ما الإلفة؟ وما تأثيراتها السلبية؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

الإلفة تأتي بمعنى التعود والصداقة والمحبة. أما المعنى المقصود هنا فمع كونه ذا علاقة بهذه المعاني بعض العلاقة إلاّ أنه أكثر شمولاً. ‏الإلفة هي علاقة الإنسان مع الأشياء والحوادث والمعاني الحاصلة من هذه العلاقة، وانعكاس هذه المعاني وهبوب نسيمها في أعماق نفس ‏الإنسان، ثم التغيرات التي تحدثها في سلوك الإنسان. وهكذا فهناك سلسلة متعاقبة من الوقائع وما تنتجها من شؤون تبقي الروح حياً ‏وديناميكاً وحساساً.

أجل! إن حساسية الإنسان وإعجابه بجمال الوجود وجاذبيته، وإعجابه بالنظام الموجود الذي يعمل أدق من الساعة، وما يثيره هذا ‏النظام في نفسه من مشاعر الفضول والدهشة، ثم زيادة خبرته ومعرفته بعد كل اكتشاف يتوصل إليه، ثم وصوله إلى التفكير المنهجي ‏بعد ربط أجزاء معلوماته بعضها مع بعض.. هذه الأمور تحفز مشاعره وحركة ذهنه وفعالية روحه وتجعل الإنسان في يقظة روحية.‏

أما إن بقي دون مشاعر ودون أحاسيس أمام آلاف من لوحات الجمال والنظام ودون أي مبالاة... لا يبحث عن أسباب وعن حكم ‏ما يراه، بل يمر لاهياً وغافلاً فهذا أمارة على موت أحاسيسه وروحه وعمى بصيرته. فكتاب الكون المليء بالأسرار لا يعني بالنسبة لهؤلاء ‏شيئاً ولا تتفتح عوالم النفس الإنسانية أمام أنظارهم ورقة ورقة:(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّموَاتِ وَاْلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرضُون) ‏‏(يوسف: 105)، لم يستفيدوا مما حدث ومضى، ولم يعتبروا مما يأتي أو يمضي.‏

كل إنسان يحدس ويفهم ما يحدث حواليه، ويحس بالإعجاب بالوجود وبالفضول لاستكناه أسراره، هو مثل شخص نشر شراع ‏سفينته في بحر لا نهاية له. وهو في سياحته هذه يحصل على المفاتيح الذهبية لقصور الأسرار وقلاعها. وكلما نهل روحه وقلبه ‏وأحاسيسه النقية وذهنه التركيبي من هذه الأسرار رأى في كل موضع جنائن معلقة فتتحول دنيا أفكاره إلى نوع من جنة الفردوس.‏

أما من لم يصل إلى هذا الفهم وإلى هذا الروح فنراه يشكو على الدوام من الضيق والملل والسأم. ومن الوتيرة الواحدة التي تسير ‏عليها الحوادث، لأنه لم يستطع الخلاص من أسر ما اعتاد عليه أو ما ألفه. فكل شيء بالنسبة لهؤلاء فوضى، وكل شيء ظلام، وكل ‏شيء دون معنى: (وَإِنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا) (الاعراف: 146) أي هناك سلاسل على عقولهم وأكنة على قلوبهم: (وَعَلَى سَمْعِهِم ‏وَعَلَى أَبْصَارِهِم غِشَاوَة) (البقرة: 7)، إن انتظار أي خير أو أي ثمرة من أمثال هؤلاء عبث لا طائل تحته. ‏

ثم هناك انغمار في الإلفة بعد المعرفة والمشاهدة، أو ما يُحسب ويظن أنه معرفة ومشاهدة. وأعتقد أن السؤال موجه نحو هذه النقطة، ‏أي بعد القيام بالحصول على بعض المعرفة وبعض العلم، والظن بأن كل شيء قد انتهى، فيغرق في عالم الإلفة والعادة ولا يحس بأي ‏علاقة واهتمام بالتغيرات والتحولات الحاصلة في الدنيا، ولا بعالم الجمال المتجدد دوماً وأبداً والداعي إلى التأمل والعبرة وزيادة القلب ‏والروح عمقاً وسعة.. أي يتحول إلى كائن لا يحس ولا يأخذ عبرة من أي شيء. وهذا يعني -والعياذ بالله- سقوطاً للإنسان، وموت ‏أحاسيسه ومشاعره.‏

فإن لم يسرع من ابتلي بهذا إلى رفع الغشاوة عن عينيه بسرعة وإن لم يبادر إلى تأمل الحكم والأسرار الموجودة في الأشياء حواليه، ‏وإن لم ينصت بسمعه وقلبه إلى الملأ الأعلى، وإلى الرسائل والإشارات الإلهية منها، ويحاول فهمها، فالمصير المحتوم أمامه هو الموت ‏المعنوي، والاحتراق الداخلي الذي يحوله إلى فحم ورماد.‏

ولهذا أرسل الله تعالى خالق هذا الكون بين فينة وأخرى مرشدين، وجهزهم بمعجزات واضحات، قاموا بإيقاظ الغافلين وفتح العيون ‏للنور، والقلوب للانشراح والمعرفة ولتنبيه عقول وضمائر الذين سجنوا أنفسهم داخل أسوار الإلفة والعادة، وطلبوا منهم إعادة التأمل في ‏ملكوت السموات والأرض.‏

لذا فقد ذكر الله تعالى في كتابه وفي مواضع عديدة وبعبارات وأساليب مختلفة كيف أنه خلق الإنسان وجعله في الأرض خليفة، ‏وخلق له زوجه ليسكن إليها، وجعل بينهما مودة ورحمة، ووجه الأنظار إلى تأمل السموات والأرض، وإلى عظمة خلقه وإلى اختلاف ‏ألسنة الأقوام وألوانهم، وإلى اختلاف الليل والنهار وتعاقبها، وإلى النعم التي يرسلها مع الأمطار والبروق.. أي لم يبق هناك مجال واعتبار ‏لأي ألفة بعد كل هذا التذكير والدعوة إلى التأمل‏‎ ‎‏: (وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ‏‎ ‎‏# وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ ‏لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَة إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ # وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّموَاتِ ‏وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُم إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ # وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ ‏لآيَاتٍ لِقَومٍ يَسْمَعُونَ # وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِى بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ ‏يَعْقِلُونَ) (الروم: 20-24).‏

فهذا البيان السماوي يبدد الإلفة بمئات من تنبيهاته وإرشاداته إلى التأمل والتفكر في آلاف الخوارق والمعجزات الجارية في الكون. ‏ولكن مع هذا يوجد من لا يستطيع سماع أو تدبر الحوادث والآيات الموجودة حوله وفهمها. وهؤلاء هم أمثال السمك التي تعيش في ‏البحر ولا تعرفه.‏

وهناك شيء آخر في هذا الخصوص، وهو الإلفة في الفكر والتفكير والتصور، وهذا ينعكس على سلوك الإنسان وعلى عبادته. ومثل ‏هذه الإلفة والاعتياد يعني موت الوجد والعشق والأحاسيس لدى الفرد. والفرد المبتلى بهذه الإلفة يزول عنه الإحساس بالمسؤولية ‏والنفور من الإثم والبكاء على الآثام التي يرتكبها. ومن الصعب إرجاع مثل هذا الفرد إلى حالته الأولى، ولا يفيد معه سوى تذكرة طيبة ونقية ‏لكي يرجع إلى نفسه ويجدها من جديد ويرى ما حوله بعين متفحصة وقلب متأمل.‏

إن أردنا أن نعيد بناء الإنسان وتجديد روحه، فعلينا أن ننفث فيه هذه المعاني. صحيح أن هناك ميلاً عند الإنسان نحو الجمود ‏والتحنط، ولكن تجديد نفسه ليس مستحيلاً كذلك، إذ يكفي أن تمتد إليه يد بمبضع الجراحة لتمنع هذا الجمود وتجدد دورة دمه: (أَلَمْ ‏يَاْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْل فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ ‏قُلُوبُهم وَكَثِيرٌ مِنْهُم فَاسِقُونَ) (الحديد: 16).‏

ونستطيع القول كخلاصة إن الإلفة تعد مصيبة كبيرة للإنسان وإن الكثيرين معرضون لها. والذي يقع فيها يكون غافلاً عما يحدث ‏حواليه، ولا يبصر الجمال الموجود في كتاب الكون، ولا يسمع صوت الحق من ألسنة الحوادث لأنه أصم، لذا يكون إيمانه سطحياً وغير ‏كاف. وتكون عبادته باردة لا روح فيها ولا وجد، وفي تعامله البشري دون رقيب أو حسيب، وخلاصه منها مرتبط بامتداد يد عناية ‏قوية نحوه لكي يرى من جديد ويسمع من جديد.‏

يحتاج من سقط في هاوية الإلفة إلى تأمل عميق في الآفاق وفي الأنفس، وتذكر للموت ولمشاهد الآخرة، وزيارة لمؤسسات الخدمات ‏الإيمانية، وتكليفه ببعض المهمات والوظائف الإيمانية، وإطلاعه على الصفحات المشرقة لماضينا، وجمعه مع أصحاب الفكر والثقافة ‏وأصحاب الوجد والقلب لتتهيأ له فرصة تجديد نفسي هناك. وإضافة إلى الاقتراحات أعلاه هناك اقتراحات ومجالات أخرى يمكن ‏التفكير فيها والانتفاع منها، إلاّ أننا نكتفي بما ذكرناه لكونه أعطى فكرة ملخصة حول الموضوع. ندعو من الله تعالى أن يزيل الإلفة ‏والعادة من قلوبنا، فمفاتيح القلوب كلها بيده.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri