الصفحة الرئيسية arrow أسئلة العصر المحيِّرة arrow هل يمكن الاستفادة الشخصية من وسائل الإرشاد والتبليغ مع أن الآية الكريمة تضع قاعدة الاستغناء: ﴿إن أجري إلا على الله﴾ (يونس: 72)؟
هل يمكن الاستفادة الشخصية من وسائل الإرشاد والتبليغ مع أن الآية الكريمة تضع قاعدة الاستغناء: ﴿إن أجري إلا على الله﴾ (يونس: 72)؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

هناك خمسة أنبياء كرام قالوا لقومهم (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ) وهم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط عليهم السلام. وفي مواضع أخرى يعبر إبراهيم وموسى عليهما السلام عن هذا المعنى أيضاً. ولكن هذا التعبير أي (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ) وارد في حق الأنبياء الخمسة المذكورين أعلاه. كما عبر الرجل الصالح "حبيب النجار" عن هذا المعنى في سورة "يس" عندما قال: (يَا قَوْمِي اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ # اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (يس: 21). ويعبر نوح عليه السلام عن هذا المعنى أيضا في موضع أخر ولكن بكلمات أخرى. أي أن الأنبياء العظام عليهم السلام لا يسألون الناس أي أجر مقابل قيامهم بوظيفتهم في الدعوة إلى الله (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ). إذن فهذا عهد ويمين أعطاه كل نبي لله تعالى، فهم لن يسألوا الناس -مقابل أدائهم لوظيفة النبوة- أي أجر أو نفع.

وعلى كل مرشد في أي عهد كان من العهود والذي أخذ على عاتقه مهمة التبليغ ونشر الحق الاقتداء بالأنبياء العظام. وعلى كل من يقوم بمهمة الوعظ والإرشاد ويقوم بزيارة القرى والقصبات الابتعاد عن قبول أي أجر أو منفعة مقابل خدماته في نشر الحق والحقيقة. أولاً لأن تأثير كلامه في الناس في يد الله تعالى. وقد ربط الله تعالى تأثير كلام هؤلاء بنسبة إخلاصهم وصدقهم وتضحيتهم وعدم انتظارهم أي شيء مقابل أدائهم لوظيفة الإرشاد. لذا كان كلام الأنبياء العظام والأصفياء مؤثراً. فإذا كان الكلام لا يؤثر كثيراً في أيامنا الحالية فلأنه لم يحز على بعض الشروط الضرورية.

أجل، فالله تعالى لا يجعل لكلام الذين يريدون استحصال أجورهم في الدنيا أي تأثير في النفوس. وهذه مسألة مهمة جداً. وهناك مسألة مهمة أخرى هي أن الذين يقومون بوظيفة الإرشاد والدعوة يجب أن يقتدوا بالأنبياء العظام ولا يأخذوا أجراً مقابل إرشادهم ونشرهم الحق. وهذا يجنبهم التعرض لانتقادات أهل الدنيا، لأن هؤلاء سيقولون "إن هؤلاء يقومون بنشر الحق، ولكنهم يتمتعون بثمرات عملهم هذا في الوقت نفسه ويؤمنون عيشهم عن هذا الطريق". ألا ترون أن قارئ المواليد النبوية يتعرض للنقد وللغمز؟ لأنه ينشد مدح الرسول صلى الله عليه و سلم ويعظم الله تعالى بكلماته، ولكنه يأخذ أجراً على ذلك. وكأنهم يقولون " لقد مدحتُ الله تعالى.. إذن أعطني مالاً ". لذا فلا يؤثر كلامه ولا مدائحه في ضمير الشعب. وما دامت النية كسب المال فلن يكون له أي تأثير. ولكنك ترى في جانب آخر واعظاً مخلصاً صادقاً يبتغي وجه الله فقط ذا صوت ضعيف ولكنه يؤثر في سامعيه. فتأثيره متوقف على مدى استغنائه عن الناس عند قيامه بنشر الحق.

لذا فكم يتمنى القلب أن يلتفت القائمون بمهمة الدعوة إلى الله وبمهمة خدمة الإسلام والقرآن من جيش الدعاة والمثقفين إلى النعم الدنيوية أبدا، وأن يحافظوا على أنفسهم ويصونوها من كل دنس ومن كل شائبة وأن يكون الاستغناء عن الناس شعارهم، وأن يكتفوا بالكفاف وألا يتركوا عندما يرحلون عن الدنيا داراً ولا مالا. وعلى الدعاة ألا يحرصوا على إغناء أولادهم من بعدهم فلا يحرصوا على اقتناء الدور والأموال والأملاك، بل عليهم أن يعيشوا مستغنين عن الناس. وفي عصرنا الحالي عندما توفي أحد الدعاة الذين فتحوا عهد الدعوة هنا لم يجدوا عنده سوى 25 قطعة نقود من فئة 25 قرشاً... فما أحسنه من مثال، إذ علم الأصدقاء والأعداء وتأكدوا أن خدمة الإسلام ليس وراءها طمع في أي عرض من أعراض الدنيا.

