والمدينة فإن لاسطنبول مكانة واضحة في خدمة هذه المدن وخدمة جميع العالم الإسلامي.

لقد تم بفتح اسطنبول انتهاء عصر وبداية عصر آخر في التاريخ[2]. فالجيوش الإسلامية التي توجهت نحو الغرب كانت تنطلق من اسطنبول. كما تم فتح بغداد أكثر من مرة من اسطنبول. وفي الفتح الأخير الذي تحقق في عهد السلطان مراد الرابع كان الجيش منطلقاً من اسطنبول حيث تم تأمين وحدة العالم الإسلامي مرة أخرى. لذا أصبحت اسطنبول لقيامها بمثل هذه الوظائف مدينة مباركة. كما استضافت -قبل فتحها من قبل المسلمين- أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه وهو الصحابي الكريم الذي استضاف رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيته، وكان من أدلائه.

فانظروا إلى تجليات القدر كيف أتاح لاسطنبول استضافة من استضاف الرسول صلى الله عليه و سلم في المدينة المنورة، فإن "محمد الفاتح" ما أن فتح اسطنبول حتى قام بالبحث عن مثوى هذا الصحابي الكريم قبل قيامه ببناء جامع الفاتح وقبل تحويله أياصوفيا إلى جامع وقبل المباشرة بخططه التي وضعها لاسطنبول، لذا أوعز إلى الولي الكبير أق شمس الدين الذي كان مظهراً لسر (فكشفنا عنك غطاءك) (ق: 22) في الدنيا بمهمة البحث قائلاً له: "ابحث لي عن مثوى هذا الصحابي الكريم الذي استضاف الرسول صلى الله عليه و سلم. فلم يلبث أن وجده، فقام محمد الفاتح ببناء جامع من أجمل جوامع العالم الإسلامي بالقرب من قبر هذا الصحابي.

وهكذا فإن اسطنبول تحتفظ بأمانة ثمينة وقيمة ومهمة للرسول صلى الله عليه و سلم، وأصبحت رمزاً للجهاد بسبب هذا الصحابي الذي جاء إليها مجاهداً. فكم من جيش مجاهد انطلق منها، وكم من فتح كانت اسطنبول مركز انطلاق له. فإن كانت خيولنا تلعب وتسرح في تلك العهود في ثلاث قارات، فقد فعلنا ذلك بالجيوش المنطلقة من اسطنبول. وقد استنبط بعض علمائنا بحساب الحروف اسم هذه المدينة من الآية الكريمة ﴿بلدة طيبة﴾ فأطلقوا عليها اسم "البلدة الطاهرة". صحيح إنهم ذكروا ذلك لمدينة "صنعاء" أولاً إلا أنه لا يمنع أن تكون مكة والمدينة واسطنبول مقصودة منها كذلك. فهذه البلدة الجميلة من الناحية المادية والمعنوية والتي تحتضن مراقد العديد من الصحابة والأولياء بلدة مباركة، ونأمل أنها ستستمر في الاحتفاظ بمقامها المبارك. فإن لم تكن محتفظة به فنحن نأمل أن تصل في يوم من الأيام إلى هذا المقام ويهبّ عليها من جديد النسيم المحمدي المبارك.

والنبي صلى الله عليه و سلم يشير إلى فتح ثان لاسطنبول، أي أن إنساننا الذي هرب من ذاته وماهيته وروحه سيرجع يوماً إلى هويته الأصلية وإلى ذاته وروحه ويرتفع إلى حياة القلب والروح ويقوي صلته بالله تعالى، فهذه هي بشارة الرسولصلى الله عليه و سلم. ونحن نترقب ذلك اليوم الذي سيكون فيه فتح جديد. ورسولنا صلى الله عليه و سلم يشير إلى علاقة معينة بين اسطنبول وبين الدجال. وعندما يحين ذلك اليوم ستنكشف هذه العلاقة بحيث يراها الجميع. ومن يدري فلعل هناك حكماً وأسراراً أخرى رآها وعلمها الرسول صلى الله عليه و سلم في حق اسطنبول الأمر الذي جعله يشير الى فتحها ويثني على الجيش الفاتح وقائده قبل عصور عديدة.



[1] المسند للإمام أحمد، 335/4.
[2] يعد فتح اسطنبول سنة 1453 نهاية القرون الوسطى وبداية العصور الحديثة، أي بداية عصر النهضة. (المترجم)
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri