ما السبب الكامن وراء محاولة الابقاء على نظرية دارون حية على الرغم من ظهور نقائصها وعدم صحتها؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 4
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

من المستحيل العثور على نظرية أخرى غير نظرية دارون بُعثت بعد موتها. فقد ماتت ثم بُعثت، والآن هناك محاولات لاحيائها بعد أن دخلت في مرحلة الاحتضار. فبينما يقوم بعض رجال العلم ببذل كل جهودهم للدفاع عن أفكار دارون نرى البعض الآخر من رجال العلم وهم يوجهون سهام نقد قاتلة لنظرية دارون ويمزقونها إرباً إرباً، ويقولون بأن الإيمان بهذه النظرية ليس إلا انخداعاً لا غير. هذا هو المنظر الحالي في المحافل العلمية العالمية ولكن الظاهر أن النظرية ستبقى لمدة معينة حية في الميدان. وقد كتب بالامس وحتى اليوم الآلاف من الكتب حول هذا الموضوع في الشرق والغرب ولاتزال تكتب وستكتب في المستقبل أيضاً.

ولنقل منذ البداية بأن الثقافة في الشرق وفي الغرب قائمة على قاعدة واحدة وهي قاعدة الفلسفة المادية. فالمادية في أمريكا لاتقل عن مادية روسيا، علما بأن الثقافة الغربية اليوم قد انزلقت بمعظمها إلى اجواء الثقافة الأمريكية. وعندما ذكرنا كلمة الشرق كنا نشير إلى الناحية الجغرافية ولم نكن نقصد منها الفكر، وكما ذكرنا في معرض الاجابة على سؤال سابق بأن الشرق والغرب قد تجاوزا اليوم المفهوم الجغرافي، لذا فنحن ننظر إلى روسيا باعتبارها جزءاً من الغرب.

كلا الطرفين لهما النظرة نفسها تقريباً للدين وللعلم أيضاً. نظرة الغرب إلى الدين هي نظرة "روسو" و"رينان" وهي أنه وحدة صغيرة ضرورية للحياة الاجتماعية. أي أن الدين لم يكن عندهم في أي وقت غاية وهدفاً. بل عدوه وسيلة واحدة من الوسائل العديدة لسعادة الإنسان، لذا يجب اعطاء الرخصة له. وقد وصلت روسيا اليوم[1] إلى هذه النظرة. ومع أن هذه النظرة يمكن عدها بداية للتحلل في النظام الروسي إلا أنها ليست المفهوم الصحيح للدين في نظرنا.

كما أن نظرتهم إلى جميع شعب العلم وفروعه هي النظرة نفسها. هذا هو وضع العالم اليوم. ومع ذلك فهناك الكثير من العلماء من ذوي النظرة المادية تناولوا نظرية دارون بالنقد والتجريح، حتى لم يدعوا فيها ناحية سليمة. ومع أننا نرى هذا الأمر واضحاً وصريحاً في البلدان الاوروبية وفي أمريكا، إلا أنه لايزال شيئاً مخيفاً في روسيا ويجري في صمت.

أجل، لاتزال روسيا والبلدان المرتبطة معها تصر على هذه النظرة، أي الدفاع عن هذه النظرية، لأن هذه الدول اقامت قواعدها الفاسدة على المادية التاريخية، لذا كان من المهم جداً بالنسبة إليهم أن تكون نظرية دارون صحيحة، والحقيقة أنه ما أن تنهدم الفلسفة المادية والمادية التاريخية حتى تظهر الميتافيزيقية إلى الأمام، وسيقوم الإنسان آنذاك بمراجعة القيم الروحية والمعنوية اكثر من مراجعتهم للقيم الاقتصادية والمادية. وهذا يعني آنذاك انتهاء النظام الفكري وانهدامه المرتبطين به. لذا يقومون بدفع نظرية دارون إلى المسرح من حين إلى آخر. وسيستمر هذا لبعض الوقت.

أما في تركيا فالمدافعون عن هذه النظرية والساعون إلى خدمة هذا الفكر وهذا المبدأ هم بعض اساتذة الجامعات وبعض أعضاء السلك التعليمي إذ يقومون عند تدريس مادة "البيولوجيا" "علم الأحياء" بتقديم هذه النظرية وكأنها هي الحقيقة بعينها فيفسدون بذلك العقول الغضة.

ولن أقوم هنا بتحليل هذه المسألة تحليلاً علمياً مفصلاً، فقد تناولتها بالتفصيل في إحدى المحاضرات. ثم تناولها بعض الاصدقاء بالتحليل من ناحية العقيدة، وظهرت جهودهم هذه بشكل كتب ومجلدات مفيدة. لذا أدع تفاصيل هذه المسألة إلى هذه الكتب لكي أتناول الموضوع بما يناسب مساحة السؤال والجواب.

يقول أنصار هذه النظرية: تكونت الاحماض الامينية في المياه ثم تكونت الأحياء من ذوات الخلية الواحدة كالاميبا ثم تطورت إلى الأشكال المختلفة للأحياء. وبتعرض هذه الأحياء إلى عمليات التطور وصلت إلى أحياء في مرحلة متطورة كالقرود "والبعض يذكر الكلاب" واخيراً ظهر الإنسان كمرحلة اخيرة من التطور. وقدموا وجود بعض المتحجرات في بعض الاماكن دليلاً على صحة هذه الفرضية، كما جعلوا هذه المتحجرات منشأً وأصلاً وسلفاً لاجناس وانواع عديدة من الأحياء. فمثلاً جعلوا بعضها سلفاً للحصان والأخرى لقناديل البحر والأخرى للطحالب، وقالوا بأن هذه الأحياء أخذت أشكالها الحالية بعد مرور آلاف السنوات عليها.

ولكن المكتشفات الأخيرة التي توصل إليها العلماء تكذب هذا الزعم، فالحشرات التي يصفها العلماء بالأحياء العنيدة حافظت على نفس أحوالها وأشكالها القديمة منذ ظهورها قبل 350 مليون سنة وحتى الآن.

والمفصليات والزواحف وعقارب البحر لا تزال تحمل نفس أشكالها واحوالها التي كانت عليها قبل 500 مليون سنة، أي بنفس أشكال متحجراتها تماماً، ولا يوجد هناك اقل فرق، فهذا ما يقوله علماء الحيوان أنفسهم. فإذا لم يكن هناك أي تغير أو تبدل حتى في الأحياء الدنيا، إذن فإن قدم الحصان أيضاً لم تتغير مثلما يدعي الدارونيون. والإنسان يحافظ كذلك على شكله السابق منذ أن خُلق. وبينما ادعى التطوريون أن الآلاف من الأحياء قد تعرضت للتغير والتبدل إذا بأحياء تعيش منذ 500 مليون سنة تظهر أمامنا فتكذب ادعاء هؤلاء وتقول: "كلا... نحن لم نتغير ولم نتبدل ولم نتطور".

ويقول هؤلاء أيضا إن تطور الأحياء وتبدلها يتم عن طريق المصادفات. ويتم هذا التغير بشكل بطئ عبر الزمن. وإن تطور وتبدل كل كائن مرتبط بالظروف والشروط التي يوجد فيها. فعلاقة الدنيا بالشمس وبعدها أو قربها منها وكيفية دوران الأرض حولها والتغيرات الحاصلة في هذا الدوران وبما ينتج عنه من اختلاف الفصول... كل هذه عوامل لها تأثيرات ايجابية أو سلبية على الطفرات. لذا تتحقق التغيرات الحاصلة حسب هذه الشروط. مثلا كان الحصان قبل ملايين السنوات حيواناً صغيراً له خمسة أظافر في القدم. وبعد مروره بكل هذه السنوات كبر حجمه وأصبح بظلف واحد.

والحقيقة أنهم لايملكون في هذا الموضوع برهاناً جدياً، يتكلمون عن مخلوق عاش في الماضي ويدعون أنه كان حصاناً، مع أنه لا توجد أي علاقة لهذا المخلوق مع الحصان، فالله تعالى خلق ذلك الحيوان، ثم أنهى نسله بعد زمن معين، فلا يوجد الآن مثل هذا الحيوان. والآن لماذا نتقبل كون ذلك الحيوان حصاناً؟ لقد خلق الله تعالى ذلك الحيوان في ذلك العهد، ثم خلق الحصان بعده بعهود، فلماذا نربط بين هذين الحيوانين ونسند أحدهما إلى الآخر؟

لقد تم العثور على النحل وعلى العسل قبل مائة مليون سنة. وقد تبين أن النحل قبل مئة مليون سنة كان يصنع العسل ويخزنه في نفس الأشكال الهندسية التي تعملها الآن. أي على الرغم من مرور مائه مليون عام فلم يتغير شيء فالنحل لا تزال تعمل العسل على النمط نفسه. أي لم يتغير طوال هذا الزمن لا دماغ النحل ولا طريقة عمل العسل، كما لم يتغير أي شيء في بنية النحل وأعضائه. فإذا كان هناك أي تغير فأين مثل هذا التغير؟ كان يجب أن يشار إلى مثل هذا التغير. وتقع مهمة ووظيفة الاشارة إلى هذا التغير على أنصار التطور.

قبل سنوات قام أحد أنصار الداروينية الحديثة فاعلن للعالم اكتشافه لجمجمة تحمل بعض الصفات الإنسانية وكذلك بعض الصفات القردية. وقدم هذه الجمجمة كدليل على الانتقال من الحالة القردية إلى الحالة الإنسانية ولكن بعد مضي سنوات تبين الوجه الحقيقي للمسألة. فقد تبين أن الفك الاسفل من جمجمة قرد قد أضيف إلى جمجمة إنسان حقيقي. أي تم تشكيل جمجمة واحدة من جمجمتين. ثم وضعت هذه الجمجمة لمدة معينة في حامض لكي تبدو جمجمة قديمة ثم زرعت اسنان إنسانية في الفك الاسفل وتم برد هذه الاسنان، ثم قدموا هذه الجمجمة كدليل على وجود الحلقة الوسطى بين القرد وبين الإنسان. وقد كادت عملية التزوير هذه تخدع الاوساط العلمية.[2] ولكن بعض العلماء انتبهوا إلى عملية التزوير هذه ونشروها في الصحف والمجلات. وقد انعكس هذا الموضوع في الصحف التركية أيضاً ونشرت حوله مقالات عديدة.

إن أتينا إلى الطفرة، فهذه النظرية تقول إن نسل الأحياء يصيبه التغير إن تعرضت الأحياء إلى الطفرات، وإن هذه التغيرات هي التي تشكل الاساس لظهور الانواع المختلفة من الأحياء. لقد توضح في هذه الأيام بعد تقدم علم الجينات وعلم الكيمياء الحيوية أن الطفرات القائمة على المصادفات العشوائية لا يمكن أن تؤدي إلى تحسن والى تطور الأحياء وتكاملها. إذن فالطريق مسدود أمام هذا الادعاء.

منذ سنوات تجري المحاولات والتجارب العديدة حول تهجين الحمام والكلاب. ولكن الكلاب بقيت كلاباً. صحيح أنه حدثت بعض التغييرات الجسدية، فمثلاً يتغير شكل الانف أو الفم، ولكن الكلاب لاتتحول إلى حمير مثلا، ولم يتحول الحمام إلى طائر آخر بل بقي حماماً. وكانوا قد أجروا من قبل تجارب عديدة على ذباب الفاكهة "دروسافيللا" ولكن هذا الذباب بقي ذباباً، ولم يحصل الذين أجروا هذه التجارب على شيء فتركوا هذه التجارب خائبين واليأس يحيط بهم.

ولكن كانت هناك فائدة واحدة لهذه التجارب، فقد أدرك العلماء جيداً أنه لا يمكن الانتقال من نوع إلى آخر في عالم الأحياء وذلك لوجود هوات واسعة بينها لا يمكن الانتقال خلالها. ثم إن الحلقات الوسطى تكون دائماً عقيمة. فمن المعلوم أن البغل ليس بذكر ولا بأنثى، وفي هذا الوضع لا يمكن للبغل العمل على استمرار نسله. فكيف تيسر إذن الوصول من مثل هذه الحلقات الوسطى بواسطة الطفرات إلى كائن مثل الإنسان؟ وكيف يتيسر ظهور مثل هذا الكائن الممتاز الذي سيستمر نسله حتى يوم القيامة؟ إن هذا الأمر ليس بعيداً عن العقل فقط بل حتى عن الخيال، وليس له أي سند جدي.

عثروا قرب جزيرة مدغشقر على متحجرة سمكة، وعندما أجروا البحوث عليها تبين لهم أنها عاشت قبل ستين مليون سنة، وقرروا دون أي تريث أنها من الاسماك المنقرضة. وبعد فترة قصيرة صاد أحد صيادي الاسماك بالقرب من الجزيرة نفسها سمكة من نفس هذا الصنف من الاسماك التي قالوا إنها قد انقرضت. وقد شاهدوا أن هذه السمكة تشبه تلك السمكة التي عاشت قبل ستين مليون سنة مئة بالمئة ودون أي تبدل أو تغير، وهنا أيضاً رجع أنصار التطور بخفي حنين. فالسمكة الحية افسدت السيناريو الذي أُعِدَّ حول السمكة المتحجرة من قبل التطوريين.

ولكن على الرغم من كل هذا فلكون التطور أحد القواعد الرئيسية للمادية التاريخية وعنصراً من عناصرها وسنداً للمادية فقد اصر ماركس وانجلز على قبول النظرية التطورية. لذا نرى أن الماديين يناصرونها مناصرة عمياء وإن تناقضت مع العلوم ولن يتخلوا عنها أبداً.

ان هؤلاء يرون أن كل مسألة يجب أن تُحل وتوضح بالنظرة المادية فقط، إذ لا يستطيعون أبداً أن يقولوا: "إننا لم نستطيع إيضاح هذه المسألة، إذن فلا بد أن هناك قدرة معنوية خارجية" وكل الجهود التي يبذلونها هي في سبيل التخلص من مثل هذا الاعتراف. وهذه الجهود والمحاولات اليائسة ابعدتهم كثيراً عن العقل وعن المنطق وعن السلوك والتصرف المعتدل إلى درجة اجبرتهم إلى الكثير من التزوير والخداع والاعيب المنطق التي لاتليق لا برجل العلم فقط بل حتى بالإنسان العادي.

وهذا أدى في النتيجة إلى أنهم يضطرون في كل مرة إلى البحث عن فجوة ليختبئوا فيها وقد احمرت وجوههم من الخجل. ولكن هناك عقول غضة تأثرت بهم مع الاسف. ولكن حبل الكذب قصير، وحبل هؤلاء اقصر من هذا الحبل. يقال إن مجنوناً واحداً يستطيع عندما يلقي حجراً في بئر أن يشغل اربعين عاقلاً فلا يستطيعون اخراج ذلك الحجر، وهذا هو ماحدث في هذا الموضوع.

لقد افاد دارون دنيا العلم من حيث لايدري، فتصنيف الانواع وترتيبها نتاج من نتائج بحوثه وكان هذا التصنيف دليلاً ضمن الادلة الأخرى حول مدى النظام والانسجام المذهل الموجود في الكون. إذن فما أجل قدرة الله تعالى الذي خلق هذا الكون في مثل هذا النظام البديع الذي لا يسمح لأحد أن يفسده. إن الهداية في يد الله تعالى، وبينما ازددنا نحن إيماناً ببحوث دارون، فقد انحرف دارون ببحوثه هذه إلى الضلالة.



[1] ذكر المؤلف هذا سنة 1982 م.
[2] لقد خدعت هذه الجمجمة المزيفة التي أطلقوا عليها اسم ( إنسان بيلتداون) العلماء مدة أربعين عاما تقريبا وكتب حولها مايقارب نصف مليون مقالة في مختلف المجلات العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي البلدان الأوروبية حتى تم اكتشاف زيفها عام 1952 في بريطانيا. ( المترجم)
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri