الصفحة الرئيسية arrow روح الجهاد وحقيقته في الإسلام arrow إعلاء كلمة الله أو الجهاد (روح الجهاد وحقيقته في الإسلام) (الحلقة الأولى)
إعلاء كلمة الله أو الجهاد (روح الجهاد وحقيقته في الإسلام) (الحلقة الأولى) طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

ليست القضية اليوم أن تكتب كتباً، أو تنشر مقالات ودراسات أكاديمية ميتة - لا روح فيها - تبدو كما لو كانت مجرد إظهار لمعلومات قديمة، أو لجمع معلومات متفرقة، أو لتحقيق بعض نصوص لم يحققها الآخرون دون نظر إلى النتائج المرجوة، والأهداف التي يحتاج إليها الظرف الحضاري، والتحديات والأوليات التي تفرض نفسها على عقل الأمة ووعيها ومسيرة مستقبلها!!. ولربما عجز صاحب هذا المنهاج عن أن يجيب على سؤال خطير مثل هذا السؤال: ماذا كسب من وراء جهوده لآخرته؟ وماذا كسبت أمته - وثوابته الحضارية - من وراء جهوده؟.

إنه سيعجز - بيقين - عن الإجابة على سؤال من هذا النوع: لأنه لم يضع هذه (الموازين) في حسابه، بل اندفع لتحقيق أهداف أخرى (وقد حققها فعلاً - في رأيه الشخصي، وفي رأي قوانين المنفعة البرجماتية!.).

لكن كتابات أخرى يضع أصحابها في أذهانهم وفي وعيهم أهدافاً كبيرة وهم يكتبونها على رأسها: رضا الله، والفوز في الآخرة، وخدمة الأمة المسلمة، ودفع قطار نهضتها خطوات إلى الأمام. ومؤلفنا الكبير (فتح الله كولن) أطال الله عمره... على رأس هؤلاء.

ويمثل كتاب (الجهاد وإعلاء كلمة الله) مجموعة من الدروس الدعوية ألقاها المؤلف (فتح الله كولن) في مدينة إزمير التركية قبل عام 1980م. وذلك في وقت حافل بالاضطراب والفوضى في تركيا وفيما حولها من بلاد المسلمين.

تعريف بالمؤلف

وفي البداية ثمة تعريف وجيز بالكاتب الكبير، ومنه نعرف أن الداعية الكبير (فتح الله كولن) ولد عام 1938 م في قرية "كوروجك" التابعة لمحافظة أرضروم التركية، وقد نشأ في عائلة متدينة، ودرس على أبيه اللغة العربية والفارسية، وحفظ القرآن الكريم في صباه!.

وقد درس على علماء بارزين علوم النحو والبلاغة والفقه والعلوم الوضعية والفلسفة الغربية والشرقية، ومن ثم عمل واعظاً متجولاً، يمتدّ نشاطه عبر محافظات تركيا كلها.

ولم يكتف الشيخ كولن بالاتصال المباشر بينه وبين الجماهير في أحاديثه الوعظية، بل قام تلامذته بتسجيل دروسه على شرائط كاسيت، وفيديو، أذاعوها في أنحاء تركيا، وخارجها، فكان لها تأثير كبير في غرس البذور الإيمانية!.

وقد اقتحم بقوة وجدارة عالم تأليف الكتب والرسائل، فأصدر 35 كتاباً في العلوم الإسلامية ترجم بعضها إلى الإنجليزية والروسية والألمانية واليابانية والعربية، وقد طبع من كل كتاب من هذه الكتب أكثر من (70.000 نسخة) داخل تركيا وحدها، وما زال الكثير منها يحتاج إلى الترجمة للعربية بخاصة واللغات الحية الأخرى بعامة.

وفي مدخل الكتاب يشير المؤلف إلى الحقيقة المعروفة وهي: أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله؛ لأن هذا النبي الخاتم وحده هو الذي جاء بنظام شامل يرفع الإنسان إلى ذروة الإنسانية، ويرتقي بالإنسان إلى أعلى مراتب الكمال التي لا تساويه فيها حتى ملائكة السماء إن هو استطاع القيام بالتكاليف، وحمل الأمانة على النحو الإسلامي الرشيد.

ولهذا كان من الواجب على المسلمين أن يبذلوا الجهد لنشر هذا الدين، ولن يتم القيام بهذا (البلاغ الحق) إلا إذا تشبّعت نفوس المسلمين بحب الجهاد بمعناه الشامل، حتى يفيض النور إلى غيرهم، كما تنتقل أشعة الشمس - هادئة مضيئة- إلى الإنسانية كلها.

والجهاد يتحقق ببذل الجهد والمال والنفس، وهو ليس فرضاً على الرجال وحدهم، بل هو مسؤولية كل مسلم ومسلمة حاز على شروط التكليف.

ولقد قسم الجهاد في بعض الآثار الواردة إلى قسمين: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، وهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، تهدف إلى إعلاء كلمة الله تعالى (كما يوضح المؤلف)، وعلى المسلم الصادق أن يجاهد نفسه أولاً، ويحملها على طاعة الله، حتى ترتفع إلى مستوى الإنسانية الحقة بالالتزام بأوامر الله، والانتهاء عن نواهيه، وهذا هو ما يسميه بعضهم اعتماداً على أثر وارد (الجهاد الأكبر).

أما (الجهاد الأصغر) فهو - من جانب - جهاد الإنسان بماله ونفسه في سبيل الله حفاظاً على مقدساته، وذلك إذا اقتضى الأمر قتال الأعداء وجهاً لوجه دفاعاً عن الدين والعرض والوطن والمال.

إن على المسلم أن يبدأ الجهاد بنفسه - أولاً- ومن ثم يظل مع نفسه في جهاد مستمر حتى يحب ما عند الله، ويسعى إلى السياحة في منازل الآخرة وهو لا يزال في الدنيا، ثم بعد ذلك يسعى لإسعاف القلوب الظمأى إلى الحق والحقيقة، فبجهاده لنفسه - أولاً- ولغيره ثانياً (وهذا جانب آخر من جوانب الجهاد الأصغر).

ولأن الله تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، فإن المسلم مكلف بأداء فريضة الجهاد عن طريق الإرشاد والتبليغ والدعوة المستمرة - بكل الأساليب المتاحة- إلى الإسلام.

ومن الجدير بالذكر أن كل إنسان مكلف بأداء هذه الفريضة ضمن إطار موضعه، وموقعه، وأحواله، وحسب إمكانه وإلا كان مقصراً في حق الإسلام.

وعلى المسلم أن يسعى لفك الحصار المضروب على المسلمين من قبل اليهود والنصارى والمشركين من أجل أن يجد فرصة للتعبير عن حقائق دينه، ولرفع راية هذا الدين.

والتاريخ يشهد أن المسلمين، سواء من خير القرون أم من القرون التي تلتها لم يظلموا أحداً قط في جهادهم مع أعدائهم، ولم يعتدوا على أحد، ويكفى أن عدد القتلى من المسلمين - بل من الطرفين - لم يتجاوز أربعمائة شخص طوال ثلاث وعشرين سنة من حياة الرسول الجهادية عليه الصلاة والسلام (انظر الوثائق السياسية لمحمد حميد الله).

لقد أذن الله تعالى للمسلمين بالجهاد المسلح للدفاع عن أنفسهم، وللدفاع عن من هم في ذمتهم، وللحد من الظلم، ولفتح باب حرية التبليغ الصحيح بحقائق الإسلام.

وقد قسم المؤلف الكبير الكتاب إلى ستة فصول.

الفصل الأول: مفهوم الجهاد

وبيّن أن "الجهاد الأصغر" (بمعناه القتالي) ليس إلا تنفيذا عملياً لأوامر الدين بشروط وقيود، وهو مجرد جزء من الجهاد. وأما الجهاد الأكبر فهو: (إعلان الحرب على جميع العوائق الكامنة في النفس الإنسانية، والتي تعيق المسلم عن الكمالات من حقد وغل وحسد).

فهذا الجهاد عسير وشاق، ولهذا سُمى بالجهاد الأكبر، ولأنه يستمر العمر كله.

وقد كان السلف الصالح (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) يجمعون بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر تطبيقاً لقول رسول الله (عليه السلام): "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله".

لقد كانوا فرساناً بالنهار؛ رهباناً بالليل، فلم ينسحبوا إلى الزوايا، أو ينشغلوا بالذكر وحده بمعناه المحدود، بل كانت حياتهم كلها ذكرا، وقد اندمجوا في المجتمع، وساروا بين الناس، فكان الجهاد الأكبر طريقاً لتيسير الجهاد الأصغر على النفس!. فالنفس المجاهدة العمر كله يسهل عليها الجهاد لأيام أو شهور معدودة.

ومن الرؤى الجديدة المتصلة بمفهوم الجهاد ما يراه المؤلف الكبير من أن مفهوم الجهاد قد كسب ميزة أخرى بظهور الإسلام، إذ صار علَماً على تحقيق إيصال الإنسان إلى الله (سبحانه وتعالى) بإزالة العوائق بينه وبين الله تعالى، وحيثما يذكر الجهاد في الوقت الحاضر يرد هذا المعنى على البال، (أو يجب أن يرد هذا المعنى على البال بالتعبير الصحيح).

ونتيجة لهذا يجب أن يتجه الجهاد - في مستوييه - إلى جهتين اثنتين: الأولى موجهة إلى الداخل والأخرى موجهة إلى الخارج، ويمكننا أن نعرّف كلاً من الجهادين بالآتى: إن بذل الجهد إلى الداخل عبارة عن عملية إيصال الإنسان إلى ذاته وإلى ربه، أما الجهاد الآخر الموجه إلى الخارج فهو عملية إيصال الآخرين إلى ذواتهم وإلى ربهم. والجهاد من زاوية أخرى هو غاية الإنسان، فلا مهمة على الأرض أفضل منه، إذ لو كان الأمر بتلك الوظيفة فجميع الأنبياء والأصفياء منذ آدم (عليهم السلام) قد بلغوا - بصورة عامة- مرتبة الأصفياء والاختيار، إما تحت ظلال السيوف أو بمحاسبة النفس.

ومن هنا فالبون شاسع بين القاعدين عن الجهاد بغير عذر، وبين المجاهين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، لا يصدّهم أي عمل كان عن الجهاد.

ونحن نلمح من كلام المؤلف الكبير أن المسلمين في مكة لثلاثة عشر عاماً، من بقي منهم فيها ومن هاجر إلى الحبشة كانوا في (جهاد أكبر) وقد كنا نتمنى أن يكون ذلك تصريحاً؛ لأن مكة تعدّ أصعب مراحل الجهاد الإسلامي بالنسبة لجيل الصحابة (رضوان الله عليهم)، وقد كانت أكثر وطأة على نفوسهم من مرحلة المدينة، وهذا يعني أن الجهاد الاكبر أصعب من الجهاد الأصغر، وأنه أيضاً يضم بين جوانحه صوراً من الجهاد الأصغر، قد تكون أقسى على النفس من لحظات القتال المباشر التي اصطلح على أنها (الجهاد الأصغر)؛ لأنها جهاد الساعات الأخيرة من مراحل جهادية إيمانية طويلة وصعبة.

يقول المؤلف الفاضل: إن الأحداث تبين أن الظروف المحيطة بالمسلمين في مكة بلغت حداً لا يطاق، حتى نفدت طاقة بعضهم فأمروا بالهجرة، بمعنى أن جهاد هؤلاء - في هذا الظرف- هو الهجرة، وفي الحقيقة أنه بعد مدة ستكون الهجرة هي الجهاد بعينه، وسيؤمر كل من أراد البيعة كشرط أولى.

ولقد هاجر المسلمون جميعهم إلى المدينة بعد هجرتي الحبشة، وبهذا أخذ الجهاد نمطاً آخر في العهد المدني، إذ أرسيت أسس الدولة الإسلامية.

وقبل الإذن بالجهاد - يقول المؤلف: لم يحرك المسلمون ساكناً، ولم يردوا بالمثل قط على الاعتداءات والتجاوزات على حقوقهم، أي أنهم قاموا مقاومة سلبية، وهي في رأينا من أقوى أنواع الجهاد، بل لم يفكروا بالمقابلة المادية (وهذا أصعب على النفس جداً) وكان الباغي دائماً جبهة الكفر، والمسلمون في وضع المظلومين والمهضومي الحقوق، واستمر الوضع على هذا المنوال مدة بعد الهجرة، وأخيراً أذن بالجناح الآخر للجهاد، ونزلت الآية الكريمة: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (الحج: 39-40).

فالذين منعوا من استعمال السيف يؤذن لهم الآن بالتسلح، فاندفعوا بحماس إلى إنفاذ الأمر، إذ كانوا يترقبون بنفاد صبر الموضع الملائم لاستعمال هذا الإذن (وهذا يعني أن الوضع الأول في مكة - كما يفهم من كلام المؤلف - كان أقسى من الوضع الثاني).

وبعد مدة أصبح الجهاد ليس إذناً فحسب، بل أمراً إلهيا، وأصبح المسلمون بعد ذلك مضطرين إلى الجهاد المادي بسيوفهم حتى إنهم عندما خرجوا إلى بدر كانوا يترفلون بالفرح والسرور، وكأنهم نودوا من الجنة، وحتى مفهوم الجهاد الأصغر كان رائعاً، وقد انتهى المؤلف إلى أن الجهاد ليس محصوراً في هذه الساعات القتالية تحت ظلال السيوف، بل يضم بين جناحيه أشكالاً أخرى متعددة حيث إن ميدان الجهاد واسع جداً يمتد من الشرق إلى الغرب، وعلى سعته وشموله قد يكون كلمة واحدة عند سلطان جائر - مثلاً- أو سكوتاً وصمتاً، أو تبسماً وطلاقة وجه، أو امتعاضاً ونفوراً، أو تركاً لمجلس، أو مشاركة فيه، وباختصار هو القيام بأي عمل من الأعمال لوجه الله، وتقويم الحب في الله والبغض لله في هذا السبيل.

إن الجهاد الموجه إلى الخارج مهما بلغت فيه التضحية والفداء، فإنه بمجموعه يعد ضمن الجهاد الأصغر، وكونه جهاداً أصغر إنما هو بالنسبة للجهاد الأكبر، وإلا فليس فيه جهة صغيرة قط، بل العكس هو الصحيح؛ لأن ما يكسبه من نتيجة، هي عظيمة للغاية، وكيف لا تكون عظيمة وهي ترشح المجاهد للدخول إلى الجنة؟.

فالجهاد الأصغر إذن - بإجمال - هو تنفيذ أوامر الدين عملياً، وأداء ما كلّف به الإنسان، أما الجهاد الأكبر فهو إعلان الحرب على جميع العقبات والعوائق الكامنة في النفس الإنسانية التي تعيقه عن الكمالات من حقد وحسد وأنانية وغرور وكبر وفخر وأمثالها من الأمور التي جبلت عليها النفس الأمارة بالسوء، فهذا الجهاد عسير وشاق، ولهذا سمى بالجهاد الأكبر.

والعلاقة بين الجهادين تكاملية، إذا ما رتبناهما ترتيبهما الطبيعي المنطقي... فالذي يظفر في الجهاد الأكبر يمكن أن ينظر إلى أن جهاده الأصغر - على الأغلب - محقق الوقوع، بينما لم يشاهد أحد خسر في الجهاد الأكبر، وظفر في الجهاد الأصغر إلا نادراً جداً، فهولاء لا يبلغون النتيجة، وإن أمكنهم إيصال الخدمة والعمل إلى مرحلة معينة.

وبهذا المفهوم المنطقي الواضح يقدم لنا صورة إسلامية عصرية رائدة في فقه المصطلحات الإسلامية الأصيلة، وضبطها بالضوابط الشرعية التي غابت - وما زالت تغيب - عن بعض العاجلين في الفقه التحليلي.

