الصفحة الرئيسية arrow أسئلة العصر المحيِّرة arrow أهناك دليل على سؤال "أَلَسْتُ بِرَبِّكُم ؟" وعلى جواب "قَالُوا: بَلَى"؟
أهناك دليل على سؤال "أَلَسْتُ بِرَبِّكُم ؟" وعلى جواب "قَالُوا: بَلَى"؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

هناك بعض المسائل التي يصعب إيضاحها عقلياً، ولكن يمكن بحث إمكانيتها وعدم استحالتها. وإذا كان الله تعالى‎ ‎يقول شيئاً فلا ‏يبقى هناك مجال لأي اعتراض. نستطيع تناول السؤال من جهتين:

1- أحدثَ هذا الأمر؟ وإذا حدث فكيف يمكن البرهنة عليه؟‏

‏2- هل شعر الفرد المؤمن بهذا الأمر؟‏

أولاً، يرد سؤال هل أن قول الله تعالى‏‎ ‎في عالم ما للارواح "ألست بربكم؟" وقولهم "بلى" شيء قطعي وأكيد؟ تم تناول هذا الموضوع ‏في القرآن الكريم في آيتين. الأولى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) (الاعراف:172) ‏حيث يرد ذكر مثل هذا القول هنا. ولكن هناك اختلاف بين المفسرين القدماء منهم والمحدثين في زمن أخذ هذا العهد.‏

فقسم من المفسرين يقولون إن اخذ هذا العهد تم في عالم الذر عندما كان العالم في شكل ذرات، وأنه تم اخذ هذا العهد من هذه ‏الذرات التي ستتركب فيما بعد ومن أرواحها أيضاً التي ستحلُّ بها. وقال مفسرون آخرون: "إن هذا العهد يؤخذ عندما يسقط الطفل ‏في رحم أمه". وقال مفسرون آخرون مدققون استناداً إلى حديث شريف بأن هذا العهد يؤخذ عند نفخ الروح في الإنسان.‏

والحقيقة أن تكلم الله تعالى‎ ‎مع مخلوقاته يكون بأشكال مختلفة. ونحن نتكلم مثلاً بشكل وباسلوب معين، ولكن لنا أيضا أساليب ‏أخرى في الكلام النفسي واللفظي، لأن لنا مشاعر داخلية وخارجية ولنا عقل وروح وظاهر وباطن. فمن حين لآخر نستعمل هذه ‏الألسنة أيضا فنوصل رسائلنا إلى من يفهمها.‏

للقلب حديث خاص به. يتحدث القلب ولكن لا أحد يسمع حديثه، فإذا قيل لنا "ماذا كنت تحدث به نفسك؟" لأجبنا "كذا ‏وكذا" أي نقلب ذلك الحديث إلى كلمات متواصلة، فهذا حديث نفسي.‏

وأحياناً نتكلم في أحلامنا، ونسمع كلام الآخرين كذلك. ولكن الموجودين بالقرب منا لا يسمعون هذه الأحاديث. ثم نقوم وننقل ‏ما قلناه وما سمعناه في الحلم ‏‎ إلى ‎الآخرين. وهذا اسلوب آخر في الحديث.‏

هناك من يرى -وهو يقظان- مناظر من عالم المثال وأشخاصاً من ذلك العالم. قد لا يؤمن الماديون بهذا ويقولون إنها ليست إلا ‏خيالات وأوهام... لا بأس ليقولوا هذا. لقد كان هذا مظهر من مظاهر تكريم الرسول صلى الله عليه و سلم عرض مناظر من ‏عالم المثال ومن عالم البرزخ لنظره الكريم.. وكان صلى الله عليه و سلم ينقل ما سمعه وما رآه إلى الآخرين. لقد كان هذا نوعاً ‏آخر من الحديث.‏

والوحي شكل آخر وطراز آخر من طرز الحديث. وكان رسولنا صلى الله عليه و سلم يأتيه الوحي، فيشعر به وهو في كامل ‏وعيه. ولكن هذه كانت أبعاداً أخرى، فلم يكن أي شخص عدا الرسول صلى الله عليه و سلم يسمع أو يفهم شيئاً. ولو كان ‏الوحي شيئاً مادياً لطرق سمع الآخرين كذلك. مع أن الوحي كان يأتيه أحياناً وهو مسند رأسه إلى فخذ إحدى زوجاته أو وهو مسند ‏رأسه إلى صدر صحابي وركبته على ركبته فيسمع الرسول صلى الله عليه و سلم الوحي ويتلقاه ولا يسمعه أو يحس به من حوله. ‏أما الرسول صلى الله عليه و سلم فكان يتلقى الوحي ويحفظه عن ظهر قلب ثم يخبر به الآخرين. وهذا طراز آخر من الأصوات ‏وطراز آخر من التحدث.‏

ويأتي إلهام إلى قلب الولي، كالهمس في قلبه. وهذا طراز آخر من التحدث شبيه بالتخاطب بوساطة الشفرات. فكما يقال في شفرة ‏مورس: "دي.. دي.. دا.. دا.. ديت" ويفهم المتلقي لهذه الإشارات معناها. كذلك هناك ما يرسل إلى قلب الولي الذي يستخرج منه ‏بعض المعاني، فمثلاً يقول الولي: "إن فلاناً ابن فلان وصل الآن أمام الباب" فيفتحون الباب ويجدون ذلك الشخص أمامهم. وهذا طراز ‏آخر من التحدث.‏

وهناك ظاهرة "التلباتي". وعلماء اليوم يتهيأون للتخاطب به في المستقبل. وهذا طراز آخر من التحدث. وتوجه القلب نحو القلب ‏وتخاطب الناس فيما بينهم باطنياً نوع آخر منه. ويفهم من كل هذا أن الله تعالى‎ ‎خلق مالا يعد ولا يحصى من أنواع التحدث والتكلم.‏

والآن لنأت إلى موضوعنا. قال تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) (الاعراف: 172). ولكننا لا نعرف ولا نستطيع أن نعرف كيف قال وبأي كيفية ‏تحدث. فإن كان قد تحدث إلينا بطريقة الإلهام -كما هو الحال عند الولي- فمعنى هذا أننا لا نتوقع حديثاً بصوت. فإن كان إلهاماً فهذا ‏ليس بوحي. وإن كان وحياً فهو ليس بإلهام. وإن كان حديثاً للروح فهو ليس بحديث للجسد، وإن كان للجسد فهو ليس للروح.‏

هذه النقطة مهمة جداً، لأن الإنسان إن قام بمحاولة قياس ما يراه ويسمعه في عالم المثال وفي عالم البرزخ وفي عالم الأرواح بمقاييس هذا ‏العالم فإنه يقع في خطأ جسيم. فالصادق الأمين صلى الله عليه و سلم يخبرنا بأن المنكر والنكير سيأتيان ويحاسباننا في القبر. فكيف يتم ‏هذا الحساب؟ هل سيخاطبان روح الميت أم جسده؟ النتيجة واحدة سواء أكان الخطاب لروحه أم لجسده، والميت سيسمعهما. أما ‏الموجودون حواليه وبالقرب منه فلا يسمعون شيئاً. ولو وضعت مسجلاً ومددت الميكروفون إلى القبر فلا يمكن تسجيل أي صوت، لأن ‏الخطاب يتم هنا في أبعاد أخرى. فكما ذكر "أنشتاين" وغيره عن وجود بُعد رابع وخامس فإن الأمور تكون مختلفة باختلاف الأبعاد. ‏

لذا فإن قول الله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) (الأعراف: 172) هو خطاب خاص للأرواح، ولا يمكن توقع سماعه أو حفظه من قبلنا، فربما ‏انعكس هذا في وجداننا، أي نستطيع أن نشعر به بالإلهام الذي انعكس على وجداننا.‏

