الصفحة الرئيسية arrow أسئلة العصر المحيِّرة arrow هل كان للمدارس الدينية وللزوايا والتكايا دور في سقوط الدولة العثمانية؟
هل كان للمدارس الدينية وللزوايا والتكايا دور في سقوط الدولة العثمانية؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 4
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

المدارس الدينية هي المدارس التي تعلم العلوم العقلية والدينية. وقد قامت باداء مهمتها في العهود التي اهتمت بترقية العقل وتهذيب ‏القلب والوجدان. أما الزوايا فهي بيوت الله المقدسة التي تمثل الحياة الروحية للرسول صلى الله عليه و سلم. في هذه البيوت رُفع ‏اسم الله تعالى وفتحت أبواب التأمل والمنافذ المؤدية إلى معرفة الله تعالى. وفي هذه البيوت انهدمت جدران النظرة الطبيعية المادية جذاذاً ‏وبانت من ورائها اضواء النور الالهي. وكانت تؤدي مهاماً معينة تقوم بها بعض البيوت الآن. كما قامت المساجد أيضا باداء قسمٍ من ‏هذه المهام وقدمت خدمات جليلة ذات ابعاد شتى في هذا الموضوع. لذا لا يمكن انكار الخدمات التي قدمتها هاتان المؤسستان ‏المباركتان للأمة الإسلامية أبداً. ثم بقيت هذه المؤسسات تحت انقاض دنيا تهدمت فوقها. أو بقيت تحت رمادها. لم تكن مشكلتنا انهدام ‏الامبراطورية، بل افلاسنا الروحي.

وكم من المؤلم أن الذين يديرون الدولة لم يستطيعوا فهم هذا ولا يستطيعون حالياً. وإلا فلم تكن المدارس الدينية وحدها حسب ‏ادعاء البعض وراء انهدامنا وهزيمتنا على العكس من هذا إذ عندما سقطت المدارس الدينية سقطت الأمة. لأن المدارس الدينية كانت ‏تقوم في تاريخنا بنفس وظائف المدارس المتوسطة والثانوية والجامعات والمؤسسات الاكاديمية العليا. ‏

وكان الخلفاء الراشدون من اوائل ومن أكابر وفي مقدمة من تخرجوا في المدرسة النبوية. وكان المسجد النبوي هو المدرسة التي تخرج ‏منها هؤلاء العظام. وفي هذا المسجد الأول انفتح الطريق لكي تنقلب المعابد إلى مدارس واستمرت على هذا المنوال. وأصبحت المساجد ‏أماكن لتعليم التفسير والحديث والفقه، ويتذاكر فيه علم الكلام بل كل العلوم الكونية وكل الحوادث والأشياء بحذافيرها. فكما كان ‏عصر النهضة في اوروبا عهداً للبحث والتدقيق وعهد تنوير، فإن عهد النهضة عندنا بدأ بمحمد صلى الله عليه و سلم ونما في ‏عهد الخلفاء الراشدين ودخل في القرن الرابع مرحلة ارتفاع عمودي وسريع. فمن المجلب للنظر أن رجالاً أمثال ابن سينا والبيروني ‏ظهروا في القرون (4-5) للهجرة. فبعد مرور أربعة قرون فقط على بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم ألّف عظماء الإسلام كتباً ‏بقيت تدرس في الجامعات الأوروبية بعدهم بقرون. وأوروبا مدينة في عهد نهضتها ثم ثورتها الصناعية إلى هذه الكتب بمقياس كبير، ‏واسست اوروبا حكمها وقوتها وسيطرتها على العالم بالاستفادة من هذه الكتب فقد لعبت الكتب الطبية خاصة لابن سينا والرازي ‏والزهراوي دوراً كبيراً في تشكيل العقلية العلمية في الغرب ولم يكن من نصيب أي كتاب علمي في الغرب البقاء في التداول عدة عصور، ‏بينما بقيت كتب ابن سينا ثمانية قرون وكتب الزهراوي الف عام حجة في علم الطب في اوروبا.‏

تُعد مدارس نظام الملك من افضل دور العلم التي انتجتها المساجد فمن جهة كانت تمثل الروح والمعنى الذي اتى به الغزالي ومن ‏جهة أخرى كانت تعمل على نشر علوم ذلك العصر. أي أن العقول كانت تتنور بالعلوم الصرفة والقلوب بالعلوم الدينية، ومن امتزاج ‏القلب والعقل المثير لهمة الطالب نشأ عظماء امثال ابن سينا والرازي والبيروني والبطاني والزهراوي. كان كل منهم عالماً في ساحته ‏فمنهم من اهتم بعلم الفلك ومنهم من اهتم بالبحث عن علم الفلك والقوانين الفيزيائية، ومنهم من حاول قياس محيط الأرض باستعمال ‏علم المثلثات وباستعمال جا "جيب" وجتا "الجيب تمام" مع الادوات البدائية لذلك العصر. كما توصلوا إلى أن الأرض تدور حول ‏الشمس وذلك قبل ظهور كوبرنيكوس وغاليلو بـ(700-800) سنة. وبينما كان العالم الغربي يعيش في الظلام وفي الجهل، كنا نقوم بصنع ‏اجهزة والات وساعات تشتغل بنظم هيدروليكية، فقد وضع "قره آميدي الجزري" قبل 800 سنة تقريباً كثيراً من الاجهزة والالات ‏الاتوماتيكية التي تعمل بالنظم والقوى الهيدروليكية، وحتى في تلك العهود القديمة استطعنا عمل خيول آلية تتحرك، بينما لم يكن الغرب ‏قد اكتشف حتى كيفية عمل الساعة وكانوا يتساءلون عندما يرون الساعة أيوجد فيها جن؟ فالمدارس الدينية عندنا كانت تقود التقدم ‏العلمي آنذاك.‏

