|
يقول الله تعالى في إحدى الآيات (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) (الأنعام:53) إذن فإن الناس يمتحنون بعضهم ببعض، ونستطيع درج هذه المسألة في عدة نقاط:
الأولى: يُبعث من بين الناس نبي، ويكون هذا النبي امتحاناً للناس من حوله. وحدث هذا عند بعثة رسولنا صلى الله عليه و سلم، لأن بعض الناس قالوا آنذاك: كيف يُبعث يتيم أبي طالب نبياً وهو الفقير الذي لا يملك أتباعاً أقوياء. ولو كان هناك نبي يبعث لكان هذا مسعود بن عروة في الطائف أو الوليد بن مغيرة في مكة. ومع أن قريش كانت قبيلة أصيلة، إلاّ أنها لم تكن أقوى القبائل آنذاك مع أن النبي يجب أن يبعث في أقوى القبائل لكي تستطيع قبيلته الدفاع عنه والمحافظة عليه. كما قالوا: كيف يُبعث من يأكل مثلنا ويمشي في الاسواق، إذ يجب أن يكون المبعوث ملكاً من الملائكة. والامتحان لايزال وارداً بالنسبة لبعض الناس حتى في الوقت الحالي، إذ يقولون: كيف يكون من تزوج تسع زوجات نبياً؟ تتحد كل هذه الأقوال واشباهها في النقطة نفسها، وهي أن الناس يمتحنون بعضهم ببعض. والامتحان هو غاية مجئ الناس إلى الدنيا. إذ تتم غربلتهم لكي يتميز اصحاب الارواح الطيبة عن اصحاب الارواح الخبيثة، ولكي يتميز الماس عن الفحم ويظهر بوضوح من يحمل روحاً شيطانياً ومن يحمل روحاً ملائكياً، وهكذا تتحقق الغاية من خلق الدنيا. ولو لم يكن هناك مثل هذا الامتحان لما تميز روح أبي بكر الشبيه بالماس عن روح أبي جهل الاسود سواد الفحم. أي لولا هذا الامتحان لما لمعت الحقيقة الأحمدية ولما ظهرت ولا انجلت ولا انقلبت إلى شمس تبهر العيون. عندما تناول الرسول صلى الله عليه و سلم الناس شبههم بالمعادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام بشرط أن يفقهوا روح الدين. فالإسلام يتناول الناس ويذيبهم مدة معينة في بوتقات معينة، ثم يوحدهم مع ارواحهم ليصلوا إلى ذواتهم، أي يستخرج من فطرتهم توجههم إلى الحقيقة من القوة إلى الفعل. ولكن المعادن تحتفظ على الدوام بخصائصها، فالذهب يبقى ذهباً والفضة تبقى فضة والنحاس يبقى نحاساً. والفرق هو في تخلص هذه المعادن من شوائبها لتكون معادن صافية ونقية. والمحن والامتحانات هي عملية تخليص هذه المعادن من الأشياء العالقة بها والغريبة عنها وتصفيتها. الثانية: إن الشيطان يقوم بتزيين بعض الشرور فيغوي بها أناساً لاتتوقع غوايتهم. وقد يوجد بين هؤلاء الذين يصبحون آلة في يد الشيطان اشخاص لهم بنية معنوية في مستوى جيد. إن تزيين السوء، وتقبيح الخير واظهاره بشكل مشوه وكريه قد يبدو عملاً بسيطاً ولكنه عمل كسبي وتخريبي كبير بحيث يمكن نسبته إلى الشيطان. ولهذا اطلق صاحب الشريعة اسم "المزين" عليه. كما نُمتحن من قبل الاهواء النفسية ومن قبل الأنفس الشيطانية باثارة شعور المنافسة. حتى أن الشعور بالغبطة الذي يبدو شعوراً بريئاً ويسوق الناس للتنافس في خدمة الدعوة، ولكنه إن انقلب بعد ذلك إلى شعور بالمنافسة الصرفة عند ذلك يمكن الحديث عن وجود امتحان. فمثلاً إن أصبحت جهود شخص ما وسيلة لهداية الناس اكثر من شخص آخر، فإن قام هذا الشخص الاخير بحسد الشخص الأول إذن عليه أن يدرك بأنه ضمن امتحان كبير. مع أن الله تعالى يقول: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) (الشورى 