الصفحة الرئيسية arrow أسئلة العصر المحيِّرة arrow كيف يمكن تقييم الدنيا في الظروف الراهنة؟ نحن لا نستطيع تأسيس التوازن بين الدنيا والآخرة. كيف نجح الصحابة في ذلك ‏في عهد النبوة وما بعده؟
كيف يمكن تقييم الدنيا في الظروف الراهنة؟ نحن لا نستطيع تأسيس التوازن بين الدنيا والآخرة. كيف نجح الصحابة في ذلك ‏في عهد النبوة وما بعده؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

الدنيا منزل من منازل عديدة نمر بها، فهناك آيات قرانية عديدة واحاديث نبوية كثيرة تعلمنا هذه الحقيقة. فالإنسان يأتي من عالم الارواح إلى رحم الام ومنه إلى حياة الدنيا، وبعد أن يجتاز فيها مراحل الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ينتقل إلى القبر والى عالم البرزخ ومنه إلى الحشر ومنه إلى الحياة الخالدة الأبدية. أي أنه ضمن هذه الرحلة الطويلة لا يبقى سوى أيامٍ معدودات في الحياة الدنيا.

أجل فالدنيا ليست إلا منزلاً واحداً من منازل عديدة للإنسان. ويصور الرسول صلى الله عليه و سلم هذا بمسافر قضى ساعة من نهار تحت ظل شجرة ثم تابع سفره،[1] فالإنسان مسافر سفراً طويلاً، ولكي يرتاح برهة في اثناء هذا السفر يقضى وقتاً قصيراً في ظل شجرة، وإلا فالدنيا ليست مقامه أو منزله الدائمي. بل هي دار استراحة قصيرة فحسب.

وطننا الاصلي هو في دار الارواح. فقد لبسنا من هناك لباس الجسد وجئنا إلى الدنيا حيث سنعطي فيها شكلا لحياتنا الأبدية ثم نعود إلى وطننا الاصلي. لذا يجب تقييم الدنيا من هذه الزاوية.

والمؤمن إنسان توازن، لذا يجب أن يحافظ على نفسه من الضربات المهلكة للافراط أو للتفريط في هذا الموضوع. والمعيار الواجب اتباعه هنا إعطاء أهمية للدنيا بنسبة البقاء فيها وأعطاء أهمية للآخرة بنسبة البقاء فيها أيضا. والقرآن الكريم يعلمنا فيقول (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77).

ماذا آتانا الله؟ لقد أتانا العقل والقلب والروح والجسد والصحة والشباب ونعماً أخرى لاتعد ولاتحصى، وكلها رأسمال، وبهذا الرأسمال نستطيع شراء الآخرة. ويتم تناول الموضوع في آية أخرى هكذا (اِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة) (التوبة: 111).

الإنسان هنا هو الطرف الذي يعطي المتاع الزائل والفاني، والله تعالى هو الذي يعطي ويهب الأشياء الخالدة التي لاتزول. ومن أجل هذا العقد يدعونا القرآن أن نبتغي الدار الآخرة. لذا كان من الواجب علينا أن نضع الدار الآخرة نصب اعيننا في كل حركة وفي كل تصرف من تصرفاتنا. لأننا سنبقى هناك بقاءً خالداً. والدنيا هي الكوة الوحيدة المؤدية إليها والطريق الوحيد للفوز بها.

والآية توصينا بألا ننسى نصيبنا من الدنيا، ولكن باسلوب يشعرنا بأن الدار الآخرة هي الاساس وهي التي يجب أن نختارها ونسعى إليها وهي الغاية والهدف. ذلك لأن الآخرة هي الدار التي يتطور فيها الإنسان بجميع جوانبه ويسمو. فإن شبهنا الحياة الدنيا ببذرة، فإن الآخرة هي الشجرة الباسقة العالية نحو السماء والمتولدة من هذه البذرة.

أجل، إن جميع الحواس والمشاعر ستنمو وتتطور بشكل غير محدود فقابلية الرؤية والتذوق والسمع...الخ ستزداد اضعافاً مضاعفة بينما مثل هذه القابليات تبلغ في الدنيا واحداً من ألف تقريباً. ثم إن المؤمنين سيشاهدون جمال الله تعالى أيضا، ورؤية هذا الجمال لفترة تعادل في لذتها لذة آلاف السنوات في الجنة. إذن فعلى الإنسان أن يضع كل هذا نصب عينيه عندما يقوم بعملية اختيار بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة. فهل يستطيع أي عبد أن يفضل أي شيء على سعادة رؤيته لخالقه تعالى؟ علما بأن الحصول على رضوان الله تعالى نعمة لايعادلها أي منصب أو جاه، بل إن الجنة بكل نعيمها وبكل زينتها تبقى باهتة تجاهها.

والقرآن الكريم يعلمنا مدى أهمية هذه النعمة فيقول: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر) (التوبة: 72). وجاء في حديث شريف أن الله تعالى بعدما يسوق المؤمنين إلى الجنة والكافرين إلى النار يقول لعباده المؤمنين: "يا أهل الجنة!" فيقولون: "لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك". فيقول: "هل رضيتم؟" فيقولون: "وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك". فيقول: "ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟" فيقولون: "يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟!" فيقول: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا".[2]

عندما نضع هذا القسطاس للحياة فإنه لا يتم اهمالها أبداً. ذلك لأنها ستُحب لا من أجلها، بل لكونها جسراً وطريقاً مؤدياً إلى الآخرة، ولايوجد لمثل هذه العلاقة أو الرابطة أي محذور، والحديث الشريف يصرح بهذا ويصف الدنيا بأنها "مزرعة الآخرة". ونستطيع أن نخطو خطوة أخرى فنقول إننا لا نستطيع أن نكون أهلاً للجنة إلا بوساطة الدنيا. ذلك لأن جميع حواسنا ومشاعرنا ولطائفنا وقابلياتنا تنمو هنا وتتوسع، وهكذا نستطيع أن نكون أهلاً لرؤية الله تعالى.

ان الإنسان لا يستطيع رؤية الله تعالى في الدنيا لأنه لايملك هذه المؤهلات ولم يتهيأ لها ولم يصل بعد إلى هذا المستوى من الاستعداد. ولاتتعلق المسألة بابعاد الزمان والمكان أو بغيرها من الأبعاد. فالله تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، وهو يهب إلينا نعمه ويتدخل بارادته في شؤوننا ويتصرف بقدرته اللانهائية. وإذا اردنا التعبير عن هذا تعبيراً تصوفياً نقول: "لا شيء اظهر من الله تعالى، ولكن لا يبدو لأصحاب العيون العمياء". فإن كنا لا نستطيع رؤيته فهذا يرجع إلى قصورنا وازالة هذا القصور في يد الله تعالى، وسيزيله في الدار الآخرة فيستطيع المؤمن رؤية جمال الله ويصل إلى أمله وبغيته الأصلية.

إذن فالدنيا مزرعة تنتج لنا مثل هذه النتائج والثمرات، وعندما ينتقل الإنسان من الدنيا إلى الآخرة تزول الأستار النورانية ستراً ستراً فيرى الإنسان عند ذلك ربه. الدنيا عبارة عن تجليات أسماء الله تعالى، لذا لا نستهين بأي شأن من شؤون الدنيا، ذلك لأن حقائق الأشياء ما هي إلا تجليات لأسماء الحق تعالى. وبتعبير مولانا جلال الدين الرومي فإن كل ما يحدث لنا ولارادتنا تشبه راية منصوبة على عمود مرتفع جداً. وعلى هذه الراية التي ترفرف توجد كتابات. والذي يحركها ويرفرفها هو الله تعالى سلطان الأزل والأبد. لذا فإننا ننظر إلى الأشياء والحوادث على أنها بستان تتجلى فيه أسماء الله تعالى وصفاته وهي تحت ارادته وتصرفه. ونشاهد جماله على كل زهرة وعلى كل قطرة ندى فوق هذه الزهور. ويعبر جلال الدين الرومي عن هذا الأمر بتعبير غير واضح للجميع فيقول:

"إن الخيالات التي هي شباك الأولياء إنما هي مرآة عاكسة تعكس الوجوه النيرة في حديقة الله".

