|
المقصود من الرحلة المقدسة هو الهجرة. والهجرة مسألة عظيمة تنطوي فيها معانٍ كبيرة وحقائق كبيرة. فكما تعني هذه الكلمة الهجرة من بلد إلى آخر كذلك تعني الهجرة من مبدأ ومن عقيدة إلى مبدأ وعقيدة أخرى، وتعني أيضاً هجرة الإنسان من نفسه إلى نفسه، ولا ادري هل أستطيع أن اوفي حق هذه الكلمة وما تحمل من معانٍ عميقة أم لا، ولكني سأقوم بعرض ما أستطيعه مستعيناً بالله تعالى وبلطفه وإحسانه.
الهجرة أساس مهم في كل دعوة كبيرة. ولا بد من تثبيت النقطة الآتية: لا يوجد رجل دعوة كبرى، ولا رجل فكر كبير ولا رجل تحمل عبء وظيفة عظيمة وانا أعني ما أقول لم يهاجر. لقد ترك كل رجل دعوة البلد الذي ولد فيه وذهب من أجل دعوته إلى بلد آخر. واكثر الجوانب بركة وأهمية في موضوع الهجرة هي أنها أمر من الله تعالى: ذلك لأن هناك بعض المعاني الآتية بهذه الهجرة تكون لها أهمية خاصة للشخص المهاجر الذي يقوم بخدمة الدعوة. ومع أن أحداً لم يطلق صفة "النبي السائح" على إبراهيم عليه السلام فإن هذه الصفة صادقة في حقه، ففي ذلك العهد الذي كانت المواصلات فيه صعبة جداً فإننا نسمع صوته في بابل حيث يرن فيها صوت دعوته، ثم إذا بنا نراه في أرض كنعان، ثم في سوريا حيث كان فرعون موجوداً فيها. يقول بعض المؤرخين إن الموجود هناك كان حاكما ظالماً اسمه"صادوق". وهنا تبتهل زوجته الطاهرة سارة إلى الله أن يحفظ هذه الفئة المؤمنة من بطش الظالمين. إذن فقد كان إبراهيم عليه السلام يسيح في أرجاء الأرض ومعه زوجته ليهمس في إذن كل من يصادفه ويدعوه إلى الله وحده. ثم لا نلبث أن نراه قرب الحرم الشريف الذي كان قد تهدم تماماً. أي ذهب إلى موضع مكة المكرمة التي سينشأ فيها سيد الرسل محمد صلى الله عليه و سلم والتي فيها محراب المؤمنين وقبلتهم المقدسة إلى يوم القيامة والتي يعدّ خرابها من اكبر علامات قيام الساعة. جاء إبراهيم عليه السلام إلى الحرم الشريف فرأى أن السيول المادية والمعنوية قد هدمته، أي أن سيول الضلالة تعاونت مع سيول المياه التي هجمت من جبال البطحاء. وكأن الله تعالى قد رفع الكعبة المشرفة إليه (بمادتها ومعناها) في تلك الأيام السوداء. قرر إبراهيم عليه السلام اعادة بناء الكعبة مع ابنه فوق اسسها المتبقية. ثم أذّن إبراهيم يدعو الناس إليها فاستجاب له اصحاب الضمائر الحية واسرعوا إليها. ويقول بعض المحققين إن الأذان المحمدي قد استنبط من اذان إبراهيم عليه السلام (وَأذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (سورة الحج:27). ومقام الحرم الشريف مقام عالٍ يستطيع فيه الإنسان أن يؤسس علاقة مع ربه، وطواف الناس حول هذا البيت تصور فوق كل تصور، فقد قال الرسول صلى الله عليه و سلم: "إذا قال الإمام (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فقولوا "آمين" فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"[1] والكعبة مطاف لجميع الروحانيين والملائكة حتى سدرة المنتهى. وعندما نقوم نحن بالطواف حول الكعبة نكون تحت نظر الله تعالى ورعايته ونشترك في الطواف مع ارواح الأنبياء. في مثل هذه البقعة المباركة ولد رسولنا صلى الله عليه و سلم، وكانت هذه البقعة من اهم أماكن الهجرة الطويلة لإبراهيم عليه السلام، وسكن وكأنه أنهى هجرته هناك. هنا انبثقت الشجرة التي كانت هي الغاية من هذه الهجرة وتفرع فرعان كبيران منها وهما متوجهان نحو الأبد. أحد هذين الفرعين اعطى ثمراته عدة مرات. أما الفرع الآخر وهو فرع اسماعيل فقد اعطى ثمرة لو وضعت في إحدى كفتي الميزان لرجحت على جميع الأنبياء العظام وكانت مفخرة للاجيال القادمة. هذه الثمرة هي محمد صلى الله عليه و سلم الامين الصادق صاحب الفطنة الكبيرة. وهي نتيجة هجرة إبراهيم عليه السلام وثمرتها. لماذا اطلق لقب "المسيح" على النبي عيسى عليه السلام؟ إن أحد معاني "المسيح" هو السائح في الارض، وهو من صيغة "الفاعل" أي الشخص الكثير السياحة. وقد بحث عيسى عليه السلام هنا وهناك عمن يسلم قلبه للحق وللحقيقة، وحصل نتيجة سياحته الطويلة هذه على اثني عشر حوارياً. قبل عيسى عليه السلام هؤلاء الحواريين كتلاميذ له متوجها نحو فتح العالم بهم واداء الامانة العظمى التي حملها وتحقيق دعوته الكبيرة بهم. فإن تذكرنا أن أحد طلابه خانه فمعنى هذا أنه خرج لفتح العالم بوساطة أحد عشر طالباً من طلابه. ومع أنه لا يُعرف أين ولد السيد المسيح، ولكننا نعرف إلى أين توجه في هجرته المقدسة. وهناك كتب تاريخية تذكر أنه وصل في هجرته وسياحته إلى اواسط الأناضول. لقد ساح في أرجاء فلسطين وفي شبه الجزيرة العربية، وعندما بلغ عمره 33 عاماً ترك هذا العالم الفاني، ورفع إلى عالم أسمى إلى عالم خاص به. لقد ساح في اجزاء كثيرة من العالم اكثر من كثير من السياح. باحثاً عمن يصغي إلى صوت دعوته من اصحاب القلوب السليمة. شب موسى عليه السلام في قصر فرعون، ومع أنه تعود على حياة القصور الناعمة، إلا أنه كان أيضاً رجل هجرة. ولو بحثنا ودققنا حياة الأنبياء العظام لرأينا الهجرة سمة مشتركة بينهم. لا شك أن اكبر مهاجر ضمن هؤلاء المهاجرين المباركين هو رسولنا صلى الله عليه و سلم. لأن الهجرة -مثلها في ذلك مثل جميع الأمور- وصلت عنده إلى الذروة. لقد جمع في عبوديته البداية والنهاية معاًً أي أنه بدأ بالعبادة باكمل وجه ولم يسبقه أحد فيها، لقد كان يرافق جبريل عليه السلام في السماء وفي الأرض يجالس الاعرابي ويشاركه على نفس المائدة. لقد كانت هجرته من مكة إلى المدينة هجرة شاقة ولكن ذات معانٍ عميقة. ونحن لانعرف كيف تناول الأنبياء الآخرون موضوع الهجرة، أما هو صلى الله عليه و سلم فقد كان يعاهد ويصافح وهو يشترط ويقول "على أن تهاجر". بل كان يُنظر في تلك الأيام إلى من لا يهاجر من دون سبب أو مانع نظرة المنافق. ولم يتمكن وليد بن الوليد وعياش بن ربيعة وسلمة بن هشام من الهجرة لبعض الأسباب المانعة. لقد كان هؤلاء الثلاثة من السعداء غير المهاجرين لذا حاول الرسول صلى الله عليه و سلم أن يملأ هذه الثغرة الموجودة خارج ارادتهم في حياتهم بالدعاء لهم. لقد كان يرفع يديه بالدعاء بعد الركوع قانتا: "اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين.. اللهم اشدد وطأتك على مُضَر واجعلها سنين كسني يوسف" حتى أنزل الله عز وجل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (آل عمران: 128).[2] أجل، يدعو ربه ويتضرع إليه، ذلك لأن هؤلاء كانوا من اوائل من اسلموا. كان عياش اخا لأبي جهل من جهة الام، ولكن ما أن نطق بالشهادتين حتى وضعت القيود في يديه وفي رجليه، وبقي على هذه الحال حتى فتح مكة مقيداً بالحديد ومعرضاً للاهانة وللضرب من قبل أخيه الكبير أبي جهل ومن قبل ابنه عكرمة الذي تشرف فيما بعد بالإسلام وأصبح من أبطال اليرموك. أما سلمة بن هشام فكان اخا لابي جهل من قبل الاب. وأصبح أيضاً مقيداً بالحديد في يديه وعنقه. أما الوليد بن الوليد فكان الشقيق الاكبر لخالد بن الوليد، وابن الوليد بن المغيرة. والغريب في الامر أن جميعهم كانوا مسلمي فخذ مخزوم. لقد بذلوا كل ما في وسعهم للوصول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والهجرة معه ولكنهم لم يستطيعوا التغلب على الصعاب والعقبات التي وضعت أمامهم. لذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم يرفع يديه بعد الركوع في صلاة الفجر ويدعو لهم بالنجاة وكان أحياناً يدعو لهم في صلاة الظهر والمغرب والعشاء أيضا. لقد كانت الهجرة مهمة بالنسبة للرسول صلى الله عليه و سلم بحيث أنه كان يوصي كل من يصافحه بأن يهاجر، ويدعو لكل من عجز عن الهجرة بأن ييسر له الله الهجرة. عندما مرض سعد بن أبي وقاص في مكة بعد فتحها قلق جداً، واظهر قلقه هذا لرسول الله صلى الله عليه و سلم الذي عاده في مرضه هذا قائلاً له: "يا رسول الله أُخلَّف بعد أصحابي؟ أتخلَّف عن هجرتي؟"[3] أي مع أن مكة مقدسة ومباركة إلا أنهم كانوا يقلقون خشية بقائهم بعيداً عن أرض هجرتهم. الهجرة عمل صالح يحوز على رضا الله تعالى، لأن الشخص المهاجر يقوم بتضحية كبيرة في سبيل الله. والإنسان يحب عائلته وأولاده وعياله والوطن الذي ولد فيه حباً كبيراً، فكم من شاعر ترنم في شعره بوطنه واشتكى من داء الصلة ومن وحشة الغربة، فهذا احساس موجود لدى الجميع، ولكونه احساساً فطرياً فإن الإنسان لا يستطيع أن يقلعه من قلبه. لذا نرى بلالاً وهو يبكي عندما يتذكر مكة، على الرغم من جمال المدينة وينشد اشعار الشوق لها. ولم يكن شوق أبي بكر رضي الله عنه وغيره اقل من هذا الشوق. لقد هاجروا إلى المدينة بسبب عقيدتهم ودعوتهم ولكن الشوق إلى ديارهم كان يحرق قلوبهم. فشخص مثل أبي بكر رضي الله عنه الذي لم يفكر لحظة واحدة في فراق الرسول صلى الله عليه و سلم كان أيضاً يشتاق إلى مكة ويتأوه من فعل المشركين الذين تسببوا في ترك دياره ووطنه. وكان يقول لمكة حينما ودعها: "أما والله لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ وأكرمها على الله. ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت".[4] وهذا شعور بالشوق والحنين. لذا يجب علينا أن نتناول موضوع الهجرة النظر إليها من هذه الزاوية أيضا. فالصحابة ولدوا في مكة وترعرعوا هناك وتعودوا عليها. ثم كان هناك البيت الذي بناه أبوهم إبراهيم عليه السلام والذي كان يأتي لزيارته الآلاف من الناس من اقاصي الأرض كل سنة، وكانوا هم سدنة هذه الكعبة وساداتها، فمنهم من أخذ على عاتقه إطعام الزائرين، ومنهم من أخذ على عاتقه سقاية الزائرين بماء زمزم، ومنهم من اخذ على عاتقه الاهتمام بالاضاحي التي يقدمها الزائرون. كان لكل منهم مهمة يؤديها. وعادة يصعب على الشخص ترك ما تعود عليه، فنحن مثلاً تعودنا على تذوق المشاعر العميقة التي يبعثها فينا شهر رمضان والصوم والافطار واداء صلاة التراويح فيه. وكذلك تنتابنا مشاعر واحاسيس عميقة عند ذهابنا إلى الحج وعودتنا منه ومشاعر الفراق -وإن كان شيئا مؤقتاً- المثارة في نفوسنا. وقد جرب الكثير منا ولعدة مرات هذه المشاعر. بينما كان الصحابة يتركون اوطانهم ومساكنهم وأولادهم وعيالهم. فمثلا عندما هاجر عمر رضي الله عنه لم يأخذ معه زوجاته. وعندما هاجر أبو بكر رضي الله عنه لم تكن معه ابنته عائشة رضي الله عنها ولا نعرف أين بقيت هي وزوجات أبي بكر رضي الله عنه اللواتي لانعرف حتى اسماءهن، وأين بقي والده الاعمى أبو قحافة. كيف تركهم كلهم وذهب؟ هل نستطيع أن نتهم هؤلاء الذين كانوا مثالاً للرحمة والشفقة بقساوة القلب؟ كلا... كان كل منهم مثالاً للرحمة والشفقة وكانوا يملكون علاقات عائلية قوية. ولكن الهجرة في سبيل الحق كانت تسبق كل شيء. لذا ابقى هؤلاء كل ما يملكون في مكة وهاجروا. كان منهم من يهاجر جهاراً نهاراً وعلناً ومتحدياً الجميع. وكان منهم مَنْ لايعرف شيئاً سوى أنه يهاجر في سبيل الله، أي كان يخطو ويشد الرحال نحو شيء غامض ومجهول. كانوا يملكون في وطنهم الذي يفارقونه كل شيء: المساكن والأولاد والعيال والمال. وكان الفقر والوحشة والغربة والوحدة تنتظرهم في البلد الذي يتوجهون إليه. إذ لم يكن معلوماً لديهم آنذاك أن أهل المدينة الأوفياء سوف يرحبون بهم ويضمونهم إلى صدورهم. وبينما كانوا يمثلون هم قوام الإنسانية، فقد ساعدوا كذلك في ظهور جماعة متميزة هي جماعة الأنصار. وهكذا أصبح الأنصار -حسب مقياس مكانة المهاجرين المباركة- يتعلمون صفة الحواريين من المهاجرين، والمهاجرون يكتسبون صفة النصر والتآزر من الأنصار. لم تكن سمة حياة هاتين الجماعتين متوافقة ولا طرز حياتهم، وكان تفكيرهم مختلفاً. ولم يكن مستوى الحوار بينهما المستوى نفسه أبداً. لذا فقد عانى المهاجرون الكرام الشيء الكثير فانطبعت حياتهم كلها بطابع الهجرة ومع ذلك فلم يرجع أحد منهم سوى شاعر بائس واحد إلى مكة حيث لم يكن إيمانه قوياً بدرجة كافية. أما الباقون فلم يفكر أحد منهم بالرجوع إلى مكة. إن الهجرة التي عمقت إيمان الصحابة الكرام والتي اعطت للمسلمين وللإسلام لوناً متميزاً أصبحت اليوم أيضاً من مواضيع الساعة. والهجرة تكسب طلاب القرآن الشيء الكثير. ذلك لأن كل شخص يترك إلى جانب الاثار الايجابية في البلد الذي ولد وترعرع فيه بعض الاثار السلبية كذلك. فلكل واحد ذكريات سلبية أيضاً في قريته أو بلدته وبين أقرانه فهناك أيام تشاجر فيها معهم، أو تصرف تصرفاً غير جيد تجاههم وهذه الأمور لاتتلاءم مع الوقار الذي يجب أن يتحلى به بعد أن يأخذ على عاتقه مهمة الدعوة إلى الله. ذلك لأن مثل هذه التصرفات الصبيانية السابقة -التي لامفر منها في مرحلة معينة من العمر- قد تبقى عالقة في اذهان البعض وتلقي بظلالها على مهمته وعلى الدعوة وتكون سبباً وعاملاً في بعض التقييمات السلبية تجاهه. فمثلاً كان المكيون يقولون عن النبي صلى الله عليه و سلم: يتيم أبي طالب. أجل! كانوا يطلقون على فخر الكون صفة "يتيم أبي طالب"، يريدون بذلك التهوين من شأنه ومن رسالته، يريدون استعمال يتمه كسلاح ضده، يودون أن يقولوا: "ويحك! أهذا الذي كان يركض معنا في الازقة وهو صبي ويمشي بيننا في الاسواق يدعي أنه صعد إلى السماء واتى باخبار فوق عقولنا من هناك؟". هذا علما بأن الله تعالى كان يهيئه منذ صغره لمهمة النبوة والرسالة ويصونه ويحفظه من كل شيء يمكن أن يلقي ظلا على مهمته هذه، وهاكم مثالا على ذلك، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: "ما هممت بقبيح مما هم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله عز وجل منهما. قلت لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان. قال نعم. فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير. فقلت ما هذا؟ فقالوا: فلان قد تزوج بفلانة. فجلست أسمع، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا حر الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الثانية مثل ذلك".[5] أجل! كان الله تعالى يهيئه لشيء معين. اشترك في صباه في تعمير الكعبة بعد أن انهدمت بفعل السيول. كان ينقل الأحجار. وما كان من المتصور أن يتخلف عن مثل هذا العمل المشرف. وفي أثناء العمل قال العباس للنبي صلى الله عليه و سلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة. فما أن هم ليفعل ذلك حتى خر إلى الأرض مغشيا عليه وطمحت عيناه إلى السماء، وما أن أفاق حتى صاح بلهفة: "إزاري إزاري.." فشد عليه إزاره ولم يره أحد مكشوف العورة بعد ذلك أبدا.[6] لقد كان الله تعالى يصونه من كل شيء لا يليق به لأنه كان يهيئه لحمل رسالة كبرى. ولكن مع كل هذا كان مشركو مكة يدعونه بيتيم أبي طالب. في مثل هذا الجو الذي لم يكن الرسول صلى الله عليه و سلم يجد نصراً وتأييداً من أهل مكة فتح الأنصار صدورهم له، وفتحوا أبواب بلدتهم وابواب بيوتهم له، واستسلموا له كليا عندما طلب منهم البيعة في بيعة العقبة الثانية قائلا: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".[7] وهكذا وجد الرسول صلى الله عليه و سلم نفسه بين أناس يعرفون قدره ويرونه مثل شمس الضحى صافيا مضيئا، ويحترمونه الاحترام الواجب له. كانوا يرونه نبياً منذ أول يوم عرفوه ولم يعرفوا طفولته ويوقرونه كما يجب أن يوقر النبي. كما كان الصحابة الكرام "رضي الله عنهم" يهانون في بلدهم مكة، فلم يتيسر للمكيين معرفة قيمة بلال الحبشي رضي الله عنه إلا بعد فتح مكة. مع أنه هو وكثير من امثاله واصحابه من الرجال من ذوي القلوب والنفوس الطاهرة كانوا يتعرضون في مكة -نتيجة النظرة الاجتماعية السائدة- إلى صنوف عديدة من الاذى والاهانة. ولكنهم أصبحوا في المدينة جماعة مكرمة وعزيزة، حتى أن الأنصار كانوا يتوسلون بالرسول صلى الله عليه و سلم ويطلبون منه أن يكون المهاجرون شركاء لهم في اموالهم ومساكنهم. وكان هذا جانب آخر من جوانب الهجرة. هذا علماً بأن هؤلاء المهاجرين كانوا محط اهتمام خاص للنبي المختار صلى الله عليه و سلم. هذا الرسول الذي قاد الهجرة قد اعد للرسالة من صغره وتحت حماية الله تعالى وصيانته. وبالنسبة إلينا فإن الهجرة مهمة جداً من ناحية الدعوة. ذلك لأن كل واحد منا له اخطاء حسب مقتضى الطبيعة البشرية وقد تثار في حقنا بعض الاقاويل، لذا كان من الافضل الهجرة من الاماكن التي كنا فيها. لأنه مهما كانت النيات صافية فمن الضروري عدم وجود أي لطخة في صورتنا في اذهان المخاطبين، بل يجب أن تكون مثال الأمن والاطمئنان والثقة في نفوسهم. ولا يتيسر هذا إلا عندما نكون بين اشخاص لايعرفون اخطاءنا ونواقصنا السابقة، ونكون عندهم كمن نزل من السماء إليهم حسب التعبير الشعبي الدارج، فهذا مهم جداً. ومشيئة الله سبحانه وتعالى بتهجير جميع المرشدين والمجددين يظهر أن الهجرة قانون الهي، فكأن الله تعالى اجبر