| ألا تشرحون لنا معنى الآية ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ (البقرة: 155) |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.25 | |
|
هناك العديد من التفاسير المفصلة لهذه الآية، نحيل إليها من يرغب في تفسير مفصل أما نحن فسنتناول هنا شرحاً موجزاً للآية لكي لا نرد طلب السائل. وقد يكون ما نقوله إعلاماً للمعلوم لبعض الاصدقاء. ولكن لما كان كل ما يتعلق بالقرآن الكريم مهما بالنسبة إلينا لذا فسنتناول هذه الآية بشرح موجز. هنا يتم القسم، الله تعالى يقول: إننا سنمتحنكم بالخوف الذي سنرسله إليكم وسنبتليكم به. سنصلت عليكم أهل الدنيا لنرى من يخاف منكم ومن لايخاف واظهاره إلى الوجود الخارجي. والله تعالى بعلمه الازلي يعرف هذا، ولكنه يريد اظهار من يخاف ومن لايخاف منكم للوجود الخارجي لأن القدرة والإرادة متعلقتان به. الخوف أحد صور الامتحان فالإنسان يخاف من الزلازل ومن الجوع ومن الظمأ ومن الاعداء الماديين والمعنويين، وهذا الخوف امتحان له. والنوع الثاني من الامتحان هو الامتحان بالجوع. وقد تعرضت الأمة المحمدية لمثل هذا الامتحان الشديد في عهود معينة. وقد انحسر اليوم هذا الامتحان صحيح هناك بعض الجوع والبؤس، ولكن هذا يرجع في الاكثر إلى اسراف الإنسان وسوء استعماله وهو صفعات تنبيه له. علماً بأن الاجيال السابقة، ولاسيما الذين عاشوا في القرنين الماضيين تعرضت إلى افظع اشكال الجوع نتيجة تصلت الاعداء الخارجيين والداخليين. كما لا تزال هناك بعض البلدان الافريقية يسود فيها الجوع، نتيجة لسوء استعمال الموارد هناك وهو صفعات تنبيه لهم. ولانني شرحت هذا بالتفصيل في مناسبات أخرى فلا اعيده هنا. أما النقص في الاموال فقد يكون نتيجة الآفات الطبيعية، أو لزوال البركة، وهو إحدى صور الامتحان، وظاهرة التضخم المالي من ضمن هذا الأمر. أما النقص في الأنفس فيأتي بمعنى القتل أو حرمان الإنسان من العيش كإنسان محترم. وكما يمكن أن يتعرض العالم الإسلامي إلى امتحان في موضوع النقص في الأنفس نتيجة لجهادهم في صد العدوان الخارجي، كذلك يمكن أن يتعرض من يعيش الحياة الإسلامية إلى عزلة من المجتمع فيعيش وكأنه مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة وهو امتحان من هذا النمط. كل هذه امتحانات وابتلاءات من قبل الله تعالى يتعرض لها المؤمنون. وقد يمتحننا الله تعالى بنقص في الثمرات نتيجة للآفات التي تصاب بها البساتين. أو يمتحننا بنقص في ثمرات كل انواع الاعمال والجهود التي نبذلها. وهذه الامتحانات إما امتحانات نتيجة الذنوب والآثام التي اقترفناها فهي تنبيه وتحذير لنا، أو هي امتحانات لرفع درجاتنا ومراتبنا عند الله تعالى، فهي إذن لطف من ألطافه. لا يظهر الصبر والصدق إلا نتيجة الامتحان. فالذين يصرون أن يبقوا ملازمين باب الله تعالى مهما تعرضوا للأذى هم الذين ينجحون في هذا الامتحان. أما الذين يتركون هذا الباب عند أقل محنة ويبدلون طريقهم واتجاههم فهم الذين يرسبون في هذا الامتحان. عندما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يتعرض إلى بلاء أو مصيبة كان يسرع فيتوضأ ثم يقف للصلاة والآية الكريمة (يَا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153) تعلمنا هذه الحقيقة. فإن أحاطت بكم البلايا وضاقت عليكم أنفسكم فعليكم بالصبر وبالصلاة فهما طريق الخلاص. عليك أن تصر على اسنانك أولاً وتصبر، ثم عليك الاصرار على العبودية والتوجه إلى الله تعالى. من المحتمل أن الله تعالى يريد بهذه الامتحانات أن يظهر للعيان مدى وفائنا وتحملنا وصدقنا وصبرنا ليعلمنا قيمنا الحقيقية وكذلك ألطافه علينا. أي سيقيس مدى قوة صبرنا وصدقنا بنوع ردود فعلنا وسلوكنا في اثناء هذه الامتحانات ويعرفنا بأنفسنا. وذلك لكي لا يكون للناس حجة على الله. وربما سيعترض العبد بعد هذا القياس والتقييم لنفسه ويقول: يارب! كم كنت شخصاً متقلباً!.. لقد امتحنتني مرة وسددت أمام وجهي الباب مرة فيئست وتحولت عن بابك وانصرفت عنك. بينما كان عليّ أن أبقى ثابتا في مكاني أمام بابك لا أتحول عنه ولو تكررت أمامي المحن، وأن أصارع أعداءك. لو دفعت جيوشي للهزيمة مئات المرات لكان عليّ أن أعتصم بك وأقول: أنت غايتي يارب. لو هدمت بيتي على رأسي، أو حرقت قلبي بألم فقد أولادي وأموالي لكان عليّ إلا انحرف عن بابك. لو ابتليتني بالأمراض من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، وبدأت أئن من الآلام والاوجاع لكان عليّ عندما أستطيع النطق بكلمتين أو ثلاث أن أقول أيضا: انت غايتي يارب. وبدلاً من اكون هكذا وأقول هذا لم أستطع الصبر، واهتززت ورجعت وتركت بابك. فما اعظم جنايتي وما اكثر تلوني وتقلبي. والعبد يُمتحن حتى وإن كان على الحق وسائراً على الصراط المستقيم، فهناك احاديث كثيرة على هذا، فالله تعالى يمتحن عبده بالمصائب وبالبلايا لكي يذهب العبد إلى ربه طاهراً نظيفاً ويستحق الدخول إلى المراتب العليا للجنة. سنتعرض نحن أيضا للغربلة عدة مرات وسنمتحن، وهكذا ينفرز الفحم عن الماس والردئ عن الجيد. والامتحان ضروري ولاسيما في أيامنا الحالية، فالحيلولة دون التلون والتحول المحتمل في المستقبل لا يمكن إلا بالتعرض للمحن في هذه الايام. لذا فإن الامتحان عامل مهم لمن ينوي أن يهب نفسه لتحمل عبء الدعوة إلى الله. والله تعالى هو الممتحن الآن وفي المستقبل وما علينا إلا الثبات والصبر والتزام بابه بكل صدق. |
| < السابق | التالى > |
|---|