الفصل الثاني: وظائف الجهاد

وفي هذا الفصل يخاطب المؤلف الكبير المسلمين المأمورين بالجهاد مبيناً أن الجهاد (تجارة مع الله تنجي من عذابه، وهو مرتع خصب للبركة والعطاء، وهو منبع حياة لا موت فيه)، كما يبين أن ترك الجهاد من أهم أسباب ظهور الفرق والأحزاب، التي تناحرت - وأفسدت - كثيراً في حضارتنا الإسلامية، فكان المؤلف الكبير يقول للمسلمين حكاماً ومحكومين: إما أن تبعثوا في الأمة روح الجهاد بمفهومه الشامل، وإما فستخسرون في كل يوم تمزيقاً للبلاد، وتحريكاً للصراعات، وفتناً كقطع الليل الأسود، لا أول لها، ولا أخر لها، كما هو الواقع اليوم.

يقول المؤلف: الجهاد منبع يتدفق بالحياة، فيجعل المسلمين في حيوية مستديمة، فما من أمة حرمت أفرادها من الجهاد المادي والمعنوي، إلا ظهرت فيهم المشاحنات والمخاصمات الداخلية، ففسدت الأمة من داخلها وتعفنت، ولا جرم أن لهذا الأمر أسبابه الخاصة به، إذ لو انغمس حكام في حياة الشهوات والرذائل في القصور، وأهملوا إعلاء الله، ودبّت رخاوتهم وإهمالهم هذا في صفوف الجيش، فإن الدولة تفقد موقعها المرموق بين الدول، فضلاً عن البؤس والشقاء الأبدي الذي يلحق بالأمة، مع المخاصمات والمشاحنات الداخلية التي لا نهاية لها.

ونحن منذ تركنا الجهاد نمت فينا الفرق والتخريب، وما نشاهده في الوقت الحاضر من التكتلات والتخريبات والفرق ليست إلا ثماراً من حنظل وزقوم نمت من تلك البذور الجهنمية التي نثرت في تلك الفترة، ولا خلاص من هذه الحالة المميتة إلا بالجهاد.

ونحن نفهم من كلام المؤلف الفاضل أن أول وظيفة للجهاد - بعد رضا الله، والاستجابة لأمره - هي خلق الحيوية المستديمة في الكيان الإسلامي أفراداً وجماعات، فالجهاد الدائم - بشقيه الأصغر والأكبر - يعطي للحياة هدفاً ومذاقاً، ويصلها بالعالم العلوي.

أما الهدف الثاني فهو أنه - أي الجهاد - يحول دون التآكل الداخلي للأمة، ولعل كلامه هذا مستوحى من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا" فبدون الجهاد تكثر التمزقات والصراعات وأنواع الخراب الداخلي، ثم الخارجي في الأمة.

ولهذا كان الجهاد (مهمة الأنبياء والرسل) بمعناه الشامل، وتُعد كل لحظة في حياة الأنبياء جهاداً، وهذا داخل في معنى (الشهودية)، قال تعالى يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، أي شاهداً لتبليغ الإنسانية كافة بأن الله موجود حتى يقدروه حق قدره، ويعبدوه حق عبادته، وعلى خطى الأنبياء يأتي تابعوهم ليلغوا الشهادة أيضاً في سلسلة جهادية موصولة إلى يوم القيامة.

وهذه هي الوظيفة (الثالثة) للجهاد، التبليغ على هُدَى الأنبياء، والشهادة على الناس لإقرار موازين الحق وإبطال الباطل.

أما الوظيفة (الرابعة) للجهاد فهي إيجاده الشعور بالعزة والفروسية.

الفصل الثالث: علاقة الجهاد- المؤمن - الكون

أما الفصل الثالث فقد عالج المؤلف الكبير علاقة الجهاد بالمؤمن وبالكون، حيث إن المؤمن مكلف بالجهاد الشامل لتحكيم منهج الله تعالى في الأرض، ليسود الحق والعدل، ولتكون الكلمة النافذة لعباد الله الصالحين، قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (الأنبياء: 105).

وبما أنه مما لا شك أن لكل فرد من الأفراد وظيفة تناط به في هذه الحياة الدنيا التي لا قرار فيها لشيء، فالأموال تنفد والعمارات تخرب، ولا ينفع الإنسان إلا ما أرسله من هاهنا إلى هناك - أي من الدنيا إلى الآخرة- فما عليه إلا العمل الدائب والسعي الجاد ليتمكن من إرسال شيء إلى هناك قبل الرحيل إليه.

والجهاد بمعناه الشامل هو الذي يوفر أكبر ادخارات تصل إلى حسابنا في بنك الآخرة.

ولهذا فإن الذي يقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والصحب الكرام (رضوان الله عليهم أجمعين) قد ماتوا وانتهوا، فهو الميت حقاً، ذلك لأنهم سنوا سنناً حسنة عظيمة ولهذا تتضاعف حسناتهم وفضائلهم ومزاياهم وترتفع حتى تبلغ العرش الأعظم، فهؤلاء - بلا شك - آمنون من عذاب القبر؛ لأن هذا العذاب يخص الأموات.

ولكي تدركوا قيمة الجهاد - أيها المؤمنون - فعليكم إذن أن تصوموا ألف يوم، وتقيموا ألف ليلة كي تبلغوا ثواب المرابط ليلة واحدة في سبيل الله تجاه العدو الذي يريد الحلول في بلدكم وتخريب أمتكم، بل هذا أرضى لله، وأكثر قبولاً عنده.