52) إلا أنه يقول في آية أخرى (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء)(القصص: 56) إذن فالله تعالى هو الذي يهدي. إن المرشد يقوم بفتح الطريق والارشاد إلى السبيل القويم واضاءة هذه السبيل باضوية قوية و"بروجوكتورات" كبيرة لكي يقبل الناس على هذا الطريق القويم ويجدوا الحق ولا ينحرفوا عنه. ولكن في النتيجة الاخيرة فالله هو الذي يهب الإيمان للقلوب. ولايوجد لهذا وجود خارجي، أي لا يمكن أن نقول إنه (موجود) في ساحة القدرة والإرادة. بل له وجود علمي وإضافي (اي نسبي). ومن جملة هذه الامتحانات أن الله يهب لأحدهم فصاحة وقوة بيان بحيث يستطيع هذا الشخص إيضاح حقائق القرآن بأفضل أسلوب وباجمل بيان، فيحسده بعضهم، ويتحسر قائلاً "لماذا لم أوهب أنا مثل هذه القابلية؟" فهذا أيضاً امتحان من جملة الامتحانات وعاقبته وخيمة. صحيح أن الله تعالى اختار جميع رسله، ولكنه أيضاً فضل بعض هؤلاء الرسل على بعضهم (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (البقرة: 253) فهذه الآية تثبت ماذكرناه، فالله تعالى خص بعض رسله بفضائل معينة ورفعهم إلى درجات لايبلغها انبياء آخرون. إلا أن فضيلة النبوة في معناها العام فضيلة لاتدانيها في الدنيا أي فضيلة أخرى. وعدم وجود بعض الفضائل الخاصة عند بعض الأنبياء لاتجرح نبوتهم أبداً. من الممكن الاتيان بامثلة أخرى كثيرة حول سؤال لماذا؟ الذي يحمل عنصر الشكوى والحسد: لماذا لا أستطيع أنا تقديم خدمة اكثر للدعوة؟ لماذا لا أستطيع القيام باعطاء معونات مادية اكثر؟ لماذا لايصغي إلي خلق اكثر؟... وغيره مئات من انواع سؤال "لماذا". والحقيقة أن مثل هذه الأسئلة ليست إلا ضربات موجهة ضد وحدة الصف. والله تعالى يدعو المؤمنين منذ البداية إلى الابتعاد عن جميع الطرق المؤدية إلى النزاع والآية الكريمة (وَلاَتَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا) (الأنفال: 46) نتناول هذا الموضوع فقرة فقرة. تخاطب هذه الآية المؤمنين فتوصيهم قائلة لاتدخلوا في أي نزاع مادي أو معنوي، بل حاولوا الإتحاد حول نقطة مشتركة ولا تقعوا في نزاع حتى لو كان حول أمر ايجابي. ولاتدعوا الحسد ولا التنافس ولا الغبطة أن تقودكم إلى النزاع، وإلا فشلتم وذهبت قوتكم. إن ثمرة العمل الفردي تبقى في مستوى الفرد. أما الاعمال المنفذة في ظل وحدة الجماعة فتكافأ برحمة الله تعالى العامة، وهكذا يكتسب كل فرد ثواب جماعة كاملة. فمقابل ثمرة العبادة الفردية المعطاة لكل فرد فإن الأيدي المرفوعة إلى السماء بالدعاء في العبادة الجماعية ونبض القلوب معاً والمعاناة الجماعية وطلب الشيء نفسه جماعياً يؤدي إلى تنزل الرحمة الالهية الشاملة على الجماعة باسرها، وهذا ما لا يمكن الوصول إليه فردياً. في الحركة الفردية كل ما يستطيعه الفرد هو أن يصبح رئيساً لاسرته، ولكن إن استقامت صفوف الجماعة وتساندت أصبحت قوة مؤثرة بمقياس المجتمع، ويشعر كل فرد ضمن مئات الآلاف من الافراد الموجودين تحت قبة هذه الجماعة بأنه يمثل قوة امته، وتتم المحافظة عليه ضد القوى الخارجية بهذه القوة. فإن انفصل الفرد عن هذه الوحدة وعن هذا الصف وحاول تشكيل ملجأ فردي خاص به، زالت تلك القبة من فوق رأسه وتحولت إلى مظلة صغيرة يرفعها الفرد فوق رأسه. ثم تظهر وتتجلى حقيقة الحديث "كما تكونوا يُولَّى عليكم"[1] أي سرعان ما تتجرع الأمة نتائج هذه الحقيقة المؤلمة. فإن كان المجتمع مجتمعاً خيراً وعلاقته قوية مع الخالق جل جلاله عند ذلك سيحترمنا الآخرون وعلى مثال ماجرى لرسولنا صلى الله عليه و سلم وصديقه أبي بكر رضي الله عنه في الغار فإن الله سيكون الثالث إن كنا اثنين والرابع إن كنا ثلاثة، والخامس إن كنا أربعة، والسادس إن كنا خمسة، والسابع إن كنا ستة..