وبجانب هذه المدارس الدينية كانت هناك الزوايا والتكايا التي كانت تفتح أمام الإنسان كوة إلى العالم الآخر وتنشر النور في القلوب، ‏فقد ظهر آنذاك رجال التصوف العظام الذي كان منهم من يقول: لو بقيت لحظة واحدة محروماً من رسول الله صلى الله عليه و ‏سلم إذن لهلكت. كان هؤلاء المتصوفون والأولياء مشاعل مضيئة للناس. فكما حول نهر النيل الصحراء حواليه إلى أراضٍ خضراء ‏وبساتين يانعه، كذلك كان الرجال العظام يسقون روح الشعب ويربونه.‏

أجل لقد امتزجت التكايا والزوايا مع المدارس وتعاونتا في ترقية روح الإنسان وقلبه وعقله ولطائفه كافة ودفعه ليصل إلى مرتبة ‏‏"الإنسان الكامل". إذن فقد كانت المدارس والزوايا والتكايا في تلك العهود تقوم بإيفاء وظائفها كاملة. ولكن دارت الأيام وانتهت هذه ‏العهود الذهبية. وأصبحت هذه المدارس بدلا من البحث عن الجديد تكتفي بنقل ما كتبه القدماء فبدأت مثلا تكتفي بشرح ما قاله ابن ‏سينا والبطائي والإمام الغزالي ومن الطبيعي أن مثل هذا التوجه لن يساعد على ظهور امثال الغزالي والبطاني. وساد كل مكان من يعيد ‏كالببغاء ما قاله القدماء. ولعدم ظهور علماء حقيقيين ضاق افقنا وانسدت السبل أمامنا. وانقلبت كل ناحية إلى نوع من الثقوب السوداء ‏تبتلع الأمة. يجب أن نقول هذا ونعطي كل شيء حقه أمام التاريخ. ‏

لذا نقول إن الزوايا والتكايا ادت وظائفها كاملة طوال 10-12 عصراً ونشرت النور في أرجاء الأناضول، وملأت صدور وقلوب ‏الناس بالشوق والوجد وكانت تلك عهوداً ذهبية. وأنا لا أدري أكانت المدارس الدينية والزوايا بنفس المستوى؟ هل كان فيها أناس ‏عظماء؟ أم اكتفوا بترديد ما قاله القدماء ووجدوا السلوان في ذكر كراماتهم؟ فإن كانت الحياة الدينية قد انقلبت إلى نوع من ‏‏"الفولكلور" والمدارس إلى أماكن للقيل والقال والزوايا والتكايا إلى أماكن تجري فيها المراسيم فمعنى هذا أنها كانت قد قضت نحبها ‏وانتهت.‏

أجل! نستطيع أن نقول بكل اطمئنان أن المدارس الدينية قد فقدت وظائفها بعد عهد معين. لقد كانت تؤدي دورها ووظائفها طالما ‏كانت مثل الغنم تأكل ثم تقلب ما اكلته إلى لبن سائغ للشاربين. ولم تكن هذه العهود التي قامت باداء واجباتها عهوداً قصيرة أبداً.‏

اما في العهود التي عجزت عن اداء دورها ووظائفها فقد أصبحت هذه المدارس -مثل كل شيء آخر- بلاءً لامتها ولدولتها ‏ولحكامها.‏

ان المدارس الدينية التي لم تتوافق مع الدين ومع دولة الدين لم تكن مدارس حقيقية ولا التكايا تكايا حقيقية. ومهما كانت أسماء ‏المؤسسات التي نبذت العلم وعادت دينها ودولتها فهي مؤسسات دب فيها الفساد من الداخل، وما لم تجدد نفسها وتعود إلى نفسها مرة ‏أخرى فإن الفساد سيستمر وسيشتري، ثم إن الفساد الموجود في الاساس سينتقل إلى الجدران والى السطح. إن المدارس والمدارس الدينية ‏هي اساس الحياة الاجتماعية فإن لم يكن الاساس قوياً ومتيناً لا تستطيع الدولة الوقوف على أرجلها. وهذا هو ماحدت للدولة العثمانية، ‏أي أن المدارس الدينية والتكايا لم تكن هي التي هدمت الدولة العثمانية، بل كانت ضمن القوى التي حافظت عليها واسندتها. ولكن ‏عندما انهدمت هذه المدارس انهدمت الدولة التي كانت تستند إليها. هذه النهاية الأليمة نهاية طبيعية فالقرآن الكريم يقول: (اِنَّ اللهَ لاَ ‏يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم) (الرعد: 11).
 
< السابق   التالى >