من المؤمنين من يوفي بمهمة الجهاد حق الوفاء، فينال الفضائل التي ذكرناها آنفاً، ومنهم من يعجز عن القيام الفعلي بالجهاد، ولكن ينال جزاء عمله مثل أولئك، فضلاً منه سبحانه وتعالى بمعنى أن من يعمل في سبيل الإيمان والقرآن - ولو حمل حجراً للبناء - لا يضيع عمله هباء أبداً، ولهذا ينبغي على كل مسلم أن يشترك في هذه المأدبة العظيمة بما منحه سبحانه من إمكانات وقابليات ليغنم النتيجة الحاصلة من عمل الجميع. وفي ضوء هذا تتجلى العلاقة الحميمة بين الجهاد والإيمان، وهي علاقة توجب على المؤمنين أن يكونوا على استعداد كامل لما قد يُداهمهم من أخطار حقيقية في قابل الزمان، ولا يدخروا شيئاً من صحتهم وشبابهم إلا وبذلوه في هذا السبيل، وعليهم أن ينسقوا حياتهم وفق ذلك لئلا يقعوا في ورطة وحرج أمام ما يستجد من أحداث فيقلقوا ويضطربوا ويحاروا تجاهها.

وبالإضافة إلى هذا فإن الجهاد - المادي والمعنوي - أعظم دافع ودستور للحياة الإسلامية، وعندما تخبرو روح الجهاد في نفس المؤمن، تحيط به الفتن من كل جانب حتى تمسّه ألسنة لهيبها، وذلك لأن الفتن تولد فتناً أخرى، فتغدو بيوت هؤلاء ومحالهم، وأزقتهم، وأسواقهم في النهاية أوكار لعنة وفساد حتى تخور قواهم أمام الأحداث الرهيبة، فلا ينبض لهم عرق تجاه حادث أو فعل!..

إن تكامل الفرد والأسرة والمجتمع، مرهون بالجهود التي تبذل في سبيل إعلاء كلمة الله في الحياة والمجتمع، فإن قدم المؤمنون شيئاً من الهمة والجهد بتجوالهم في القرى والأرياف، قرية تلو الأخرى، قصبة إثر قصبة، يبلغون الناس دعوة الله الحقة؛ فهذا يعني أن الله سيحيي ذلك المجتمع من نواحيه كافة. أما إن كان المجتمع محروماً من هذه الروح فإنه يتهاوى على رؤوس أفراده إن اليوم أو غداً أو بعد غد، وإن غداً لناظره قريب، وهكذا؛ فبالجهاد الشامل يكتمل المؤمن كل آن، وبدونه ينقص في كل يحين، ولو عميت بصيرته عن إدراك سلم الإنحدار. ولهذا أحب صحابة رسول صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله، إدراكاً منهم بقيمتها في حياتهم، وأيضاً لإعلاء كلمة الله، ولعل هذا يتألق فيما كان من أنس ابن النضر، والبراء بن مالك (رضى الله عنهما) وفي غيرهما أيضاً من هؤلاء الآلاف الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله.

فأما أنس بن النضر فهو من الربانيين "ممثلي الحاكمية"، فأنس لم يشترك في معركة بدر، ولكنه عاهد الله تعالى أن يريه من نفسه خيراً، ولما جاءت موقعة أحد، دخلها شاحذاً كل طاقته وهمته حتى أوشكت الحرب أن تضع أوزارها، فتألم لأنه لم يفز بالشهادة، وفجأة حدث الاضطراب والتشتت في صفوف المسلمين، وأشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل... فقال أنس: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء" يعني (الكفار - صبيان الظلام والجهل؛ الذين لا يعرفون الله ورسوله) "وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء" (يعني المسلمين بعدم امتثالهم لأمر النبي)، ثم اندفع نحو صفوف الأعداء يقاتل بكل قوته، ووجد شهيداً، وفيه بضع وثمانون ضربة ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، حتى قالت أخته: "فما عرفت أخي إلا ببنانه".

وهكذا كان أنس بن النضر من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حتى نال الشهادة!..

وأما البراء بن مالك فقد كان شجاعاً جسوراً لدرجة أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رفض أن يوليه قيادة جيش المسلمين - مع حبه الشديد له، وثقته فيه - خشية أن تؤدي جسارته الفائقة إلى عدم الحذر!..

وكان البراء مستجاب الدعوة، وقد وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "كم من أشعث أغبر، ذي طمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره؛ منهم البراء بن مالك" (رواه الترمذي).

ولما كانت معركة الأهواز بين المسلمين والفرس تشتت صفوف المسلمين، ففزغ المسلمون إلى البراء أبن مالك يسألونه الدعاء، فرفع يديه قائلاً: "اللهم اهزم العدو، وانصرنا، وأبلغني نبيك"، ثم نظر إلى أخيه - أنس بن مالك رضي الله عنهما نظرة وداع، ودخل بسيفه على صفوف الأعداء، فانتصر المسلمون، وسقط البراء شهيداً، ليتحقق له أن يكون رفيق النبي (عليه السلام) في الجنة.

وعلى يد هذا الجيل العظيم الذي رباه الرسول (عليه السلام)، وعلى يد أتباعه وتلامذته عبر القرون بقيت راية الإسلام الجهادي مرفوعة، وقد بقى ذوو الأخلاق الفاضلة من بعدهم هم الذين يحكمون الأرض.

وليس المقصود هنا بالأخلاق الفاضلة التردد على المساجد أو ما شابه ذلك فحسب، بل هو الاتصاف بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في كافة مرافق الحياة؛ لأنه بهذه الأخلاق يدرك الإنسان معنى الأشياء والحوادث وعلاقة الإنسان بالكائنات، وفيها أيضاً المحافظة على التوازن التام من سبر غور الأنفس والتفكر في سعة الآفاق، وبمعنى أوسع من قدر على إدراك الخلود فهو الذي حقق الصلاح بمعناه الحقيقي.

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام - حتى لا تلتبس المفاهيم - أن هؤلاء الصغار، الذين يثيرون الإرهاب والفوضى في أنحاء العالم، ويرتكبون الجرائم تلو الجرائم، ويستغفلون الناس - ولا سيما الشباب - بمشاكل سياسية، ويختلقون شعارات سياسية لجذب الرأي العام، ويتعدون بعقولهم تاركين الشورى فيما بينهم... هؤلاء لا يمكنهم قطعاً أن يؤسسوا لمنهاج تحكيم شرع الله في الحياة، وسيفيقون من غفلتهم يوماً من الأيام عند شروق شمس الإسلام، وعندها يندمون، حيث يدركون تخبطهم في ظلمات دامسة، فيعترفون بخطئهم.

بقي أن نشير هنا إلى أن المؤلف الكبير يذكر أنه لم تمض زهاء خمس سنوات على خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى خضعت بلاد شمالي أفريقيا كلها لحكم الإسلام، ومن جهة أخرى، اجتاز جيش المسلمين بحر الخزر، وفتحوا طبرستان، وعقب ذلك، فتح ما وراء النهر، أي أن الإسلام بلغ سد الصين.

وقد لا يكون هذا الكلام دقيقاً - بهذا الأسلوب - من الناحية التاريخية - فالصحيح أن جزءاً قليلاً من شمال إفريقية هو الذي خضع لحكم الإسلام في هذه الفترة، وينحصر هذا الجزء في برقة وطرابلس غرب مصر.

ولم يخضع الشمال الإفريقي كله لحكم الإسلام إلا بعد ثلاثة عقود من قيام بني أمية؛ أي على يد حسان بن النعمان، وموسى بن نصير، في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي.

الفصل الرابع: مكتسبات الجهاد

وقد تعرض المؤلف الكبير في هذا الفصل لنتائج الجهاد، أو حسب تعبيره (مكتسبات الجهاد)، مشيرا إلى المخاطر الناجمة عن عدم قيام المؤمنين بهذا الواجب، وهو ما يترتب عليه أن تصول الفوضى في البلاد الإسلامية، فتتأجج نار الفتنة، وتزول عن الناس الطمأنينة. فالجهاد - بالدرجة الأولى - ضمان للاستقرار الداخلي والخارجي، وضمان لعزة المسلم، أما (الإرهاب) فأجنبي المنشأ، وهو يهدف إلى زعزعة استقرار الأوطان الإسلامية، حتى تخور قواها فتخضع للأعداء، كما يهدف الإرهاب إلى شغل المسلمين عن هدفهم الأسمى، وهو الجهاد. وما يهدف الإرهابيون - مهما كانت أسماؤهم إسلامية - إلا إلى أن يحولوا هذا الوطن، الشبيه بالجنة إلى جحيم لا يطاق، ولا أسهل من إرغام دولة خارت قواها نتيجة الإرهاب والفوضى، وهذا ما يصبو إليه الأجانب، فهم يريدون أن تتحول هذه البلاد إلى مستعمرة يستغلونها. والإرهابيون والفوضويون جميعهم ما هم إلا عملاء أولئك المستعمرين، ولكن لن يصلوا إلى مبتغاهم - بإذن الله - وسيحيق المكر السيء بأهله، وهنا أمر مهم، وهو أن الانشغال بالإرهابيين والفوضويين سيؤخرنا عن بلوغ ما نصبو إليه من هدف، أليس هذا ما يريده أعداؤنا بالدرجة الثانية؟

وفي لمحة ذكية يكشف المؤلف عن دور الدول الكبرى في صناعة الإرهاب... يقول: أحياناً تقوم الدول بإحداث الفوضى والإرهاب، كما تفعله أمريكا وروسيا والصين، فالوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن حينذاك أن يستعمل كل طاقاته وإمكاناته إلى أقصى حد ممكن، ويجابه الفوضى والإرهاب المفتعل، وعندما يبلغ الأمر إلى هذا الحد، فمعنى ذلك أن الدولة قد أصبحت تحت رحمة الأعداء، وعندئذ فالواجب قد ألقي إذن على كاهل كل فرد.

وما يقال في هذه الحالة يقال في حالة مشابهة وهي استئجار الدول الكبرى لقطاع من الجيش الوطني للقيام بهذا الإرهاب لتشويه الإسلام، وإشعال الفتن!.. وعلى المسلم مواجهة الموقف بالأسلوب نفسه.

وأخيراً... بالنسبة لهذا المكتسب الأساس من إحياء فريضة الجهاد الشامل، يؤكد المؤلف أنه سواء أكانت القلاقل والاضطرابات ناشئة من الفساد الداخلي، أم من الأزمات الناجمة من الإرهاب والفوضى، أو من الضيق والقلق الذي يولده الاعتداء من الخارج، أم من أي من الآلام التي تصيب المسلمين، سواء هذا أم ذلك فكل هذه البلايا وغيرها لا حل لها إلا بالجهاد المادي والمعنوي.

فالخلاصة أن الجهاد هو ضمان استقرارنا الداخلي والخارجي، فالدنيا التي لا جهاد فيها بلا ضمان ولا أمان يحققان الحياة المطمئنة اللائقة بالإنسان.

