المدخل طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

الجهاد بالمفهوم الذي يدركه الجميع هو النضال والكفاح في سبيل إعلاء كلمة الله. وقد وُجد هذا النضال منذ أن وُجد الإنسان ‏نفسه على الأرض وسيمضي إلى أن يرث الله الأرضَ ومَنْ عليها، وما المخاصمة التي حدثت بين ابني آدم عليه السلام إلا أول مثال ‏له.

الجهاد لغةً كلمة واسعة المعنى، تتسع باتساع الأحوال وعوارض الظروف لكل عصر، إذ قد يتحقق أحياناً بالتضحية بالغالي ‏والنفيس من الأموال، ويبلغ أحياناً أخرى درجة الفداء بالنفس في هذه السبيل. ومن هذه الزاوية فإن تعريفه بأنه "قتال الأعداء" ما ‏هو إلاّ تحديد وتقليص لمعناه الواسع الشامل.‏

ولقد كسب الجهاد في عصرنا الحاضر خواصاً متميزة، حيث تحولت دنيانا إلى ما يشبه القرية العالمية، وتوسعت فيها وسائل ‏الاتصال والنقل توسعاً هائلاً قد لا يتصوره خيالنا، وقد أثر توازن القوى العالمية - إلى حد ما - بمعناه ومفهومه.. لذا فلا شك أن ‏شكل الجهاد سيكون أيضاً مختلفاً في هذا العصر.. ولا يعني هذا تغيّر معنى الجهاد ولا مضمونه.‏

وقد أضاف بديع الزمان سعيد النورسي بُعداً آخر جديداً لمصطلح الجهاد وذلك بقوله: "الظهور على المدنيين يكون بالإقناع". ‏فإذا ما تصورنا سيطرة تيار الفلسفة الوضعية والمذهب العقلي حتى على العالم الإسلامي، فضلاً عن العالم الغربي، فإن تبليغ الإسلام ‏بلا شك إلى هؤلاء الناس سوف لا يكون ضمن ذلك المعنى الضيق للجهاد الذي ذكرناه آنفاً، أي "القتال"؛ إذ إن جهاد أولئك إنما ‏يتحقق بإجراء مقارنة بين أسس النظم التي ارتضوها - الواحد تلو الآخر - مع أسس الإسلام. نعم إن جهادهم لا يتحقق إلاّ بهذا ‏الأسلوب، أسلوب الإقناع.‏

والجهاد في الوقت نفسه - حتى الجهاد المادي - ليس فرضاً على الرجال دون النساء بل هو مسؤولية تقع على كل مؤمن مسلم ‏حاز على شروط التكليف سواءً أكان رجلاً أم امرأة. فإذا ألقينا نظرة على الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المتعلقة بالجهاد ‏نشاهد هذه الحقيقة بوضوح، علماً أن نماذجها التطبيقية تملأ خير القرون وما أعقبته من قرون. وإذا ما أردنا مثالاً حياً لهذه الحقيقة ‏من تاريخنا القريب، نجد المعارك التي دارت في أرجاء الأناضول وفي حرب جناق قلعة.. شاهدات على اشتراك الرجال والنساء معاً ‏في الجهاد، بل حتى الشيوخ والأطفال حيث اُستنفر الجميع خفافاً وثقالاً في سبيل الله.‏

ولقد قُسّم الجهاد إلى قسمين في أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم، وهما: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر. وفي ‏الحقيقة إن هذا التقسيم عبارة عن وجهين لحقيقة واحدة؛ إذ المقصود من الجهاد الأكبر هو عملية إعلاء الإنسان ورفعه إلى مستوى ‏الإنسانية الحقة من حيث حياته القلبية والروحية. أي محاولة الإنسان طوعاً أو كرهاً جهاد نفسه على مدى حياته كلها، وفي كل ‏جزء من جزئياتها، حتى في الأكل والشرب وفي الحل والترحال... ومقاومتها عن كل ما لا يرضى عنه الله جل وعلا.‏

أما الجهاد الأصغر فهو جهاد الإنسان بماله ونفسه في سبيل الله حفاظاً على مقدساته، وإذا اقتضى الأمر، قتال الأعداء وجهاً ‏بوجه.‏

فحسب هذا المفهوم الشامل للجهاد، فإن الجهاد الأكبر هو الطريق الذي يسلكه الإنسان طوال حياته، أينما كان وكيفما كان، ‏وفي أي ظرف كان، بينما الجهاد الأصغر هو مزاولة الإنسان له إذا اقتضت الظروف، ويكون في أوقات معينة وبين حين وآخر.‏

وفي الحقيقة إن الشرط الأساس لتحقق الجهاد الأصغر له علاقة قوية أيضاً بما يحققه المجاهدون من الجهاد الأكبر في أنفسهم وما ‏التزموا به برغبة وإصرار. نعم إنه لا يمكن أن يذوق النصر إنسان لا يعيش في نفسه تلك الحقائق التي ينافح ويذبّ عنها في كل ‏ميدان يخوضه. لذا ينبغي لأبطال الجهاد أن يحققوا الجهاد في أنفسهم أولاً ويظلوا معها في جهاد مستديم حتى يكونوا أخرويين ‏يسيحون في منازل الآخرة وهم ما زالوا في هذه الدنيا. ومن بعد ذلك عليهم أن يسعوا لإسعاف القلوب الظمأى إلى الحق ‏والحقيقة. ‏

ولو ألقينا نظرة فاحصة على صفحات التاريخ نجد أن الذين أوفوا التبليغ والإرشاد حق الوفاء، سلكوا جميعاً هذا المسلك. ‏فابتداءً من الأنبياء عليهم السلام إلى الأصفياء والأولياء، أو بتعبير أوضح إبتداءً من سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم إلى ‏الإمام الرباني والشيخ الكيلاني ومولانا خالد وبديع الزمان سعيد النورسي سلك جميعهم هذا المسلك. لذا منح الله سبحانه و تعالي ‏كلامهم قوة وتأثيراً، بناء على إخلاصهم لله وصدقهم معه، حتى جعلهم يحيون - منذ عصورهم إلى الآن - بآثارهم الطيبة ‏وذكرياتهم الجميلة، وشرح الله صدور المؤمنين لهم. وكأنه خلّدهم بسجل حسناتهم.‏

وللجهاد جهة أخرى تضم المجتمع بأكمله وتحتضنه، وهو جانب مهم جداً، إذ الإنسان جزء من المجتمع الذي يعيش فيه والمجتمع ‏بدوره يتألف من الأفراد. فالمجتمع الذي يهدف كل فرد فيه إلى جهاد نفسه أولاً لدى أدائه فريضة الجهاد، لهو مجتمع متماسك ‏مترابط، تنسد أبوابه أمام عوارض الزمن ونوائب الدهور، حيث أتم كل فرد فيه مهمته وأعدّ عدته المادية والمعنوية، فلا يمكن أن ‏يصدّهم شيء عمّا يسيرون إليه من المقاصد والأهداف.‏

ولا يخلو مجتمع أو أمة - في كل عصر من العصور - ممن هم بحاجة ماسة إلى الإرشاد والتبليغ. لذا فالمؤمنون الذين يعيشون مع ‏هؤلاء الذين يجوبون في وديان الضلالة ويبحثون عن طريق للخلاص ويضيّعون حياتهم في سبيل العدم، مضطرون إلى أداء فريضة ‏الجهاد مع هؤلاء الذين يشاركونهم العيش في سفينة الحياة الواحدة. فهذا فرض في أعناقهم من حيث كونهم بشراً. ومن جهة أخرى ‏فهو فرض ألقاه الله عليهم وكتبه لهم. فكل إنسان مكلف بأداء هذه الفريضة ضمن إطار موضعه وموقعه وأحواله، وحسب إمكاناته ‏وطاقته. وبخلافه يكون حسابه عسيراً يوم الحشر الأكبر.‏

إن أمماً كثيرة جداً لا يتحملون - على أية حال - دور الإسلام المسيطر في العالم، والذي تحقق عبر التاريخ في عهد الأمويين ‏والعباسيين وأخيراً العثمانيين، فهؤلاء يغمضون أعينهم عن الحقيقة، لذا من العبث توقع صدور فكر آخر منهم غير هذا النمط. ‏وكما هو واضح أيضاً - في أيامنا الحاضرة - أن أعداء الإسلام ما زال عداؤهم على شدته وعنفه رغم مرور العصور، فتراهم ‏يسلكون مسلكاً ذا وجهين محمّلين بكل السلبيات على الإسلام. وينشر الغرب ما لا يعد ولا يحصى من الكتب ويسخّر الأقلام ‏لأجل بث هذا الفكر الغربي إلى العالم أجمع وحمل الناس على التصديق به، متخذين في اعتبارهم أن القضية هي قضية الإسلام ‏والنصرانية وعلى مدى العصور، ولم يغيروا سياستهم هذه، فالمسلمون في نظرهم وحوش ضارية، وسفاحون قتلة وجناة سفلة... ‏وكم هو مؤلم أن في عالمنا نحن, من المثقفين على الرغم من قلتهم مَن يعتقد بهذه الفرية.‏

‏ هذا وقد تناولنا هذا المفهوم الشامل للجهاد في كتابنا "مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه و سلم" وبشكل مفصل مع سرد ‏الأمثلة الكثيرة من عصر النبوة وإيراد الأجوبة على ما يبثه الغرب من اعتراضات على الجهاد. لذا لا نرى داعياً للتطرق إلى ذلك ‏الموضوع مرة أخرى. نعم، لقد وضحنا في ذلك الكتاب: أن الأصل في الإسلام هو السلم وليس الحرب، وأفضنا في بيان أن ‏الأسباب الموجبة للحرب هي الدفاع، والحدّ من الظلم، وفتح باب حرية الإرشاد والتبليغ. فمن شاء فليراجع ذلك الكتاب.‏

لم يبق مفهوم الجهاد في الإسلام منذ فجر الدعوة حتى يومنا الحاضر على حالة نظرية بحتة، بل ظهر في كل عصر من العصور ‏من يحوّله إلى عمل في الحياة، وعلى أفضل وجه. ومن الجدير بالذكر أن الذين تم على أيديهم النصر - نصراً تاماً أو غير تام - ‏أصبحوا في أحيان أخرى مغلوبين على أمرهم. ولكن يتميز الصحابة الكرام - من بين ممثلي كل العصور - بأنهم دائماً في الذروة لا ‏يرقى أحد إلى مقامهم الرفيع. فالمؤمنون الذين اتخذوا الصحابة الكرام قدوتهم - كما أمر به الرسول صلى الله عليه و سلم - قد ‏ساروا في الدرب الذي ساروا فيه. وسيحظون بالحشر معهم يوم القيامة بإذن الله.‏

ونحن في هذا الكتاب، حاولنا - كما سيتبين - سرد أجمل الأمثلة للجوانب العملية لمفهوم الجهاد في الإسلام.‏

أما حكم الجهاد - وفق القواعد الإسلامية - فهو يختلف حسب الظروف المحيطة. فإن كان اسم الله منسياً في موضع ما، ‏وأوامره ونواهيه يضرب بها عرض الحائط، فالجهاد في ذلك الموضع فرض عين على كل مؤمن، بل هو أفضل الفرائض وأوجبها، ‏ولاسيما إن كان ذلك المجتمع أسير ذلك المفهوم بمؤسساته ومنظماته. ولا يكون الجهاد فرض كفاية إلاّ إذا أدّت مؤسسات ‏ومنظمات - في جبهة الإيمان - وظيفتها وبصورة منتظمة منسقة.‏

والآن يمكننا أن نمضي في فصول الكتاب بدءاً بمعنى الجهاد لغةً واصطلاحاً، ثم تعريفه، ومضمونه بجمل قصيرة موجزة.
آخر تحديث ( 2006.09.22 )
 
< السابق   التالى >