عندما نكون منفردين مع أنفسنا يلقي الشيطان في قلوبنا كثيراً من الشبهات والشكوك وتصبح ارادتنا اُلعوبة في يد مشاعرنا ‏حتى نحس بأن صبرنا ينفد ضد المعاصي فبماذا توصوننا؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 4
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

أولاً يجب أن نستعيذ بالله من دسائس الشيطان وفتنه وقيامه بتزيين الشرور ونضع جباهنا على الأرض لنكسر غرورنا حيث أن العبد ‏أقرب ما يكون إلى الله تعالى وهو ساجد، وندعو ونقول: اللهم إنا نعوذ بك منك ونلوذ بجمالك من جلالك, وبرحمتك من سخطك, ‏راغبين اليك داخلين في رحمتك.

ان القول بأن الشيطان يتسلط علينا عندما نكون وحدنا هو تعبير عن الحقيقة، فالشيطان يتعرض اكثر ما يتعرض للاشخاص العاطلين ‏الذين لايقومون بأي نشاط ديني ولايحملون همّ الدعوة إلى الله. لذا علينا أن نبدأ من نقطة البداية هذه ونبحث عن طرق النشاط والبعد ‏عن العطل والفراغ.‏

ومادام الشيطان يستفيد في الاكثر من عطلنا وفراغنا فيوسوس في صدورنا ويزين الشرور في اعيننا ويحضنا على اقتراف الاثام، إذن ‏فعلينا أن نشغل دائماً أنفسنا بمشاغل الخير ونحاول سدّ الفراغات التي ينفذ منها إلى أنفسنا وأن نكون على الدوام ممتلئين فكراً وعملا ‏حتى لا ندع له ممسكاً في أنفسنا. إن الشيطان لن يجد طريقاً يوسوس بها في صدور المرتبطين مع الله تعالى والمجددين معه هذه الرابطة من ‏خلال تأمل آفاقي وأنفسي على الدوام. كما لا يستطيع الشيطان أن يتلاعب مع الذين يذكرون الموت على الدوام ولا يستطيع أن ‏يهزمهم.‏

ولن يستطيع الشيطان فرض نفسه ووسوسته على شخص اتخذ الدعوة ونصرة الدين المبين، وجعله يرفرف على أرجاء الأرض غاية ‏وهدفاً له. ولن نستطيع يد الشيطان أن تمتد إلى قلب مطمئن وعامر بإيمان يقيني.‏

والخلاصة أننا إن كنا على ارتباط وثيق بربنا فإنه لن يدعنا للشيطان الذي هو عدوه وعدونا أيضا. فهل من الممكن أن نكون اوفياء ‏لدينه ولايكون هو -حاشاه- وفيا لنا؟ ولكونه اوفى الاوفياء إذن فلن يدعنا منفردين مع اهوائنا، ولن يتركنا للانحلال والتفسخ. فهو يقول ‏في كتابه: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي اُوفِ بِعَهْدِكُمْ) (البقرة: 40). إذن فهل من الممكن أن يصلت علينا الشيطان في الوقت الذي نحن متمسكون فيه ‏بدينه وساعين من أجله؟ كلا، أبداً بل على العكس ففي مثل هذه الاوضاع سيضع على الاقل آية من آياته على لساننا ويرجعنا إلى أنفسنا ‏لنتذكر ونبتعد عن الهاوية التي أعدها الشيطان لنا، مثلما أنقذ بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم الكرام، فقد جاءت ‏اوقات تكدرت فيها ابصارهم لكونهم بشراً ودارت فيها رؤوسهم، ولكن ربك اراهم برهانه وآية من آياته وصرف انظارهم إلى الآخرة ‏مرة أخرى. ‏

ولو القى كل من يعمل في الدعوة نظرة متأملة على حياته لرأى كيف أنه اقترب مرات من الهاوية باستعمال إرادته استعمالاً سيئاً أو ‏نتيجة خطأ وكيف مدت العناية الالهية يدها إليه وأنقذته، وبنسبة اخلاصه وصدقه راى عون الله ولطفه حسب سر الاية: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ ‏يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).‏

ان ارادتنا جزئية وضيقة وعلى الرغم من هذا فقد جعل الله تعالى هذه الإرادة الجزئية شرطاً عادياً ليقلب بها كل الاعيب الشيطان. ‏إن قيامنا بقطع الطريق أمام ما يلقيه الشيطان وما تلقيه النفس الامارة بالسوء فينا منذ البداية يعني سيطرتنا على أرض المعركة إلى حدٍ ما. ‏وقد تأتي اوقات تسيطر علينا خيالاتنا إلى درجة لا نستطيع معها حمل ثقلها، ولكننا نستطيع التخلص منها والابتعاد عنها ومحاكمتها، ‏وقد تأتي اوقات واوضاع لاتكفي لمواجهتها ارادتنا وحيوية قلوبنا، عند ذلك نستمد العون من اشخاص ارتبطوا بالله تعالى ارتباطاً وثيقاً ‏بحيث ما أن تجلس معهم حتى تستمد القوة منهم فتشعر بدفء احاديثهم وهي تذيب الصقيع المتجمد في قلبك. وفي احيان أخرى نكون ‏نحن الجهة التي تدفئ قلوب الآخرين، وتعينهم. ‏