أما (المكتسب الثاني) من مكتسبات إحياء الجهاد (بمعناه الشمولي)، فيتمثل في أن الجهاد يحول دون الذل والهوان، وذلك لأن المؤمن إنما يعز بما يقدمه من جهاد داخلي وخارجي، وحينما يترك ما يترتب عليه من واجب، وتستهويه لذائذ الحياة، وينحصر همه في أذواقه الشخصية، يفقد المهابة والعزة، ويذل ويهان، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول في حديث طويل: "وتركتم الجهاد... سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".

وهذا يعني أن الحياة العزيزة إنما هي في تحمل بعض المشقات باسم الجهاد، والأمة عموماً تستحق هذه الحياة العزيزة عندما تقاوم وتثبت تجاه تلك المشقات، فلو ترك كل فرد منها الجهاد منغمساً في لذائذ حياته الشخصية، عندئذ يحل العذاب الإلهي العام عليها، فيصيب الظالم والمظلوم، والبرئ والمذنب، ولهذا لابد للأمة من التمسك بالجهاد ككل، كي تحول دون نزول البلاء عليها جميعاً.

الفصل الخامس: عوائق الجهاد

أما في الفصل الخامس فقد عالج الأستاذ كولن عوائق الجهاد، موضحاً أنه لا يمكن أن يتحقق الانسجام بين الجهاد وحياة الدعة والافتتان بلذائذ الحياة والحظوظ الشخصية، والذي لا يضحى بهذه المتع لا ينتظر منه القيام بمهمة جليلة كالجهاد.

وعلى العكس من ذلك، فإن عشاق الجهاد يتجاوزون كل عوائق الجهاد، من مظاهر الدعة، وحب الدنيا، كالزوجة والأولاد والمناصب، وعندهم أن (الجنة ورضا الله) أفضل من كل ذلك.

وقد قدم المؤلف الكبير غزوة تبوك كصورة نموذجية لمشكلة العوائق، وكيف يتجاوزها المؤمنون ويفتعلها المنافقون، فمن المعروف أن المسلمين قد رجعوا تواً من السفر، وكانوا بحاجة إلى أخذ قسط من الراحة للتأهب لسفر جديد، وقد حان وقت حصاد الثمار، والجو شديد الحر، وفي هذا الوقت بالذات دعا الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى السفر للجهاد.

وفوراً استجاب المؤمنون بما لديهم من غال ونفيس لهذه الدعوة، فأتى سيدنا أبو بكر بكل ماله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وخصص سيدنا عمر الفاروق نصف ماله لهذا الغرض، وما بذله سيدنا عثمان لا حدّ له، أما سيدنا على فقد اعطى قسماً من ماله سراً وآخر علانية وفق إدراكه الخاص للإخلاص، ودفع سائر المؤمنين ما يملكون كل حسب استطاعته، فدخل الجميع في سباق للبذل والإنفاق والمنافسة في الخير بآخر ما يملكونه، والنساء اشتركن أيضاً في هذه المسابقة للخير، حتى امتلأت حجرة أمنا عائشة رض الله عنها بحاجات نسائية، إذ قدمن ما يملكن من حلى، فمنهن من نزعن قلائدهن وأسوارهن وأقراطهن، وقدمنها لهذا الخير العظيم.

وهكذا كانت إجابة المؤمنين لدعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ متجاوزين بإيمان عميق كل العقبات، أما المنافقون فكانوا يشترطون لإجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بألاّ يكون السفر طويلاً، ولا الجو حاراً، ولا يكون في موسم الحصاد، أي أنهم يفتعلون العوائق.

ومنهم من يأتي باقتراح آخر فيستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان "الجدُّ بن قيس" من هؤلاء، مع أنه كان يسرع إلى الصلاة بمجرد سماعه الأذان، ولكنه لم يتمكن من غرس الإيمان في أعماق قلبه، بحيث يتحول إلى إذعان، ولم يترفع عن أهواء نفسه، فعجز عن أن يعزم أمره في الانخراط مع المضحين... ولهذا فإنه جاء إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول يعالج فرسه بيده الشريفة ليضرب نموذجا للمصحابة، وعندما شاهد "الجدّ بن قيس" قال: "حتى أنت لا تأتي معنا؟" إذ لم يكن ممن ينتظر منه التخلف، ولكن الله لم يمحنه هذا الشرف العظيم فتقدم إلى الرسول الكريم ليستأذنه قائلا: "يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء منى، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن".

وجاء آخرون "وقالوا لا تنفروا في الحر" فكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم، هو جواب القرآن قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون (التوبة:81)

نعم، القرآن الكريم يستنفر المؤمنين جميعاً للجهاد، وسنكون من الفائزين أو الخاسرين حسب استجابتنا لهذه الدعوة، فإما تقول: عسير علينا ترك لذائذ هذه الحياة كما قاله المنافقون، أو نعمل بمثل عمل الصحابة الكرام، الغر الميامين، فنأتي بما لدينا ونتأهب للجهاد... رافضين عيش الدعة والترف وعبودية الأشياء!.

ولئن كانت حياة الدعة والترف هي العائق الأكبر ضد الجهاد، فكذلك إعطاء الحياة نفسها أكبر من حجمها يُعدُّ عائقاً من أكبر العوائق في سبيل الجهاد أيضاً، ولو أننا عرفنا أن ما نعيشه حقيقة - بعد النوم والكدح والمرض - لا يزيد عن عشرين سنة في المتوسط لعرفنا قيمة الدنيا... ولكم من أناس يمضون حياتهم في كدح، وغم، وسجون، فلا يتذوقون من الحياة إلا أقل القليل.