جميع المرشدين والمبلغين على الهجرة بمقتضى هذا القانون. فمثلاً يظهر أحدهم في الجبال الشم للولايات الشرقية للأناضول، ولكن نسمع صوته يدوي في غربي الأناضول أو في اسطنبول. ونحن نرى الإمام الغزالي وهو يكثر من سياحته ونرى الإمام الرباني وهو يسيح في طول الهند وعرضها. وعندما ندقق حياة هؤلاء العظماء الافذاذ نجد للهجرة مكاناً بارزاً فيهم. ان الترحال المقدس يحتل الآن من زاوية الدعوة أهمية اكبر مما كان في السابق. فإن قام أخ مؤمن بالهجرة إلى ديار الكفر فيجب ألا ننظر إليه باستهجان. صحيح أنه لا توجد الآن "مدينة منورة" ولكن ستكون هناك مدن تحاول تقليد مثال "المدينة"، وبتعبير آخر لكي نستطيع المثول بين يدي "صاحب المدينة" علينا أن ننشئ "مدناً" عدة. ولكي نستطيع أن نقول "لقد تركنا مدننا خلفنا يارسول الله لكي نحضر إلى مدينتك" فهناك حاجة إلى مدن هجرة. لذا لا نستطيع أن نستخف بموقف الذين رحلوا إلى أرجاء الأرض لنشر الإسلام وهاجروا في هذا السبيل. ذلك لأنهم لم يفعلوا هذا لسبب مادي أو لمصلحة شخصية. لقد كان هدفهم هو نشر الإسلام والحصول على رضا الله تعالى. ان الذين هاجروا في سبيل دعوة الحق سواء من تركيا أو من سائر أنحاء العالم الإسلامي سيلقون أجرهم حسب نياتهم حسب قاعدة "انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى". ونحن ندعو من الله تعالى أن يأخذ هؤلاء مواضعهم بجانب المهاجرين الأولين، أي أن الله تعالى سيحشر المهاجرين مع المهاجرين والأنصار مع الأنصار. وعندما سينادي يوم المحشر: "ليجتمع المهاجرون" فإننا نأمل أن يكون هؤلاء خلف المهاجرين الأولين من الصحابة. فمن يعرف ماذا سيجد أمامه؟ ايجد أمامه ابابكر رضي الله عنه أم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أم عثمان رضي الله عنه؟ قد لا نستطيع في كل مرة تحقيق فكرتنا التي هاجرنا من أجلها، ولكن طالما كانت نيات المهاجرين خالصة في سبيل الله فإنهم سيُعدون رابحين وفائزين. ولنشرح هذا بحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث يقول: "من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".[8] أجل! إن كان أحدهم يتحرق شوقاً لخدمة دين الله ودعوته ويخطط لايصال دين الله حتى اقصى الأرض ويدعو قائلا "لنذهب ولنر ولنشاهد ولنعلم ولنرشد ولنمش على طريق الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام وعلى اثر رسولنا صلى الله عليه و سلم مفخرة الإنسانية لننجز مهمتنا هذه.." مثل هذا الشخص حتى أن توفي في بلده فإننا نأمل أن يسجله الله تعالى في سجل المهاجرين. ندعو الله تعالى أن يعطي للذين يصرفون اعمارهم في سبيل الإسلام والعالم الإسلامي ثواب المهاجرين وثواب الشهداء، إنه نعم المولى ونعم النصير.
[1] البخاري، تفسير السورة (1), 2؛ ابن ماجة, اقامة الصلاة والسنة فيها, 14؛ المسند للإمام أحمد, 2/233 [2] البخاري، تفسير السورة (3), 9؛ مسلم، المساجد ومواضع الصلاة, 54. [3] البخاري، مناقب الانصار, 49؛ مسلم، الوصية, 1. [4] مجمع الزوائد للهيثمي، 3/283؛ مسند أبي يعلى، 5/69 [5] السيرة الحلبية، 1/200 [6] البخاري، مناقب الانصار, 25؛ مسلم، الحيض, 76 [7] البداية والنهاية لابن الأثير، 3/156-163 [8] مسلم، الإمارة, 157؛ الترمذي، فضائل الجهاد, 19؛ النسائي، الجهاد, 34. |