| ما الحكمة في عدم سقوط إمبراطورية الصين الشيوعية طوال التاري؟ هل تحملون أملاً بالنسبة للمسلمين في روسيا وفي الصين؟ |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
الصين بلد تعيش فيه أديان عديدة، ولكن الدين الغالب هناك هو الكونفشيوسية وقد لمع بريق الدين المسيحي واليهودي هناك في بادئ الأمر ولكن ما أن تبينت عنصرية اليهود وارتباط المسيحية بمركز واحد (البابوية) تأخذ منه الأوامر حتى خبا هذا البريق لأنهما لم يتلاءما مع الطبيعة الصينية، ولم يتوسعا أو ينتشرا الانتشار المتوقع سابقاً، بل سدت الكنائس ومعابد اليهود. أما عدد المسلمين في الصين فيقال إنهم يبلغون مئة مليون نسمة، غير أن جوامع ومساجد المسلمين التي ظلت مفتوحة والعبادات التي كانت حرة حتى مجيء النظام الشيوعي تلقت ضربة من النظام فسدت الجوامع ومنعت العبادات العلنية. ومع أن أحكام المنع قد ضعفت في الآونة الأخيرة إلا أنها لا تزال باقية. والبوذية والبراهمية لهما دور مؤثر في الصين إلا أن الكونفشيوسية -كما ذكرنا- هي دين الأغلبية. وهذه الأديان في الحقيقة أديان مؤسسة على المبادئ الأخلاقية فقط، إذ لا توجد فيها عقيدة النبوة ولا عقيدة الآخرة. لذا فإلى أي درجة تستطيع هذه الأديان أن تكون مؤثرة في المجال الأخلاقي؟ هذا أمر مشكوك فيه ويحتاج إلى بحث. ولكن هؤلاء الناس المحرومين من ضوء الشمس عندما رأوا ضوء قنديل حسبوه نوراً حقيقياً فتمسكوا بالمبادئ الأخلاقية لهذه الأديان. وهم مدينون في بقاء هوياتهم والمحافظة عليها لهذا التمسك. لم تكن الصين شيوعية حتى الأمس، وهي الآن بصدد الابتعاد عنها، لأن الشيوعية لم تستطع تحقيق أي وعد من وعودها، والفلسفة المادية التي أفلست في كل مكان أفلست هناك أيضاً. والنظام الشيوعي الذي خدع واستغفل الناس فترة من الوقت وقدم نفسه كدواء وعلاج ظهر اليوم عارياً على حقيقته وأنه ليس دواء لأي مسألة أو مشكلة. وهو يحاول اليوم أن يظل واقفاً على قدميه بالقوة وبالإرهاب، ولكنه سينهار غداً ويسقط حطاماً. وقد حدس العديد من أهل البصيرة هذا المصير المحتوم منذ سنوات. وفي بضع سنين قادمة سيرى الناس هذا المصير الرهيب وهذا التحطم والانهيار الهائل وسيرون ويدركون كيف أن عاقبة كل نـظام بشري هو هذه العاقبة وهذه النهاية. ونستطيع أن نقول كخلاصة بأن علماء التاريخ وعلماء الاجتماع يقولون -وإن كان بتعابير مختلفة قليلاً- بأن روسيا سترجع إلى المذهب الأرثودوكسي، وسترجع الصين إلى الدين الكونفشيوسي. أما اليهود والنصارى والمسلمون فسيبقون متمسكين بدينهم. هذا هو رأي هؤلاء العلماء. أما نحن فنود أن نضيف إلى هذا ونقول إن الدين الغالب الوحيد في المستقبل سيكون هو الدين الإسلامي. لأن النبي صلى الله عليه و سلم الصادق الأمين قد أخبرنا وبشرنا بهذا إذ ستتصفى النصرانية وستعود إلى هويتها الحقيقية، وستقتدي بالمهدية التي ستمثل الشخصية المحمدية المعنوية وستأتمُّ بها. والقرآن الكريم يعلمنا الدعاء الآتي (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً). فانطلاقاً من مبدأ "لو لم يرد الله القضاء ما ألهم الدعاء" فإنه عندما علمنا الدعاء أراد أنْ يجعلنا للمتقين إماماً إذن فإننا إن نفذنا دعاءنا قولاً وفعلاً بشكل تام وصحيح فإنه سيحقق هذا الدعاء، فهذا هو شأنه الرباني. ثم يجب الانتباه إلى الكلمات المستعملة في هذه الآية، فالدعاء لا يتضمن طلباً لأن يجعلنا متقين ومخلصين، بل طلب الإمامة للمتقين، أي هناك إمامة وقيادة وقدوة. ثم إن تناولنا بالتقييم صفة المتقي بأنه الشخص الذي يدخل ضمن صيانة الشريعة الفطرية بتصرفه في دائرة هذه القوانين لتوضحت الناحية المتعلقة بموضوعنا. ثم إن الله تعالى جعلنا أمة وسطاً لكي نقوم نحن بتمثيل الاستقامة في الدنيا. وهذا وصف آخر من أوصاف القيادة. وبعد كل ما ذكرناه نستطيع أن نقول باختصار: ستتصفى النصرانية وتتخلص من عللها وتتطهر، ولكنها ستبقى من الناحية العقيدية ومن الناحية العملية ونتيجة عملية التصفية هذه في الدرجة الثانية وفي موضع التابع، لأنها مهما تصفت وتطهرت فهناك كدر قبلها، أي ستمر من عملية جراحية وتتصفى. وهذا لا يجعلها مساوية للماء الصافي الطاهر منذ منبعه ولا يمكن مقارنتها به. والإسلام هو هذا الماء الطاهر الصافي منذ المنبع، ذلك لأن القرآن يضمن هذا فيقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ولكن لا يمكن ذكر هذا بالنسبة للنصرانية، ذلك لأنها انحرفت بعد فترة معينة ووقعت في الضلالة ودخلت في الظلام، بينما مشى المسلمون في الأمس واليوم في طريق مضيء نحو أفق منير. هنا أود أن أكرر شيئاً كثيراً ما ذكرناه وهو أننا مكلفون بالقيام بالوظائف الملقاة على عاتقنا. أما النتيجة فإن شاء الله خلقها، أي هو شأن متعلق بحكمته وإحسانه. تماماً مثلما قال عبد المطلب -جد النبي صلى الله عليه و سلم- لأبرهة إنه مهتم بشأنه هو ولا يتدخل في شؤون رب الكعبة. لأن أبرهة عندما جاء ليهدم الكعبة راجعه عبد المطلب الذي كان مهيب الطلعة يؤثر بكل من يصادفه، وعندما رآه أبرهة شعر بالاحترام نحوه، وتصور أنه جاء يلتمس منه عدم هدم الكعبة. ولكن لم يكن الأمر كما تصور، ولما سأله عن سبب مجيئه قال: "حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي". فتعجب أبرهة وقال: "أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟" فقال عبد المطلب: "إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه".[1] وجرت الحوادث كما توقعها عبد المطلب، فقد حفظ الله تعالى بيته وبشكل غير متوقع، وذلك بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. وأنا شخصياً كلما قرأت سورة "الفيل" التي تشرح هذه الحادثة أتصور أن هذه العاقبة ستكون هي عاقبة جميع الكفار الذين يهاجمون كعبة الإسلام. ثم أقرأ بعد ذلك سورة "لإيلاف قريش" فأحس بالطمأنينة والأمن والأمان الذي يسبغه الله على الذين يسيرون في طريقه. إذن فقوموا بما يجب عليكم القيام به، ولندع وظيفة الحفاظ على مقدسات هذا الدين المبين لله تعالى. فكما لم يسمح لأبرهة الأمس بهدم بيته، كذلك لن يدع لأبرهة اليوم فرصة هدم مقدساته، وكما ذهب أبتر الأمس وزال، كذلك سيزول أبتر اليوم، وستصيبكم الحيرة والعجب. نحن نحمل مثل هذا الأمل الكبير، إذ سيكون صوت الإسلام هو أعلى الأصوات في المستقبل القريب، لذا يجب أنْ تكون آمالنا أوسع من حدود روسيا أو الصين فتشمل الأرض كلها، وكما قال الشاعر: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً [1] السيرة لابن هشام، 1/169 |
| < السابق | التالى > |
|---|