كما أننا نعلم بيقين أن الأجل الذي قدَّره الرب الجليل لا يستقدم دقيقة ولا يستأخر، وأننا نموت في الوقت الذي عينه الرب الجليل؛ فلا يمكن أن يحدث شيء دون إذنه وأمره، فلا نجاة من الموت إذا أقبل، ولا اللقاء به قبل أوانه، فالذين تعقبوا الموت لم يظفروا، كما لم ينجوا منه بالفرار منه، ولما كان الموت لا يحل بأحد إلا في وقته المعين، فالأفضل أن يموت المرء عزيزاً.

وهكذا، فإن معرفة قيمة هذه الدنيا الفانية، الحافلة بالمنغصات، مقارنة بالآخرة العامرة بكل نعيم والخالية من كل الشوائب، والخالدة.

هذه المعرفة تزيل كل العقبات الأصلية أو الفرعية التي يضعها الشيطان أمامنا لنتخلى عن فريضة الجهاد الشامل.

الفصل السادس: من عشاق الجهاد

وفي الفصل السادس والأخير يركز المؤلف الكبير على بيان أبرز النماذج الرائعة التي عشقت الجهاد، وبذلت في سبيله ما يبذله العاشق للمعشوق!..

فكان طبيعياً أن يكون أول نموذج يختاره المؤلف هو سيدنا، وسيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اختار المؤلف بعد رسول الله عمر بن الخطاب، ثم عمرو بن الجموح وهو يدخل بعرجته الجنة، ثم سعد بن خيثمة، وكان شيخاً كبيراً مريضاً، حاول أولاده منعه من الجهاد، فحكم له رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد، فوجده هو وصاحبه عمرو بن الجموح رضي الله عنهما شهداء في سبيل الله، ثم جعفر الطيار، شهيد مؤتة.

ثم عرض المؤلف (لأبي عقيل) شهيد يوم اليمامة و (عبدالله بن حرام) والد جابر بن عبدالله (رضي الله عنهما)، وقد مات شهيداً في أحد فكلمة ربه تبارك وتعالى، ثم تحدث عن حرام بن ملحان (رضي الله عنه) وقصة القراء السبعين في بئر معونة، وكان رسول الله  قد أرسلهم إلى قبيلة عمرو بن طفيل للدعوة والإرشاد، وكان من بينهم حرام بن ملحان - خال أنس بن مالك- فأراق المشركون دماء القراء، وأصبحوا أحياء عند ربهم يرزقون، ولم ينس المؤلف سيد الشهداء - أسد الله وأسد رسوله - حمزة بن عبد المطلب، ثم ختم بعبد الله بن جحش شهيد أحد.

ويختتم المؤلف الكريم (الشيخ فتح الله كولن) كتابه الرائع بهذه الكلمات التي يجب أن تكتب بالذهب، وأن يستظهرها كل مسلم:

• إن المؤمن الحق ليفضل الموت الشريف على العيش الذليل.

• بل إن أفضل ما يقدمه المؤمن الذي أمضى حياته في طاعة الله أن يختمها بالشهادة؛ لأن الشهيد يمضي إلى ربه دون حساب، حتى في المواضع التي يحاسب فيها الأنبياء.

• إن لباسه الملطخ بالدم يمنحه هذا الامتياز.

• وما دام المؤمن يسعى لإنقاذ الإنسانية فسوف يقابله كفار مصرون على الكفر، وهذ يعني أن الجهاد مستمر، بل إنه ماض إلى يوم القيامة.

• ونحن مكلفون بتعريف الناس بربنا (عزوجل)، وبإنارة كل زاوية مظلمة في بقاع الأرض بنور القرآن الكريم.

وفي نهاية هذا الشوط فإننا نقتبس من كلام الشيخ (فتح الله كولن) هذه الكلمات الرائعة.

إننا نبكي وراء الشهداء، ونرق على أيتامهم الذين تركهم. بينما هم يبكون على الوضع الأليم لأهل الدنيا وعلى الدنيا التي أصبحت صنماً يعبد من دون الله.

وعلى الحياة التي غدت تمضي في رخاء وراحة ملفعة بالذل والبؤس.

وعلى القعود عن الجهاد في سبيل الله.

وعلى التكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الليالي التي تمضي سوداء مظلمة.

وعلى السجاجيد التي لم تبتل بالدموع الغزيرة.

وعلى الانكسار لوضع المسلمين الأليم.

إن الشهداء في عيش رغيد وحياة ملؤها السعادة والطمأنينة.

أليسوا في كل لحظة مع الله (سبحانه وتعالى)؟!.

أليست حياتنا المعيشة كالجحيم قياساً بحياتهم الخالدة؟

إن هذه الحياة التي أصبحت وسيلة لدخول الشيطان لإبعادنا عن الله، جل وعلا، هي حياة يرثى لها، وصعب تحملها. ولكن، كم هو مؤلم أننا نعيشها بلهفة ومحبة ورغبة!.

وأخيراً جزى الله المجاهد الكبير الشيخ فتح الله كولن خير الجزاء، فلقد قدم - بحق - فكراً إسلامياً نابضاً بالحياة، قادراً - لو وجد الرجال - على صياغة حياة تليق بالمسلم في عصور المادية والتنكر للدين... في القرن الخامس عشر للهجرة (الحادي والعشرين الميلادي) وفيما بعد من القرون.

إنه لم يكتب كلاماً يعبر الزمان، بل كتب كلاماً قادراً على التواصل الحقيقي والتفاعل الرشيد مع كل الأزمان، ومع كل إنسان!..

 
< السابق   التالى >