الصفحة الرئيسية arrow أسئلة العصر المحيِّرة arrow بما أن الأرواح غير متغيرة، إذن فهي ليست حادثة، ما قولكم في هذا؟
بما أن الأرواح غير متغيرة، إذن فهي ليست حادثة، ما قولكم في هذا؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

هذه مسألة من المسائل العميقة في علم الكلام، وهي تحتوي على ما يأتي: نحن نقول بأن الكون متغير وعرضة للتبدل باستمرار، لذا ‏نقول عن الكون إنه حادث، أي أنه خلق فيما بعد، وأنه سائر نحو الاضمحلال، وهو يتحرك بشكل دائم ويتحلل. ونقول "إن منظم ‏وبارئ هذا الكون المتحول مبرأ من التبدل والتغير" أي يمكن إطلاق اسم مبدأ رجوع المتبدل إلى غير المتبدل، أي إن كل شيء متغير ‏ومتبدل يدل ويشير إلى الذات الأقدس المبرأ من التبدل والتغير والتحول، وهو الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود. وهو منزه عن جميع ‏العوارض الكونية والبشرية. لذا فالمسألة أعلاه ترد عند سرد هذه الصفات الإلهية، ويرد هنا سؤال وإشكال:

إن الله لا يتغير ولا يتبدل، لا يأكل ولا يشرب، أزلي، ووجوده من ذاته وهو أبدي كذلك. ولكن من جهة أخرى للروح أيضا ‏بساطته، أي إن الروح غير متركب من مادة، وهو من عالم الأمر كما جاء في القرآن وليس من عالم الخلق أي ليس وجوداً ناشئاً من ‏اجتماع الذرات. بل هو من القوانين النورانية الشاعرة جاء إلى الوجود مثل الملائكة الكرام بأمر من الله تعالى، أي أن الروح قانون مثل ‏قانون الجاذبية الموجودة بين نواة الذرة والألكترونات ومثل قانون النمو الموجود داخل البذرة. ولكنه يملك شعوراً، بينما لا تملك القوانين ‏الأخرى حياة ولا شعوراً.‏

الروح بسيط لأنه غير مركب من المادة. لذا لا يتحلل ولا يتأين "أي لا يتحلل إلى أيونات". وله وجود ثابت. لذا قد يخطر على بال ‏البعض بأنه يشبه الله تعالى حاشا لله في هذه الناحية. أي كما أن الله منزه عن التغير فالروح أيضا لا يتغير... فما الفرق إذن؟

إن الله تعالى منزه عن التبدل والتغير وعن الألوان والأشكال تنزها نابعاً من ذاته. بينما خلق الروح بسيطاً من قبل الله تعالى. فالله ‏خالق والروح مخلوق. والله قائم بذاته، وموجود بذاته. بينما الروح وكذلك سائر الموجودات قائمة به. فكل شيء يمد يده يطلب العون ‏والمساعدة منه. بينما يقوم الله تعالى بسر كلمة "إياك نستعين" بإعانة الجميع ومساعدتهم. وكذلك الروح فهو مخلوق من المخلوقات المَادَّةِ ‏يَدِ الاستعانةِ والحاجةِ والسؤال إليه تعالى. ووجود الروح قائم بالله، أي هو موجود طالما استند إليه، فإن لم يستند إليه فني. والله تعالى ‏خلق الروح كقانون ذي شعور مستند إلى قدرته تعالى وإرادته. ووجوده مستمر ودائم بهذه الصيغة فقط .‏

نستطيع إعطاء مثال يقرب هذا إلى الأذهان: إن للشمس ضياء وشعاعاً وألواناً. ونشاهد هذا في القمر أيضا. ولكن إن افترضت فناء ‏الشمس فإنك لن تستطيع تصور أي ضوء أو نور في القمر. فالنور الموجود في القمر أثر أو عرض من الأضواء الأصلية الموجودة في ‏الشمس. فإن تخيلنا فناء الشمس فلا يبقى هناك مجال لدوام واستمرار النور في القمر. فهل تستطيع في مثل هذه الحالة المساواة بين الشمس ‏وبين القمر؟ كلا. والقرآن يصف القمر بأنه "منير" (الفرقان: 1) ويصف ضوءه بأنه "نور"، بينما يصف الشمس بأنها "سراج وهاج" ‏‏(النبأ:13). صحيح أن هذا المثال وهذا التشبيه لا يناسب مقام الألوهية السامية. ولكن كانت هناك حاجة إلى تشبيه مادي لكي تستطيع ‏الأذهان فهم الموضوع.‏

وسيعطي الله تعالى البقاء والخلود إلى الأجساد أيضا إضافة إلى الأرواح في الآخرة. الله باق... وهم باقون... ولكن بقاءهم مرهون ‏وقائم به تعالى، إن أراد أفناهم جميعاً. أما وجوده هو تعالى فقائم به وبذاته... يمكن أن يفنى الجميع... أما الذات الأقدس فهو منزه عن ‏جميع العوارض ومبرأ منها.
 
< السابق   التالى >