| ما الحكمة في نزول القرآن منجما في ثلاث وعشرين سنة؟ |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
لو نزل القرآن دفعة واحدة ولم ينزل في 23 سنة لقالوا "لماذا نزل القرآن دفعة واحدة ولم ينزل على مكث؟" الأساس في مثل هذه المسائل هو التسليم والإيمان بأن ما جاء به الله تعالى هو الحق. وإلا انفتح الباب لأسئلة في جميع المسائل: لماذا كان مجموع ركعات صلاة الظهر عشر ركعات؟[1] ولماذا كانت صلاة الجمعة في يوم الجمعة؟ ولماذا كانت نسبة الزكاة من المال نسبة 1/40 ولم تكن 1/41 ؟..الخ. أسئلة لا تنتهي ولا تنقطع. لذا كان علينا أن ندرك بأن هذه الأمور سر من أسرار العبودية. صحيح أن هناك حكماً ذاتية في الصلاة. فلا شك أن وقوف الإنسان أمام ربه خمس مرات في اليوم له فوائد ومصالح، ولكن إن أتينا إلى عدد الركعات فإن الله تعالى هو الذي قضى أن تكون عدد ركعات الوتر ثلاثا، وثلاث ركعات لصلاة المغرب، وأربع ركعات لصلاة العصر. ولو وكّل الأمر إلينا وقيل لنا أنتم مكلفون بالصلاة خمس مرات في اليوم، وعليكم أنتم إعطاء القرار حول شكل الصلاة، إذن لاختلفنا في هذا الأمر وأعطى كل منا رقماً مختلفاً، ولقام كل منا بترتيب وتخطيط الصلوات حسب ظروفه ومشاغله اليومية. إن تعيين العدد بطريق العقل يختلف عن طريق الوحي. فالوحي ينسج لحياتك المعنوية من العلم الإلهي نسيجاً حكيماً متميزاً. لذا يمكن البحث هنا عن حكم الصلاة، أما التساؤل عن عدد الركعات فلا. لنزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة حكم مماثلة. فهو قد نزل في عهد بدأت فيه أمارات لبداية رقي الإنسانية وتكاملها. لذا جاء أكمل نبي وهو الرسول محمد صلى الله عليه و سلم المصطفى من قبل الله وأحب الناس إليه. وكانت مهمة أصحابه أن يكونوا معلمين للأمم المتحضرة وأن يرقوا بها إلى أعلى مراتب التقدم. غير أن العادات السيئة والأخلاق الذميمة قد استولت على نفوسهم وجرت مجرى الدم في عروقهم، فكانت مهمة نزع هذه الأخلاق والعادات السيئة واحدة تلو الأخرى تختلف عن مهمة القيام -بعد هذا- بزرع العادات الحميدة والأخلاق الفاضلة في نفوسهم. فلو نزل القرآن دفعة واحدة وطالبهم بكل هذه الأمور دفعة واحدة لعجزوا ولم يتحملوا ذلك. علما بأن هذا أمر مخالف لسنن الكون ولطرق تكامل الإنسان. نستطيع أن نعطي أمثلة عن حياتنا الحالية ولنفكر في الذين اعتادوا على التدخين أو ابتلوا بالإدمان على الخمر أو على التسكع في الشوارع أو إدمان الجلوس في المقاهي. فلو قطعت رأس هؤلاء ولو قلت لأحدهم: يا فلان! إن ذهبت إلى المقهى فستموت، لاخترع المعاذير وذهب إلى المقهى. ولو لم يذهب يوماً وبقى في البيت لقضى وقته وهو يطلق الحسرات والآهات ثم لم يتحمل واتخذ طريقه إلى المقهى. ذلك لأنه اعتاد على ذلك، ومن الصعب عليه تغيير ما اعتاد عليه مع أنها عادة صغيرة وغير مهمة. والآن لنتناول المدمن على التدخين. إن قلت لمثل هذا المدمن "اترك التدخين، لأنه مضر بصحتك. لأن التدخين انتحار بطيء فكأنك ضربت خنجراً في صدره" بل لو جعلت طبيباً يذكر له أنه لا توجد فائدة في التدخين بل له الأضرار الفلانية والفلانية لتردد كثيراً في ترك التدخين. بل إن كثيراً من الأطباء يدخنون مع علمهم بأضراره. ثم خذ المدمن على الخمر تراه قد تبدل عالمه فهو ثمل على الدوام، ولو نزل درجة واحدة لوصل إلى مستوى المخلوقات الدنيا. فلو طلبت منه ترك الخمر فجأة لكان طلبك هذا طلباً لتغيير نفسيته وعادته. والآن تصوروا وجود الآلاف الذين جرت مثل هذه العادات السيئة في عروقهم مجرى الدم، وكذلك من تطبع بأخلاق سيئة، ثم تأملوا معي ضرورة نزول القرآن بشكل تدريجي. أجل! لقد قام القرآن بنزع الأشواك أولاً وإزالة العادات السيئة ثم قام بوظيفة التزيين. أي قام بتنظيف أرواحهم من الأخلاق السيئة أولاً، ثم زين نفوسهم بالأخلاق العالية. ونجح في إصلاح آلاف النفوس في مدة قصيرة. ونحن نعتقد أن نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة يعد نزولاً سريعاً. وكما قال بديع الزمان سعيد النورسي "ترى لو ذهب فلاسفة عصرنا إلى جزيرة العرب وبذلوا كل جهودهم فهل يستطيعون في مئة سنة إنجاز ما أنجزه رسولنا صلى الله عليه و سلم في سنة واحدة؟!" إننا نتحداكم، الكل يعرف بأن الخمر يسبب كل سنة خراب مئات البيوت، وتقوم جمعيات الهلال الاخضر،[2] بإلقاء العديد من المحاضرات كل سنة في هذا الموضوع، وأدرجت هذا الموضوع في المدارس المتوسطة والثانوية. ولكن كم من المدمنين على الكحول تركوا هذا الإدمان وتخلصوا منه؟ ولتقم الجامعات بكل أساتذتها ويعبئوا جهودهم سنة كاملة، فهل يستطيعون إنقاذ عشرين شخصاً من هؤلاء المدمنين؟ ولو نجحوا في هذا لعددنا هذا نجاحاً كبيراً منهم وكتبنا نجاحهم هذا بحروف من ذهب بجانب اجراءات رسولنا صلى الله عليه و سلم. ولكن هيهات... هيهات.... لقد حدث ذلك مرة واحدة فقط ويعلم الأصدقاء والأعداء أن تكراره محال. أجل! إن فترة ثلاث وعشرين سنة تعد فترة قصيرة وسريعة، لذا فإن ما عمله القرآن وما أنجزه يعد معجزة. فما قطعه رسولنا صلى الله عليه و سلم في ثلاث وعشرين سنة من مسافة لم تستطع البشرية قطعها في آلاف السنوات.. ولن تستطيع أن تقطعها. وبينما استهدف القرآن الكريم إزالة المئات من العادات والأخلاق السيئة من النفوس من جهة، استهدف من جهة أخرى تزيين النفوس بالأخلاق الرفيعة السامية دون أن يؤذي هذه النفوس أو يجرحها أو يؤلمها، وقام بتمرير وتحقيق مسائل كثيرة في مراحل عديدة حتى جعلها صالحة للتطبيق، بينما تحتاج تحقيق بعض هذه المراحل في أيامنا الحالية إلى أضعاف مدة 23 سنة بعدة مرات. هذه المدة، أي ثلاث وعشرون سنة كانت مدة ضرورية لكي يتقبل إنسان ذلك العهد الكثير من الأوامر ومن النواهي، وكانت ضرورية للإزالة التدريجية أو الإنشاء والبناء التدريجي لكثير من الأمور والمسائل. فمثلاً تم تحريم الخمر في هذه المدة على ثلاث أو أربع مراحل، وحرم وأد البنات على مرحلتين. وتم تنظيم الحياة القبلية البدائية وتأمين الوحدة بينها، وإيصال الناس إلى الشعور الاجتماعي، أي تم إكسابهم خصال ولياقة تشكيل مجتمع. ولم يتم هذا الاّ بمحاربة العادات والأخلاق الفاسدة وإقامة الأخلاق السامية مكانها بإجراءات غاية في الصعوبة. وكانت كل هذه الأمور بحاجة إلى فترة زمنية أطول. ثم إننا نقول حالياً كانت ظروف هذه السنة كذا، لذا يقتضي إقامة التوازن الاجتماعي الفلاني والتنظيم الفلاني، ويتم حساب تغير الشروط في السنة القادمة، وتعيير الخطط وضبطها حسب التغيرات والشروط المتوقعة في السنوات القادمة. وهكذا نقوم بأخذ طبيعة الأمور وطبيعة الأشياء بنظر الاعتبار لكي يتم التلاؤم معها. وشبيه بهذا ما كان يحدث في العهد النبوي. فالمسلمون كانوا ينمون تدريجياً كنمو شجرة باسقة ويتلاءمون ويتكيفون مع الظروف والشروط الجديدة. وفي كل يوم كان هناك من يلتحق بركب الإسلام، وكان هناك في كل يوم شعور جديد وفكر جديد وتكييف جديد لتحويل الفرد إلى فرد إجتماعي. كان هذا يحدث بشكل تدريجي، ولكنه يحدث بشكل متناسق ومتناغم وبشكل متعاقب. وهكذا أصبحت هذه المراحل تعكس الخصائص والحقائق الخالدة للإسلام ضمن نواة صغيرة في البعد الزمني. ولو لم يحدث هذا ضمن ثلاث وعشرين سنة، أي لو طلب إحداث كل هذه التغيرات مرة واحدة وبشكل آني، لما تحمل ذلك المجتمع البدوي ذلك. نستطيع تشبيه ذلك بشخص يتعرض لأشعة الشمس. فهذا يحدث تغييراً في جلده. ولو ذهب إلى بلدان باردة لحدث بعض التغيرات الصغيرة عنده. ولكن لا يمكن لهذا الشخص تحمل عشرين طفرة كبيرة مرة واحدة، لأن أي حي يتعرض لمثل هذه التغيرات الكبيرة سيموت. وهذا يشبه ارتفاع شخص يعيش تحت ضغط جوي واحد إلى ارتفاع عشرين ألف قدم بشكل فجائي. فمثل هذا الارتقاع الفجائي سيؤدي إلى موته. وحتى الطائرات عندما تصعد إلى مثل هذا الارتفاع فإنه يتم أخذ التدابير اللازمة كأقنعة الاكسجين وغيرها. وكما يؤدي الارتفاع المفاجئ إلى عشرين ألف قدم إلى موت الإنسان. كذلك فإن مطالبة مجتمع يملك تصوراً بدائياً للحياة وللفرد وللعائلة بجميع أحكام القرآن -إن كان القرآن نازلاً مرة واحدة- دفعة واحدة والقول "هاكم... هذه هي أحكام القرآن... طبقوها كلها دون نقص"، لو قيل هذا لما استطاع أحد أن يقبل ذلك. لآن هذا كان يعني ارتفاع المجتمع إلى علو عشرين ألف قدم دفعة واحدة، ولما كان باستطاعة ذلك المجتمع تحمل ذلك. لذا فإن نزول أحكام القرآن على مهل طوال 23 سنة هو رعاية لمقتضى فطرة الإنسان وطبيعته البشرية. بما أننا لا نستطيع فصل الإنسان عن الكون، لذا كان علينا تناوله حسب طبيعة الحوادث الجارية فيه. لأننا لا نستطيع النظر إليه خارج التطورات الجارية في الكون. فكما يتم النمو في الكون بشكل تدريجي، وتجري قوانينه حسب هذا الاتجاه، كذلك فإن نمو الإنسان وسموه وتكامله يجري بالنمط نفسه. وهذا هو السبب في نزول القرآن الذي هو أساس الرقي ومجموع المبادئ السامية على مهل طوال ثلاث وعشرين سنة. لقد كان من حكمة الله جعل هذه الفترة الزمنية 23 سنة، وكان من الممكن أن تكون 24 أو 25 سنة. وقد اقتضى القدر الإلهي أن يكون عمر سيد الأنبياء صلى الله عليه و سلم 63 سنة وأن يختتم هذا العمر بعد 23 سنة من نبوته. وكان من الممكن أن يكون عمره 64 سنة، عند ذلك بلغت سنوات الوحي 24 سنة، وكنا نرى هذه المدة ضمن الإطار نفسه من الحكمة الإلهية. والله أعلم. [1] المقصود هو مجموع ركعات الفرض والسنة في صلاة الظهر. (المترجم) [2] تقوم جمعيات الهلال الاخضر بمحاربة المسكرات. (المترجم) |
| < السابق | التالى > |
|---|