الخ لأن الله تعالى وعد بنصر المؤمنين. ولكن إن تصرفنا بشكل منفرد أي لو كنا حتى اثنين ولم نتعاون ولم نتساند كما يجب، فإن الله تعالى سيحرمنا من البركة التي ينزلها على الجماعة، أي لن يكون الثالث لنا في هذه الحالة ولن يساعدنا. فهنا يرد موضوع المعية نتيجة الترقي. أي أن الفرد الأول والثاني والثالث...الخ يجب أن يكونوا افراداً اصحاء فيكونوا مجتمعاً صحياً لكي يعاون الله تعالى مثل هذا المجتمع ويأخذه تحت حمايته الخاصة وتحت عنايته، فيتخلص الفرد من عبء حفظ نفسه بمظلته الخاصة لأنه يدخل ضمن حماية وأمن سماوي. أجل، إن الجماعة عامل فعال ووسيلة كبيرة للحصول على التوفيق الالهي. فلو قضى إنسان حياته منعزلاً في مكان ما أو على قمة جبل وقضى وقته في الصلاة والصيام وانفق كل ما في يده على المساكين وأدى الحج وذرف الدموع على الحجر الاسود وصلى صلواته في مكة أو في الروضة المطهرة التي أجر الصلاة فيهما يحسب اضعافاً مضاعفة، إلا أن الأجر والثواب الذي سيناله من الله تعالى يبقى أيضاً في المستوى الفردي. ولكن ما أن يضع يده مع يد الجماعة ويوسع قلبه وسعة امته. والقرآن الكريم يقول وهو يتحدث عن إبراهيم عليه السلام: (إِنَّ إِبرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) (النحل: 120)، أي أنه نظر إلى إبراهيم عليه السلام وكأنه -وهو فرد واحد- أمة كاملة تصويراً لهمته العالية. فكم يكون لطف الله تعالى وعونه كبيراً لمجتمع متألف من اشخاص من ذوي الهمم العالية. ومع أن همم المؤمنين تكون عالية إلا أن الناس لايعدون موفقين كثيراً عند امتحان بعضهم ببعض. إذ نرى أن حسابات شخصية صغيرة وبسيطة تكون عائقة أمام أسباب الوحدة والاتفاق وجمع الكلمة الذي له حرمة عظيمة كحرمة الكعبة المشرفة. وهذا الأمر يعوق ويحول دون مجئ العناية الالهية التي يحتمل مجيئها في كل آن. كان القدماء يقولون "بقدر الكد تُكتسب المعالي"، ومع أن هذا ليس بحديث إلا أنه من جوامع الكلم. أي أن جميع النجاحات -المادية منها والمعنوية- تكون متناسبة مع المشقات ومع الجهود المبذولة في سبيلها. أجل! فمن يدري مقدار الألم والمعاناة التي تتحملها البذرة تحت التربة حتى ابراز رأسها كنبتة فوق التراب، إذ تنشق وتتحمل الآم اختراق التربة وتستعد لاستقبال الشمس وتتهيأ لها. فكل هذه الجهود والآلام هي آلام الولادة والنضال في سبيل الوجود واكتساب حياة جديدة، لذا فهي مهمة جداً. كلما انهمرت علينا نعم الله تعالى وتوفيقه لنا كلما زاد ثقل مهمتنا، وعلينا أن ندرك تماماً أن هذه المرتبة العالية التي خصنا بها بكرمه لا تعود لفضيلة أو قابلية شخصية فينا أبداً، وانما يجب أن ننظر إليها كلطف إلهي. إن الخير وصور الجمال تمر، وعندما تمر تقوم بطرق ابوابنا لأننا في حاجة إليها اكثر من الآخرين ولا نستطيع