| هل الشفاعة حق؟ ومن يستطيع الشفاعة وإلى أي مدى؟ |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.25 | |
|
أجل، الشفاعة حق، وهناك العديد من الآيات والأحاديث حولها ممّا يدل على أنها حق. وسنتناول هذه الآيات والأحاديث عندما يأتي موضعها. ولكن سنتناول أولاً الشق الثاني من السؤال: من يستطيع الشفاعة وإلى أي مدى؟ لأن الإجابة على هذا الشق يشكل جوابا للشق الأول كذلك. يستطيع الأنبياء والأولياء والشهداء الشفاعة كل حسب المستوى الذي وهبه الله تعالى لهم وسيشفعون، غير أن الذروة هنا هي لرسول الله صلى الله عليه و سلم ذي الفطنة العظمى. فقد وهب كل نبي دعوة مستجابة وشفاعة فاستعملوها في الدنيا، أما رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد ادّخرها للآخرة، لذا سيكون في الآخرة صاحب الشفاعة العظمى إذ ستجتمع أمته من "الحمّادين" تحت "لواء الحمد" لكي يقوم صاحب "المقام المحمود" بالشفاعة التي سينال منها كل فرد من هذه الأمة المحمدية حصته حسب استحقاقه. الدنيا فانية وليست خالدة، والمشاكل والمصاعب الموجودة ستكون -بوجه من الوجوه- كفارة للذنوب. ولكن سيأتي على الناس يوم رهيب بئيس لا توجد فرصة لأي عمل منقذ، وهو ما ندعوه نحن بالآخرة. هنا سيبرز رسول الله صلى الله عليه و سلم صاحب "الشفاعة العظمى" ليشفع للإنسانية جمعاء. ولا شك أن لهذه الشفاعة حدود، كما أن الشفاعة لا تتم إلا حسب مشيئة الله تعالى وبإذنه فقط: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاَّ بِإِذْنِهِ) (البقرة: 255). وهذا شيء طبيعي جداً، ذلك لأن الشفعاء قد يتصرفون عاطفياً ويفرطون فيطلبون من الرحمة الإلهية رحمة أكثر من المعقول، ولا يتلاءم هذا مع الأدب الواجب تجاه الله تعالى. لذا فقد وضع سبحانه وتعالى ميزاناً ومقياساً لهذا الأمر، يتضح بموجبه من يستطيع الشفاعة، ولمن يستطيع وبأي مقياس يستطيع. وكما أن في كل أفعال الله تعالى وإجراءاته عدالةً وتوازناً، كذلك هناك عدالة وتوازن في موضوع الشفاعة التي سيقبلها الله تعالى في الآخرة من الشافعين. ولو لم يتم وضع حدود بهذا الشكل لاستعمل بعضهم الشفاعة بشكل غير متوازن. فلو كانت الشفاعة دون حدود لأدّى هذا عند بعضهم -عندما يرون الناس وهم يحترقون في جهنم- إلى إثارة عواطف الرحمة والشفقة عندهم فيطلب دخول الجميع من كفار ومنافقين ومجرمين إلى الجنة. ولكن مثل هذا الطلب يعد تجاوزاً على حقوق بلايين المؤمنين. لو تركت الشفاعة لعواطف الأشخاص لكان هناك احتمال استفادة الآثمين والمنحرفين والكفار منها. وهذا يعني شمول الرحمة للكفار الذين يحملون ذنوباً بإنكار كل النظم وكل الحكم وكل الجمال الصادر من الله تعالى في هذا الكون وإهانته وتزييفه، بينما يرتكب الكافر في كل لحظة من لحظات حياته جريمة كبرى لا يسعها الكون. لذا فإن إبداء الرحمة نحو مثل هؤلاء الأشخاص من ذوي الأرواح السود المظلمة يعد عدم احترام للرحمة نفسها. قال الرسول صلى الله عليه و سلم بأنه ادّخر شفاعته لأصحاب الكبائر من أمّته. فهو هنا -كما في كل شيء- إنسان توازن. والأمة بأجمعها وجدت سلوانها في هذا الحديث وتأمل أن تنال شفاعته. في أحد الأيام عندما كان "الحلاج" يشرح هذا الحديث أخذته الجذبة، فخرج عن حدّه وقال ما معناه "يا سلطان الأنبياء" لماذا وضعت مثل هذه الحدود ولماذا لم تطلب الشفاعة للناس جميعاً؟ فلو أنك طلبت هذا من ربك لاستجاب لطلبك". ولو كان واعياً آنذاك لعلم أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكن ليقول ذلك الكلام من نفسه: (وما ينطق عن الهوى). أجل! يجوز أن الرسول صلى الله عليه و سلم -كما قال الحلاج- لو طلب من الله تعالى الشفاعة للناس أجمعين لاستجاب له. ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم كان في غاية الأدب تجاه ربه، فلا يقول إلا ما يقوله ربه ولا يتعدى حدود صلاحياته أبداً. ومن ضمن المقاييس التي وضعها ربه للشفاعة استحقاق الشخص لهذه الشفاعة، وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر: 48). ومن هنا نعلم أن الشفاعة ليست دون حدود وليست للجميع، كما لا يوجد شرط قبول شفاعة أحدهم لآخر. فالأساس هنا هي المشيئة الإلهية الموجودة في كل شأن وأمر. الكافر يبقى بكفره خارج دائرة الشفاعة من البداية. فلا يستطيع أحد أن يشفع له، ولا تقبل منه هذه الشفاعة إن قام بها. ويعلمنا الله تعالى في القرآن هذا الدعاء حيث تتم الإشارة إلى وجوب الاحتفاظ بالهمة عالية (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامَاً) (الفرقان: 74)، أي هب لنا يا رب أزواجاً وذرية صالحين تقر بهم أعيننا.. وهب لنا رفقاء حياة يشدون من أزرنا ويشوقوننا في سيرنا إليك.. وأن يكون أولادنا وذرياتنا وسيلة لانهمار رحمتك علينا بعد وفاتنا بالأعمال والدعوات الصالحة التي يقومون بها.. ولا توصلنا يا رب إلى مرتبة المتقين فقط، بل إلى مرتبة إمام المتقين. مثل هذا الفهم تعبير عن الهمة العالية، وطلب لصلاحية الشفاعة من الله تعالى ضمن حدودها التي بينها لنا. ولو لم يرد الله تعالى إعطاء هذه الشفاعة لما علمنا طلبها. وما دام أعطانا كيف نطلب وكيف نسأل إذن فسيعطينا ما نسأله. ونحن نتوقع هذا وننتظره من رحمته الواسعة. لذا علينا فهم هذا الأمر جيداً. أجل، إن الاكتفاء بطلب ركن في الجنة دليل على ضعف الهمة، بينما يريد الله أن تكون همتنا عالية فنطلب منه أن يجعلنا إماماً للمتقين ويعطينا صلاحية الشفاعة لهم. في إحدى الأحاديث الشريفة يرسم الرسول صلى الله عليه و سلم لوحة من لوحات الآخرة: "يُدعى نوح فيقال هل بلّغت؟ فيقول نعم. فيُدعى قومه، فيقال هل بلّغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد. فيقال من شهودك؟ فيقول محمد وأمته. فيؤتى بكم فتشهدون أنه قد بلّغ. فذلك قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).1 أجل فالآية الكريمة تقول: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(البقرة: 143). الشفاعة حق وحقيقة. وجميع العظماء سيشفعون، ولكن في الحدود التي وصفها الله تعالى. وإذا نظرنا إلى وظيفة الشهادة كنوع من الشفاعة فإن أمة محمد بأجمعها ستكون شافعة. أما من ينكر الشفاعة فلا يوجد لهم كسب أو ربح لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله تعالى سيعامل عبيده بالشكل الذي فهموه وعرفوه وتوقعوه منه. 1 الترمذي، تفسير السورة (2), 8. |
| < السابق | التالى > |
|---|