كنت مرة أشرح هذا الموضوع فإذا بشخص يقول: "إنني لم أشعر ولم أحس بذلك" فقلت له: "ولكنني أحسست به، فإن لم تكن قد ‏شعرت به فهذا مشكلتك، ولكني أعرف جيداً أنني أحسست وشعرت به". فإن سُئلت كيف شعرت لقلت إنني سمعت هذا الصوت ‏عندما شعرت برغبتي في الخلود، مع أنني شخص محدود وفان. أجل! فإنني لا أستطيع معرفة الله تعالى وإدراكه لأنني محدود إذ كيف ‏يستطيع المحدود أن يدرك اللامحدود. إذن فإنني أعلم أنني أحسست به عندما وجدت في نفسي مثل هذه الرغبة في اللامحدود والرغبة في ‏الخلود. فحشرة صغيرة مثلي في مثل هذا العالم المحدود كان يجب أن تعيش حياتها المحدودة ثم تموت.. وأن تكون آمالها وأفكارها محدودة ‏مثل عمرها. بينما أفكر أنا في الخلود وتثور عندي الرغبة في الأبدية، وأحمل لهفة للجنة ولرؤية جمال الله، وملك الدنيا كلها لا يشبع ‏رغباتي، إذن فبسبب وجود هذه الحال عندي أقول لقد "أحسست به".‏

إن الوجدان -مهما كان تعريفه- مشتاق لله تعالى بكل كيانه وبكل أقسامه، ومترنم به على الدوام، وهو لا يكذب. ولن يرتاح هذا ‏الوجدان ولن يصل إلى السعادة والطمأنينة إلا عندما تعطيه ما يرغب به وما يطلبه. لذا فكما أشار القرآن الكريم: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ ‏الْقُلُوب) (الرعد: 28) فإن القلب الذي هو لطيفة من اللطائف الربانية لن يطمئن إلا عندما يصل الوجدان إلى الطمأنينة.‏

هناك أمر آخر وهو أن كثيراً من الفلاسفة من أمثال "برجسون" تركوا جميع الأدلة النقلية منها والعقلية جانباً وقالوا إن الدليل على ‏وجود الله تعالى‎ ‎هو الوجدان. ووصل الأمر بالفيلسوف الألماني "كانط" أن يقول: "لكي أدرك الله تعالى‎ ‎إدراكاً يستحقه جلاله وعظمته ‏فقد نحيت وتركت جميع معلوماتي جانباً". ومشى "برجسون" في هذا الدرب بـ"الحدس"، وكان وجود "الوجدان" و"الضمير" عنده هو ‏الدليل الوحيد. فالضمير والوجدان يتألمان عند إنكار الله وجحوده، ويسعدان ويطمئنان بالإيمان بالله. ‏

وعندما يستمع الإنسان إلى وجدانه وينزل إلى أعماقه يرى ويحس هناك بوجود رغبة شديدة في الإيمان بمعبود أزلي وأبدي. إذن فهذا ‏الجو هو الدليل على الجواب (قَالُوا بَلَى) (الأعراف: 172) للخطاب الإلهي "ألست بربكم". وإذا أرهف سمعه للصوت الآتي من أعماق ‏وجدانه لسمع هذا الصوت. ولكن إن بحث عن هذا الصوت في عقله وفي جسده وقع في التناقض، لأن هذا الصوت موجود في ضمير ‏كل فرد ومكنون هناك، ولا تتم البرهنة عليه الا في ميدانه وفي ساحته. وقد رأى الأنبياء والأولياء والأصفياء هذا وأدركوه بكل جلاء ‏وصفاء وشرحوه وأبانوا عنه.‏

وإذا أتينا إلى الإثبات العقلي، فمن الطبيعي ألا يستطيع العقل إلا إثبات المحسوسات كإثبات وجود شجرة الصنوبر أو شجرة الدُّلب. ‏مثل هذا الإثبات غير وارد هنا. ولكن من استمع إلى وجدانه واستبطن داخله رأى هذا وسمع ذلك الصوت وأدركه وشعر به.
 
< السابق   التالى >