عرض الله تعالى أمام أنظارنا بعض تجليات أحديته. ثم اوصلنا بلطفه وكرمه وحسب أسرار أحديته لفهم معنى بعض نعمه التي انعمها علينا حسب قدرة افهامنا. لا أنوي هنا شرح هذه المسألة الدقيقة فالذي نريد أن نقوله في هذا الموضوع الذي دخلنا إليه عن طريق غير مباشر هو: أن الدنيا بستان الله تعالى. وإن أنوار ذوي الوجوه النيرة نور البدر تنعكس على مرايا قلوبنا وتتجلى فيها. فإذا كان هذا هو الموقف فإن الأمور التي ننجزها باسم الدنيا عبارة عن موجات التجلي المختلفة الاطوال الآتية منه هو. ونحن هنا لانتناول بالطبع الموضوع بنظرة اصحاب وحدة الوجود أو اصحاب وحدة الموجود. لا نتناوله هكذا ولكننا نؤيد قول الإمام احمد السرهندي الملقب بالإمام الرباني: "ان حقائق الأشياء الحقيقية عبارة عن تجليات أسماء الله تعالى".

أجل! نحن لا نستطيع ترك الدنيا لأننا لا نحصل على الآخرة إلا بوساطة الدنيا. صحيح أنها عبارة عن ركام من الأراجيف والاوساخ، ولكن كم من جواهر نفيسة للحقائق مختبئة في هذه الاراجيف. هناك قصة في "المثنوي" حول محمود الغزنوي. وهي واشباهها قصص رمزية. وقد قام الحكيم الهندي "بيدبا" قبل "لافونتن" بسرد القصص والحكم على لسان الحيوانات. وقام بعده كثير من علماء المسلمين باتباع الأسلوب نفسه في كتبهم، ومن بينهم مولانا جلال الدين الرومي، إذ أورد قصة على لسان محمود الغزنوي وعلى لسان كلبه الرابض أمام بابه. كان كلبه يذهب كل يوم إلى مزبلة أمام القصر ويظل ينبش ويبحث فيها فلا يجد فيها شيئاً يأكله، ومع ذلك يذهب في اليوم الثاني إليها ويظل يبحث فيها عما يأكله حتى المساء. كان هذا ديدنه كل يوم، فقال له محمود الغزنوي ذات يوم: منذ أيام وانت تنبش في تلك المزبلة فلا تجد فيها شيئاً ومع ذلك لاتكف عن الذهاب إليها. الم تسأم وتمل من هذا البحث غير المجدي؟ فقال له الكلب: "لقد وجدت في أحد الأيام في هذه المزبلة عظمة لذا فمن أجل تلك العظمة اذهب إليها كل يوم لعلي اجد فيها عظمة أخرى".

الدنيا في نظر أهل الحقيقة ركام من الاراجيف مثل ركام تلك المزبلة والله تعالى خلط في هذه الدنيا الخير مع الشر والجميل مع القبيح. ولكي لايُسند قبح الأشياء إليه مباشرة وضع أستار الاسباب، فبقي القبح الظاهري للأشياء وراء هذه الأستار. ولكن الله تعالى هو خالق الجميع وخالق الكل، وتتجلى فيها أيضا ما لا نعلمه أو نحصيه من اسمائه تعالى "الأسماء الالهية لانهائية وهو وحده يعلم عددها، فهناك أسماء لا يعلمها إلا هو إذ لم يعلمها لاي نبي ولا لاي ملك مقرب". وهكذا نقوم نحن بالنبش وبالبحث عن الحقيقة في هذه الدنيا لعلنا نعثر على حقيقة من الحقائق، وقد نبحث بكل شوق في أماكن يظنها الآخرون مزبلة من المزابل.

هناك وجه آخر للدنيا ننفر منه ونتجنبه ونهرب منه، وهو الوجه المقبل على نفسها، لأنها فانية وزائلة، لا تعطيك قطعة واحدة من الحلوى إلا مقابل صفعات عديدة. فهذا الوجه هو وجه اللهو والغرور، وهو الوجه الذي يقبل عليه أهل الدنيا، بينما هو وجه قبيح ننفر نحن منه وكلما زاد البعد عنه كان أفضل.

إذن نستطيع إقامة التوازن بين الدنيا وبين الآخرة من هذه الزاوية. الدنيا زائلة، أما الآخرة فباقية. لم يترك الرسول صلى الله عليه و سلم الدنيا ولم ينعزل عن الناس، ولكنه كان على الدوام مع الحق تعالى، كيف لا وهو القائل: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم."[3]

علينا أيضاً أن نتصرف مثل هذا التصرف. نستطيع التجول في الاسواق وفي الشوارع مع كونها حافلة بالمزابل، ونستطيع الدوام في المدارس وفي الجامعات كطلبة أو كاساتذة، ونتحمل كثيراً من الاذى المعنوي والمادي ونضحي ببعض مشاعر الفيوضات الربانية. وقد نضحي حتى بالطرق المؤدية إلى الولاية والقرب منه تعالى بشكل ارادي أو غير ارادي. فكما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الجنة -في اثناء المعراج- ولم يتأثر بزينتها وحسنها بل فضل الرجوع ليختلط بالناس في الدنيا، علينا أن نتخلق بخلق الرسول صلى الله عليه و سلم ونحاول تمثيل الحقيقة الكبرى التي جاء بها صلى الله عليه و سلم. والذين يقفون في الدنيا كمن يقف فوق جمرات من النار، مثل هؤلاء لا يمكن أن يتطلعوا أبداً إلى الوجه الفاني للدنيا، ولا يمكن أن يشغلوا قلوبهم بها، بل يبقون مع الخلق ولكنهم دائماً مع الحق تعالى.

لم يفكر الرسول صلى الله عليه و سلم في الدنيا حتى عندما أقبلت عليه وأصبحت تحت قدميه، ولم يفكر في الاستفادة منها. فقد رحل عن الدنيا مثلما جاء إليها. عندما جاء إلى الدنيا لفوه بقطعة قماش، وعندما رحل عن الدنيا لفوه بقطعةٍ مثلها.

لقد حاول الرسول صلى الله عليه و سلم طوال حياته السنية تأسيس مدنية متوازنة وإقامة عالم متوازن هنا في الدنيا وهناك. ولم يتنازل طوال حياته عن دعوته هذه. لقد سلم نفسه إلى الله تعالى طوال حياته، لذا عاش في اطمئنان يحاول كسب رضا الله تعالى وإنقاذ الإنسانية عن هذا الطريق، فلم يتكدر صفو نفسه بأهواء الدنيا وبملذاتها.

اقام نظام الإسلام وطبقه في بيته، وعندما صدرت طلبات حول الدنيا من قبل بعض نسائه اعتزلهن. حتى أن الرسول صلى الله عليه و سلم خيرهن بأمر من الله تعالى بين البقاء معه والاكتفاء بما عنده أو تسريحهن بإحسان. حينذاك اختارت زوجات الرسول صلى الله عليه و سلم البقاء معه وتحمل شظف العيش معه على نعم الدنيا. في هذه الأثناء دخل عمر رضي الله عنه على رسول لله صلى الله عليه و سلم وهو في غرفته معتزل نساءه، فرأى أثر الحصير في جنبه فبكى مما راى فسأله الرسول صلى الله عليه و سلم: "ما يبكيك يا عمر؟" فقال: "إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله"، فقال عليه الصلاة والسلام: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟"[4]

لم يترك رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا، بل قام برؤية وباظهار جميع الحقائق الالهية المتجلية في الكون واسماعها وتوصيلها إلى العالم باسره بجيوشه التي انطلقت إلى أرجاء الأرض تحمل معها الإسلام وتنصب رايته في كل مكان. وارى هنا من الضروري تسجيل نتيجة توصل إليها بعض علماء الاجتماع المعاصرين، إذ قالوا مايأتي:

كانت البشرية قد سجلت حتى عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم تقدماً مقداره 25%، ولكنها استطاعت بفضله وضمن عهده أي في مدة قصيرة زيادة نسبة التقدم هذه إلى 50%، ولم تستطع البشرية منذ عهده وحتى الآن إلا تسجيل نسبة زيادة بمقدار 25% فقط، أما النسبة الباقية فتصل إليها في المستقبل. تأملوا إذن: لقد استطاعت البشرية طوال عصور طويلة، وهكذا أثبت أنه هو القدوة والأسوة لجميع الأجيال حتى قيام الساعة. لم ينعزل ولم يترك الدنيا -نكرر هذا مرة أخرى- بل عرف كيف يوجه أمته التوجيه الصحيح ولأي شيء يجب إعطاء الأهمية وبأي نسبة.



[1] إشارة إلى حديث "ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها". الترمذي، الزهد، 44؛ ابن ماجة، الزهد، 3؛ المسند للإمام أحمد، 1/301
[2] البخاري، التوحيد, 38؛ مسلم، الجنة وصفة نعيمها وأهلها, 9.
[3] الترمذي، صفة القيامة, 55؛ ابن ماجة، الفتن, 23.
[4] البخاري، تفسير السورة, (66),2؛ مسلم، الطلاق, 31؛ المسند للإمام أحمد، 3/139
 
< السابق   التالى >