| ماذا يجب أن يكون مقياس العفو والسماح عند المسلم؟ |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.25 | |
|
العفو والسماح والصفح صفة من صفات المسلم، ويجب على كل مسلم الاتصاف بها، فالعفو والصفح يرقق القلوب. وإيصال الحقائق إلى القلوب يتم عن طريقه. ومع ذلك فمهما كانت هذه الصفة جيدة يجب ألا نقع في الافراط أو التفريط في أمرها. بل يجب وجود توازن معقول فيها. كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعفو ويصفح عن كل خطأ وعن كل معاملة سيئة موجهة إليه ولكن إن كانت هذه المعاملة موجهة نحو حق شخص آخر أو ضد اساس من اسس الدين عند ذلك كان ينقلب إلى أسد هصور حتى يأخذ الحق لصاحبه ويدرأ ذلك السوء عن الآخرين. لم يقل كلمة عتاب واحدة للصحابة الذين لم يفهموا دقائق أمره جيداً في معركة أحد فتركوا أماكنهم وتسببوا في زعزعة جيش المسلمين، ولم يصدر منه أي تصرف خشن تجاه أحد منهم؛ أما رد فعله تجاه المعاملة الخشنة التي تعرض لها من قبل بدوي فظ بدعوى المطالبة بحقه فكان التبسم ثم الالتفات إلى الصحابة وأمره لهم بأن يعطوا البدوي ما طلب. وليس ماذكرناه إلا مثالان من امثلة عديدة تبين خلقه الرفيع في العفو والصفح، أما العفو العام الذي أعلنه في مكة بعد فتحها فشيء لا يصل إليه خيال إنساننا المعاصر. كان هناك بعض المسلمين الذين انخدعوا بدعاية اصحاب الافك الذين حاولوا تشويه سمعة امنا عائشة رضي الله عنها التي كانت مثال الطهر والعفاف، ومن بينهم حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه و سلم، وبعدما جاء الوحي ببراءة امنا عائشة اقام عليهم حد القذف. ثم مرت السنوات وتقدم حسان في العمر، ولم تعد عيناه تبصران. يقول مسروق بن الأجدع "دخلت على عائشة رضي الله عنها وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً يشبب بأبيات له، يقول فيه: حَصان رَزان ما تُزَنّ برِيبة فقلت لها: لِمَ تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله: ﴿والذي تولَّى كِبْرَه منهم له عذاب عظيم﴾ فقالت: "كان يذب عن رسول الله".[2] وكان مسطح من بين من اشتركوا في حادث الافك مع أن ابا بكر رضي الله عنه كان يتعهده وينفق عليه. وعندما ظهر اسمه بين المفترين حلف أبو بكر رضي الله عنه أنه سيكف عن مساعدته لأنه كان غاضباً منه. ولكن سرعان ما نزلت الآية (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِى القُرْبَى وَالْمَسَاكِين وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: 22). وما أن سمع أبو بكر رضي الله عنه بهذه الآية حتى رجع عن حلفه وعن قراره وأدى كفارة اليمين ثم استمر في مساعدة مسطح ومعاونته والاحسان إليه وكأن شيئاً لم يحدث.[3] هذه امثلة حول قيام المؤمنين بالصفح عن أفضع واقبح ذنب يمكن أن يرتكب في حق أي شخص. والحقيقة أنهم استطاعوا النجاح في هذا الامتحان الصعب. لذا فكم من درس وعبرة في تصرفات هؤلاء المؤمنين لأصحاب الدعوة في ايامنا الحالية. على دعاتنا الحاليين النفوذ إلى القلوب وبيان الحقائق بخلقهم الرفيع وبسماحتهم. أما الخشونة والحدة والفظاظة فلم تفد في أي عهد ولاتفيد حالياً. أما خلق الصفح والمسامحة فيستطيع بدفئه اذابة العديد من جبال الثلج. فكم من عدو قرر قتل الرسول صلى الله عليه و سلم غيلةً, ثم استطاع بفضل عفو الرسول صلى الله عليه و سلم وصفحه البقاء على قيد الحياة ثم الدخول إلى الإسلام ثم أصبح من أصدق أتباعه وأصدقائه. ألم يكن خلق الرسول صلى الله عليه و سلم هو الذي ألان قلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ ألم يكن الخلق الرفيع للرسول صلى الله عليه و سلم هو الذي فتح قلب خالد بن الوليد لنور الإسلام؟ والحقيقة أن الله تعالى يطلب هذا من الذين يحاولون نشر دينه. فمع أنه بعلمه الأزلي يعلم أن فرعون لن يهتدي إلا أنه عندما ارسل إليه موسى وهارون. أمرهما أن يقولا له قولاً ليناً (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشَى) (طه:44). مهما تصرف معارضونا تجاهنا بخشونة وبتعصب فعلينا أن نقابل هذه التصرفات بمرونة وبالشهامة اللائقة بالمؤمنين. فهذا هو ما يوجبه علينا الخلق الذي يعلمنا اياه القرآن الكريم (وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان: 72). إن الدستور الذي يجب أن يضعه المؤمن نصب عينيه على المستوى الفردي هو ما قاله ربنا تعالى (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(التغابن:14). فالمؤمن الذي يتمنى ويأمل أن يكون الله معه غفوراً ورحيماً يجب أن يتخلق بهذا الخلق ويجعل العفو والصفح جزءاً لايتجزأ من خلقه. لن يخسر الإنسان الذي جعل شيمته العفو والصفح أبداً في أي مرحلة من مراحل حياته. والذي يضع المستقبل نصب عينيه وهو يعيش حياته الحالية إنسان قد وهبه الله تعالى موهبة خاصة وحكمة. والذين يكونون مظهراً لمثل هذا الفضل سيكونون هم ورثة المستقبل في هذه الدنيا. [1] حَصان: عفيفة؛ رزان: عاقلة ذات ثبات وقرار؛ ما تُزنّ: ما تَتهم؛ غَرثىَ: لا تغتاب الناس؛ الغوافل: العفيفات [2] البخاري، المغازي،34, تفسير السورة(24), 9؛ مسلم، فضائل الصحابة, 155. [3] البخاري، تفسير السورة (24), 6. |
| < السابق | التالى > |
|---|