أجل، إن على الدعاة أن يؤمّنوا قوت عيالهم ويعلموهم ليكونوا أصحاب مهنة أو وظيفة وأن يعملوا هذا في النطاق الضروري فقط، وألا يلتفتوا في مهمتهم المقدسة في نشر الحق إلى أي عرض من أعراض الدنيا، وأن يكونوا مستعدين على الدوام للتضحية حتى بالفيوضات المادية والمعنوية لكي يحافظوا على الثقة بهم. عليهم ألا يهتموا بحياتهم الشخصية، بل بإحياء النفوس. فإن فعلوا هذا لم تستطع الدنيا ولا إغراءات الدنيا الدخول إلى حياتهم ولا إلى خيالهم ولا تكون من آمالهم، وإلا فقدوا الثروة الحقيقية التي اكتسبوها، فلا يفلحوا بعد ذلك أبداً. والذين يركضون وراء الدنيا وهم يؤدون الخدمة الإسلامية ستكون عاقبتهم وخيمة وسيأخذ حتى عيالهم نصيبهم من هذه العاقبة.

على الدعاة إلى الله أن يعيشوا حياة ملؤها الإخلاص والاستغناء عن الناس بحيث يشهد الجميع حتى سكان الملأ الأعلى لهم بالإخلاص ويقولوا "هؤلاء هم المخلصون". والذين لا يستطيعون سبق الدنيا والارتفاع عنها لا يستطيعون الارتفاع في الآخرة. والذين بقوا تحت ثقل الدنيا لا يستطيعون عبور العوائق الكبيرة أمامهم. والذين أثروا في الدنيا ظهروا على الدوام من بين الذين تجاوزوا أنفسهم وتخطوها وتجاوزوا الدنيا. فكم من بطل لم يخلف وراءه سوى جوادٍ وسيفٍ ورمحٍ. وعندما حضرت الوفاة خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو الذي قضى على إمبراطوريتين اثنتين وصرعهما قال: "لم أخلف ورائي سوى جوادي وسيفي". والحقيقة أنه يصعب فهم هؤلاء، لذا لا يملك الإنسان نفسه من القول لمثل هؤلاء "قل لي بالله عليك أانت ملك أم صوفي أم درويش؟! قل لي من أنت؟"

أجل! إن رجلاً مثل خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي صرع إمبراطورية بيزنطة وإمبراطورية فارس لم يخلف وراءه سوى جواد وسيف، ولكنه يعيش منذ ذلك الحين في قلوبنا.

كخلاصة نستطيع القول إن الدعوة إلى الله مرتبطة مع صفة الاستغناء عن الناس ارتباطاً لا يمكن فصمه. لذا فعلى الدعاة المخلصين اليوم والمتجاوزين أهواء الدنيا وأعراضها من الذين شمّروا عن سواعدهم لنصرة القرآن الذي بقي وحيداً دون نصير منذ ثلاثة قرون أن يفكروا فقط في الرسول صلى الله عليه و سلم الذي ينتظر جيل الفجر الجديد، وأن يأخذ هذا التفكير بمجامع قلوبهم بحيث لا يبقى هناك في هذه القلوب مكان لأي شيء آخر. إن الدنيا تنتظر عهداً جديداً، والذين يمثلون الآن دعوة الإسلام ودعوة القرآن يرنمون الآن ترنيمة بعث جديد. وما ذكرناه حتى الآن هو صفة واحدة فقط من صفات هؤلاء.

والجانب الآخر من هذه المسألة هو أن القائمين بأمور الدعوة والخدمة الإسلامية يجب ألا يربطوا معيشتهم بأمور هذه الخدمة. إن هذه الأمة أمة شهمة، وهي لن تدع العاملين المخلصين وحدهم، بل تعاونهم وتساعدهم، ولكن هؤلاء العاملين يجب أن يكونوا مستغنين وألا يطلبوا شيئاً، ولكن لا بأس من قيامهم بأخذ ما يكفي لأولادهم. وأنا أستند في هذا إلى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) (التوبة:60).

فالعامل في سبيل خدمة المسلمين والذي يجمع الضرائب والزكاة له الحق في الاستفادة منها وإن كان شخصاً غنياً، لذا لا أرى هنا أي محظور عند قيامهم بأخذ ما يكفي لمعيشتهم. ولكن أكرر وأقول إن الأساس عند جنود الخدمة هو الاستغناء وعدم مدّ أيديهم إلى الناس أو انتظار شيء منهم. فهذا الأمر صفة من الصفات المهمة لهؤلاء الذين يريدون التهيئة للغد المرتقب.

 
< السابق   التالى >