أن نكون مظهراً لهذا الجمال باشخاصنا. وعلينا ألا ننسى أن هذا اللطف والكرم الالهي الذي ينهمر من فوق رؤوسنا وينفذ إلى اعماق كياننا انما يأتي باسم الجماعة، إذ لا يستطيع أحد أن يدعي أنه صاحب الفضل في هذا. الثالثة: والمنفعة المادية من صور الامتحان في كيان الجماعة. والنزاعات والخصومات الموجودة بين السياسيين تنبع من هذه الناحية ومن هذه الافكار السلبية والمخربة التي تستند إلى النزاع حول المنافع المادية. ذلك لأن هناك عيوناً كثيرة ترنو إلى مناصب معينة وهناك اصحاب اهواء وشهوات لاتعرف الشبع يلهثون وراء منافعهم ومصالحهم الشخصية مما يؤدي إلى ظهور الخلاف والنفاق فتنقلب الوحدة إلى تفرقة وخلاف وخصام. بينما يجب أن تؤدى جميع الاعمال وجميع التضحيات لوجه الله تعالى دون انتظار جزاء أو شكور من أحد، ولو تم هذا لاجتاز الكثيرون امتحان المنافع المادية المؤدية إلى الشقاق والخصام. لقد اجبنا بهذا الجواب لأن السؤال كان متعلقاً حول الامتحان المتعلق بالوحدة وضم الصفوف، لأنه لا يمكن تحديد صور وأشكال الامتحانات التي يتعرض لها الإنسان، ولا يمكن تعدادها هنا واحدة واحدة. ويسأل صاحب السؤال عما إذا تعرض الصحابة الكرام إلى امتحان بعضهم ببعض، إذن لنقف قليلاً حول هذا الموضوع. ما كان من الممكن اعفاء الصحابة عن مثل هذا الامتحان. ذلك لأنهم نالوا اعلى المراتب في الحياة المعنوية فكان لزاما عليهم أن يتعرضوا إلى اصعب امتحان. ولاسيما في الادوار التي ظهرت فيها اجتهادات عديدة حول كيفية إدارة الدولة، ولكن مع ثقل الامتحان وقسوته فلم ينحرف صحابي عن التماس طريق الحق. وعندما تبين لبعضهم أنهم لم يكونوا على الحق اغمدوا سيوفهم في ظرف لم يكن من السهل أبداً اغمادها. لقد أدركت أمنا عائشة رضي الله عنها خطأها عندما وقفت أمام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتذكرت حديثاً عن الرسول صلى الله عليه و سلم في هذا الموضوع ورجعت وهي نادمة أشد الندم.[2] كان الزبير بن العوام رضي الله عنه رجلا شجاعاًَ وشهماً. عندما أسلم كان في التاسعة من عمره. كان عمه يلفه في حصير ثم يشعل الحصير ويطلب منه الرجوع عن الإسلام. ولم ينفع كل هذا التعذيب والاذى في دفعه للتنازل عن أي شيء. كان الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: "إن لكل نبي حوارياًّ، وإن حواريَّ الزبير بن العوام".[3] ملفتا الانظار إلى شجاعته وشهامته. كان الزبير ابن صفية عمة الرسول صلى الله عليه و سلم وفي أحد الأيام رأى الرسول صلى الله عليه و سلم الزبير بن العوام وصهره وابن عمه علي بن أبي طالب يمشيان معاً في ازقة المدينة، ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم الذي اخبره الله تعالى عن مستقبل هذين الشابين المتحابين كان يعرف أن ابن عمته الزبير سيقف أمام صهره وابن عمه علي، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم للزبير: "والله لتقاتلنه وأنت ظالم له". ومرت السنوات الطوال ونسي الزبير هذا الكلام، ودارت الأيام ووجد الزبير نفسه يوم الجمل أمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجها لوجه حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي بن أبي طالب له: "يا زبير نشدتك الله أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن في مكان كذا وكذا، فقال "يا زبير ألا تحب عليا؟" فقلتَ "ألا أحب أبن خالي وابن عمي وعلى ديني" فقال "يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له". فقال الزبير "بلى والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك".[4] نزلت كلمات علي رضي الله عنه على رأس الزبير رضي الله عنه كالصاعقة. أجل لقد تذكر ذلك الحديث الذي حدثهما الرسول صلى الله عليه و سلم قبل وسنوات. ادخل سيفه في غمده حالاً، واحتضن علياً وطلب منه العفو والصفح. ثم ركب جواده وترك ميدان القتال. ولكن أحد الشقاة ضربه من خلفه وقتله ثم حز رأسه واتى به إلى خيمة علي رضي الله عنه، كان ينتظر مكافأة كبيرة وعندما اخبر حارس الخيمة علياً بالأمر بكى علي ثم قال: "بشِّر قاتل الزبير بالنار، سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول إن لكل نبي حواريا، وإن الزبير حوارييّ".[5] لم يكن علي رضي الله عنه يتكلم من عنده، بل يكرر ما سبق وإن سمعه من الرسول صلى الله عليه و سلم. كما ترون فقد اُمتحن الصحابة أيضا، ولكنهم عندما اقتتلوا فيما بينهم اقتتلوا في سبيل الحق باجتهاد منهم، وعندما تبين لهم أنهم ليسوا على حق توقفوا عن القتال وجنحوا للسلم. لم ينتقد أحد منهم القدر، ولو قاموا بمثل هذا النقد لتضاعفت المصيبة. وكلما تعرضوا للامتحان من قبل الله تعالى حاولوا الوصول إلى الحق في ظل المعاني القرآنية وباستعمال فطنتهم. كانت بين أبي بكر وعمر محاورة أغضب فيها أبو بكرالصديق رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فانصرف عنه عمر مغضبا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه. ولكن ما لبث أن أحس عمر بالندم والحزن مما وقع فطفق يبحث عن أبي بكر الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبره بما وقع ليجد للمشكلة حلا. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "أما صاحبكم هذا فقد غام" أي سبق بالخير. وما لبثا أن شاهدا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقبل عليهما ليسأل رسول الله عما يفعله لكي يصفح عنه أبو بكر لأنه آذاه بكلامه. فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم، وجعل أبو بكر يقول: "والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم". فقال الرسول صلى الله عليه و سلم مبينا للعالم كله مكانة أبي بكر عنده: "هل أنتم تاركون لي صاحبي! هل أنتم تاركون لي صاحبي! إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت"[6] ولكن ما نريد هنا التأكيد عليه هو التزام الصحابي بالحق في كل الظروف والاعتراف بذنبه لقد كان الصحابة يبحثون عن الحق ويفضلونه ويرجحونه على كل شيء آخر ويسعون لوحدة الصف في كل الظروف. لم يقم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببيعة أبي بكر رضي الله عنه مدة ستة اشهر وكان من حوله من محبيه يريدون منه باصرار المطالبة بالخلافة. وبعد انقضاء ستة اشهر وبُعيد وفاة فاطمة الزهراء رضي الله عنها جاء إلى مسجد المدينة وذكر أمام الحاضرين في المسجد بأن امتناعه عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه مدة ستة أشهر لم يكن مبعثه معارضته له، وأن مجيئه اليوم لم يكن بدافع