فالله تعالى خلق الإنسان بفطرة تميل إلى الاجتماع مع الآخرين فلا يستطيع الإنسان الاستغناء مادياً ومعنوياً عن مجتمعه، وهنا تقع ‏علينا مهمة عدم الابتعاد عن الاصدقاء الجيدين. لأن الصديق الصدوق يُبقي قلبنا على الدوام حياً بنصائحه وينفث فيه الحماس والوجد. ‏لذا يجب المحافظة على مثل هذه الصداقة في كل حين، في المدرسة وفي السوق وفي السفر الطويل. ونحن نأمل ألا يسمح حصن مثل هذه ‏الصداقة للشيطان بالتسلل إلى قلوبنا.‏

وأمر آخر وهو لزوم الاصغاء إلى النصائح التي ترقق القلب، فالنصائح التي تذكرنا بالآخرة وبالعالم الآخر وتبعث فينا الوجد والشوق ‏مهمة جداً، والنصيحة بهذا المعنى هي الدين نفسه. وعندما كان اسلافنا يقومون باعطاء الوعظ في الجامع كان الجامع يمتلئ تماماً. ‏فالإمام الرازي الذي اتقن الفلسفة وعلم الكلام وبرز فيهما كان عندما يعظ على المنبر يعتريه البكاء فلا يفهم السامعون بعض ما يقوله. ‏لذا نعد نحن جماعة سيئة الحظ لأننا حرمنا من امثال هؤلاء الوعاظ. علما بأن الإنسان مخلوق يحتاج إلى خشوع القلب والى دموع العين، ‏وهو محتاج كل يوم إلى الالتفات إلى عالمه الداخلي وتعميق هذا العالم وترقيقه. والبكاء حاجة من حاجات هذا الأمر. والقرآن الكريم ‏يمدح أصحاب القلوب الرقيقة والعيون الدامعة (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) (مريم: 58). ‏

لذا فما أحسن أن نقرأ كل يوم بضع صفحات عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ممن عاشوا الإسلام بصدق، ونلون حياتنا بهم ‏ونخرج إلى الشارع والى السوق بهذا الروح الممتلئ. فإن فعلنا هذا استقام عالمنا الداخلي من جهة، ووجدنا فرصة مقارنة أنفسنا برجال ‏القلب والروح الحقيقيين من امثال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ونقول لأنفسنا: "لقد كان هؤلاء مسلمين، ونحن أيضا مسلمون، ‏فلماذا كانوا هكذا ولماذا أصبحنا نحن هكذا؟" ‏

وبهذه المحاسبة والمراقبة الذاتية نستطيع تجديد أنفسنا. فإن فعلنا هذا بضع مرات في الاقل كل اسبوع فنحن نأمل أن يساعد هذا على ‏ترقيق قلوبنا وازالة الصدأ عنها. عند ذلك نستطيع أن نحس في قلوبنا جميع التجليات الالهية المنعكسة عليها بكل انوارها ونكون بعيدين ‏عن وساوس الشيطان. ويحصل هذا إما بالاستماع إلى شخص أو بقراءة القرآن أو بقراءة التفاسير. إننا نحتاج إلى التجديد -الذي لا يوجد ‏لأشكاله حد معلوم- كما نحتاج إلى الهواء وإلى الماء وإلى الخبز.‏

إذن فحضور مجلس شخص يستطيع بث الخشوع في قلوبنا وطلب النصيحة منه، وتذكر رسولنا صلى الله عليه و سلم ‏واصحابه. هذه هي القوى التي تساعدنا على البقاء ثابتين وحذار أن تقولوا لأنفسكم نتيجة مرض الالفة والعادة انني اعلم هذا الموضوع ‏فماذا يفيد إن قرأته مرة أخرى أو لم أقرأه؟ ولا تقولوا ماذا لو استمعت أو لم استمع؟ لأن هذا غفلة وانخداع. فكما تتكرر الحاجة إلى ‏الطعام والى الشراب، كذلك هناك حاجة متكررة لحياتنا المعنوية ولقلوبنا ولضمائرنا ولأحاسيسنا الأخرى إلى الغذاء، وغذاؤها هو ‏ماذكرناه سابقاً. واستناداً إلى ما سبق علينا أن نلجأ إلى كنف مرشد يستطيع بجوه الروحي أن يذيب كل الشرور ويرينا طرق وسبل ‏تجديد أنفسنا. وقد يمكن تحقيق هذا الأمر أحياناً بالمطالعة أو بالتأمل أو بتذكر الموت وبدرجة نجاحنا في تحقيق هذا نستطيع صيانة أنفسنا ‏من وساوس شياطين الانس والجن. ودعاؤنا الدائم من الله تعالى ان يصوننا من شرور أنفسنا ومن شرور الشيطان. يجب أن تكون هذه ‏هي أدعيتنا وضراعاتنا لكي نبقى ضمن العناية الربانية وصيانتها.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri