|
"من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد"[1] فهل توضحون كيفية تعلم السنة السنية وتطبيقها حسب شروط هذا العصر؟
الكتب الموجودة بين أيدينا تناولت هذا الأمر بالتفصيل وبينت كيف أن السنة هي الطريق الموصل إلى الحق. أجل لقد قامت السنة ببيبان هذا الطريق وحثت إليه حثاً كبيرا. ولو اجتمع آلاف الأولياء وآلاف الأدمغة وحاولت وضع طريق أو مبدإ لما بدت هذه الطرق ولا دساتيرها إلا كبارقة ضوء خافتة أمام أضواء أصغر مسألة من مسائل السنة النبوية. لذا فما زال المئات من المرشدين والمئات من أهل الحقيقة يكررون المرة تلو الأخرى وينبهون بأن طريق السنة هو طريق الدين. إن النبي صلى الله عليه و سلم الموجه والمراقب من قبل الله تعالى والمرسل إلينا ليعلمنا الحياة هو الذي شرح لنا كل شيء اعتباراً من الفروض والواجبات والسنن وصولاً إلى المستحب والمباح وآدابها. يقترب العبد من الله تعالى بالفرائض، أما النوافل فيقترب منه إلى درجة أن الله تعالى يكون له عينه التي يبصر بها وأذنه التي يسمع بها ويده التي يبطش بها كما جاء في أحد الأحاديث القدسية: "قال الله تعالى من آذى لي ولياً فقد استحل محاربتي، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء الفرائض، وما يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت عينه التي يبصر بها، وأذنه التي يسمع بها، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به. إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن وفاته. لأنه يكره الموت وأنا أكرهُ مَساءته".[2] أي إن الله تعالى يريه الأشياء بشكلها وبوضعها الصحيح. ويوفقه لتقييم الأمور تقييماً صحيحاً، ويفتح له من كل شيء درباً إلى الحقيقة. فإن رأى الهداية طار إليها، وإن رأى ضلالة هرب منها. عندما يسمع صوتاً يدعو إلى الحق يستجيب له ويبدأ روحه بالسمو. عندما يتكلم يوفقه الله لقول الحق. عندما يعمل يسوقه الله إلى الأعمال النافعة وإلى الخير والجمال. أي أنه يسوقه على الدوام إلى الطريق المؤدي إلى الجنة ولا يدعه لحظة لنفسه. ولأنه يهدف للحصول على رضا الله تعالى في كل أعماله، فإن الله يحركه على الدوام ضمن دائرة مرضاته. لذا فإن الله تعالى جعل حياة الرسول صلى الله عليه و سلم والأشخاص المهمين الذين جاءوا بعده تحت مراقبته وسد أمامهم جميع الطرق الخارجة عن طريق مرضاته، وجعل طريق السنة هو الطريق الوحيد المفتوح أمامهم. والآن لا يوجد طريق غير طريق السنة يؤدي إلى الهدف بشكل مضمون لا شبهة فيه. لذا فمن الطبيعي أن يكون إحياء السنة عند انتشار الفساد، أي إحياء الطريق الذي يبين الفرائض والواجبات والسنن، والقيام بأي خدمات وجهود لجعله سالكاً من جديد ومضموناً وآمنا حتى يوم القيامة، تعد خدمات وجهوداً مقدسة ترفع أصحابها إلى مرتبة الشهداء، بل هناك العديد من بين هؤلاء من يحصل على أجر عدة شهداء في كل يوم من أيام عمره. أما الذين يحاولون من بين هؤلاء إحياء أركان الإيمان فهم يكسبون ثواباً أكثر من ثواب مئة شهيد. أجل هناك مسائل في السنة السنية من أحيا مسألة واحدة منها كان له أجر مئة شهيد. فكما أن هناك نوعاً من الغيبة يكون أشد من قتل إنسان أو من الزنا، لأن الغيبة التي تزرع الفساد في المجتمع وتؤدي إلى الاضطراب والفوضى فيه أشد من غيبة شخص اعتيادي، فهنا يكون الإثم أكبر من هذا الإثم الفردي، كذلك ففي المسائل التي دخلت فيها الأمة إلى الفساد وتعطلت جميع أجهزة الدولاب الإسلامي، فإن القيام بإحياء أي مسألة دينية في مثل هذا الفساد الضارب أطنابه في كل مكان سيكسب ثواب مئة شهيد بل ربما ثواب ألف شهيد. أما إنجاز مثل هذه الأعمال في يوم مبارك وفي لحظة مباركة فقد يكسب صاحبها ثواباً أكبر. والله تعالى يذكر في القرآن الكريم أن الله يعطي ويزيد من فضله وإحسانه على من يشاء من عباده. ندعو من الله تعالى أن يجعل من نصيبنا الاستمرار في هذا الطريق بشكل دائم وأن يوفقنا إلى الخدمة بإخلاص. نحن سعداء ومحظوظون جداً. فعندما يتم ذكر خدماتنا نقول: "إن الوظيفة الملقاة على عاتقنا إنما هي فضل وإحسان إلهي". أجل فقد وظفنا في هذا العهد الذي اختلط فيه الحابل بالنابل بوظيفة مقدسة وغالية. وإن إحياء هذا الدين بكل مؤسساته وبكل كادره وبكل جماعته عمل لا نظير ولا مثيل له في العالم. وهو من جانب آخر استمرار لوظيفة الرسول صلى الله عليه و سلم ومتابعة لدعوته. وإن ظهور فخر الكائنات صلى الله عليه و سلم تنزلاً منه في رؤى العديد من تلاميذه المعاصرين وزيارته لبعض مؤسسات الخدمة الإيمانية والقرآنية ليست إلا من كرامات السنة السنية وخدمة هذه السنة، وليس نتيجة أي ميزة شخصية لأي شخص. وإن حصول الأشخاص والجماعات والمؤسسات على حصة الأسد من هذا الثواب على قاعدة "السبب كالفاعل" ليس إلا فضلا آخر من الله سبحانه وتعالى، وهو ما ينتظر منه ومن رحمته الواسعة الشاملة. ولكن إن لم يقم الذين أوصلوا الخدمة الإيمانية والقرآنية إلى هذا المستوى بالمحافظة على المستوى نفسه من الإخلاص والحماس ستؤخذ الأمانة منهم وتودع إلى آخرين. أي سيتم نبذهم ورفضهم. ونحن إذ ندرك ونقدر العناية الربانية نعرف بأننا إن بذلنا كل طاقاتنا وصرفنا كل جهدنا واستفدنا من اللطف والرعاية الإلهية فإننا نستطيع اجتياز الامتحان ونكون مظهراً لألطاف أخرى. وكم نتمنى أن يستمر أصدقاؤنا بنفس الهمة وبنفس الحماس والوجد في خدمة القرآن والإيمان، هذه الخدمة التي تكسب في كل آن ثواب شهيد.
[1] فيض القدير للمناوي [2] المسند للامام أحمد, 256/6. البخاري، الرقاق, 38 |