الخوف، وأنه تأكد الآن بأن حق الولاية والإمارة يعود إليه وأنه جاء لمبايعته رضي الله عنه. يجب أن يكون الإنسان وقافاً عند الحق. وكان الصحابة يطلقون صفة "الوقاف عند الحق" على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلم يكن مهما عنده ما يفكر به في أي مسألة من المسائل، لأنه ما أن يذكر له أحد آية أو حديثاً لتصحيح رأيه في تلك المسألة حتى يرجع حالاً عن رأيه الشخصي ويلتزم بالحق. كان مرة يخطب من على المنبر في أيام خلافته فطلب من المسلمين ألا يغالوا في مهور النساء، لأنه كان يرى وجوب التخفيف عن الشباب وتيسير أمر الزواج لهم. ولمّا نزل من المنبر عرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، لَكتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟ قال: كتاب الله، فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفا أن يتغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ أَرَدْتُّمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمُ إحدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) (النساء: 20). استمع عمر رضي الله عنه بكل ادب إليها. والحقيقة أن نصيحته لم تكن خطأ إلا أن حساسيته وادبه دفعه إلى قول: "كل أحد أفقه من عمر"، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: "إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، فليفعل رجل في ماله ما بدا له".[7] حاشا لله فما كان عمر رضي الله عنه يجهل دينه، ولكن إن مفهومه للحق وارتباطه به كان عميقاً إلى درجة أنه لم يشأ أمام كلام تلك المرأة سلوك طريق التأويل أو الاعتراض، بل قبل الحق بكل بساطة. لم تنجز الأعمال الكبيرة والمسائل الهامة إلا من قبل أمثال هؤلاء الاشخاص العظام. وكلما كنا قريبين من روح الصحابة اقتربنا أكثر من توفيق الله تعالى لنا. حسب قاعدة تناسب العلية فإن ثقلاً معينا وفي عهد ما يحتاج إلى عضلات قوية لرفعه، ويحتاج إلى نفس قوة العضلات لرفعه في عهد آخر أيضا، فالاذرع الضعيفة تعجز عن رفع تلك الاثقال. فكما نحتاج لنـزن كيلوغرام واحد إلى وضع كيلوغرام مثله في الكفة الأخرى من الميزان، كذلك فإن الحقائق الكبرى التي احتاجت في ظهورها إلى اشخاص من نمط الصحابة، تحتاج اليوم كذلك إلى مثل هذا النمط لكي تظهر اليوم وتنتصر، أما انتظار انتصار هذه الحقائق وظهورها بوساطة اشخاص ضعفاء لاحول لهم ولا قوة فهو محال. إذن فعلينا أن نكون كالصحابة في التزام الحق وفي التزام الوحدة ورص الصفوف لكي يرى الأعداء أن أبواب الفتنة مسدودة أمامهم، فبينما تبلغ عندنا العواطف ذروتها، يبلغ اليأس عندهم ذروته أيضا. ولايتم هذا إلا إذا تركنا عبادة النفس إلى الالتزام بالحق، فهذا هو الطريق المؤدي إلى الوحدة والى رص الصفوف.
[1] مسند الشهاب للقضاعي, 3361/1؛ الديلمي, الفردوس, 305/3؛ العجلوني, كشف الخفاء, 336/1 [2] صحيح ابن حبان، 8/258؛ المستدرك للحاكم، 3/120؛ دلائل النبوة للبيهقي، 6/410 [3] البخاري، كتاب الجهاد والسير, 40؛ مسلم، فضائل الصحابة, 48. [4] البداية والنهاية لابن الأثير، 7/241-242 [5] المسند للإمام أحمد، 1/89، 102؛ المعجم الأوسط للطبراني، 7/130 [6] البخاري، تفسير السورة (7), 3. [7] كنز العمال للهندي، 16/536-538 |