ما السبب في انتشار الإلحاد كل هذا الانتشار؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 7
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

لكون الإلحاد يعني الإنكار، فإن انتشاره متعلق بانهدام الحياة القلبية وسقوطها. ‏طبعاً يمكن الاشارة إلى أسباب أخرى كذلك. الإلحاد من الناحية الفكرية هو ‏إنكار الله وعدم قبوله. وفي مستوى التصور هو حالة الحرية بلا حدود. أما في ‏مستوى العمل والسلوك فيتبنى ويدافع عن الإباحية. انتشر الإلحاد فكرياً نتيجة ‏إهمال للأجيال الشابة ونتيجة سوء التطبيق في دور العلم ومعاهده، إضافة إلى ‏اكتسابه السرعة والقوة بتلقيه المساعدات من بعض الأمور التي سأذكرها.

إن أوّل بيئة ينمو فيها الإلحاد هي البيئة التي يسود فيها الجهل ويغيب عنها ‏القلب. فكتل الجماهير التي لا تتلقى تربية وتغذية روحية وقلبية ستقع إن عاجلاً أم ‏آجلاً في براثن الإلحاد. وإذا لم تتدخل العناية الإلهية فإنها لن تستطيع إنقاذ نفسها. ‏إذا لم تبذل الأمة عناية خاصة في تعليم ضرورات الإيمان لأفرادها ولم تظهر ‏الحساسية اللازمة في هذا الأمر وتركت أفرادها في ظلام الجهل، فإن هؤلاء الأفراد ‏يكونون قد دفعوا لتقبل كل إيحاء معروض عليهم.‏

يتجلى الإلحاد في بادئ الأمر باللامبالاة تجاه اُسس الإيمان وعدم الاهتمام بها. ‏ومثل هذا السلوك الذي يتسم بحرية التفكير ما أن يجد أي أمارة صغيرة تعين على ‏الإنكار وعلى الإلحاد حتى ينمو هذا الإلحاد ويزداد، مع أن الإلحاد لا يستند إلى ‏أي سبب علمي. ولكن إهمال معين أو غفلة معينة أو تقييم خاطئ قد يولد ‏الإلحاد.‏

في أيامنا الحالية هناك الكثير ممن هلك تحت ضغط هذه الأسباب، غير أننا ‏سنقف هنا فقط على أهم هذه الأسباب وأكثرها تخريباً وتدميراً. ودعني أقول من ‏البداية بأننا لسنا في مجال التعرض هنا إلى الأدلة التي تهدم الإلحاد وتزيله. ومن ‏الطبيعي أن القارئ لا يتوقع منا هنا في هذا الحيز القليل التعرض إلى موضوع يحتاج ‏إلى مجلدات، فزاوية الأسئلة والأجوبة في الكتب أو الصحف لا تستطيع استيعاب ‏هذا ولا أن توفيه حقه. فمن الطبيعي أن مواضيع معقدة وعميقة بهذا المستوى لا ‏يمكن تناولها وإيضاحها حق الإيضاح في مثل هذه الزوايا، ثم إن هناك كتبا ثمينة ‏جداً وممتازة جداً في هذا الموضوع، ولن يكون كلامنا إلاّ تكرار ما ورد فيها.‏

لنرجع إلى الصدد. إن الحوادث التي انبثقت كل منها من يد القدرة الإلهية ‏والتي كل منها رسالة إلهية.. هذه الحوادث أو بتعبير آخر قوانين الطبيعة هذه ‏أصبحت في يد الإلحاد وسيلة لاستغفال الأجيال وساحة لبذر بذور الإلحاد. مع أنه ‏سبق وأن كتب آلاف المرات في الشرق والغرب وذكر أن قوانين الطبيعة هذه ‏ليست إلاّ آلية تعمل بدقة واتساق واطراد ومعملا ذا إنتاج وفير. ولكن من أين ‏أتت هذه القدرة على الإنتاج ومن أين أتى هذا النظام؟ أيمكن أن تكون هذه ‏الطبيعة الجميلة التي تسحر النفوس والأرواح مثل شعر منظم ونغم موسيقى نتيجة ‏مصادفات عمياء؟‏

إن كانت الطبيعة تملك كما يُتوهم قوة قادرة على الإنشاء والخلق، فهل ‏نستطيع إيضاح كيف استطاعت الطبيعة الحصول على مثل هذه القدرة؟ أنستطيع ‏أن نقول إنها خلقت نفسها بنفسها؟ أيمكن تصديق مثل هذه المغالطة المرعبة؟ ‏الوجه الحقيقي لخلاف الحقيقة هذه هو "الشجرة خلقت الشجرة، والجبل خلق ‏الجبل، والسماء خلقت السماء..." لا أعتقد أن هناك شخصاً واحداً يستطيع أن ‏يؤيد مثل هذه المغالطة والبعد عن المنطق.‏

أما إن كان القصد من ذكر "الطبيعة" هو الإشارة إلى القوانين الفطرية، فهذا ‏أيضاً خداع آخر. ذلك لأن القانون بتعبير القدماء عرض من الأعراض. والعرض ‏لا يقوم إلا بوجود الجوهر، أي أنه إن لم يتم تصور جميع الأعضاء والقطع التي ‏تكوّن شيئاً مركباً أو جهازاً حيوياً ما، فلا يمكن تصور مفهوم القانون المتعلق بهذا ‏الجهاز. وبتعبير آخر فإن القوانين قائمة بالموجودات. فقانون النمو يظهر في البذرة، ‏وقانون الجاذبية يظهر في الكتل وفي الحيز (المكان)... الخ، إذ يمكن زيادة هذه ‏الأمثلة. إذن فإن التفكير في القوانين قبل التفكير في الموجودات والزعم بأن هذه ‏القوانين هي منشأ الوجود ليس إلا خداعا وبهلوانية.‏

وليس النظر إلى الأسباب واعتبارها أساساً وقاعدة للوجود أقل خداعاً ‏وتضليلاً. والحقيقة أن محاولة القيام بتفسير وإيضاح هذا العالم المملوء بآلاف الحكم ‏والنظم الدقيقة بالأسباب أو بالصدف محاولة خالية من أي قيمة علمية، بل هي ‏محاولة مضحكة بل هي هذيان وتناقض، لأنه إعلان عن بطلان العلم.‏

وبينما أعلنت تجارب "ميللر" قصور الأسباب والصدف وعجزها، تكلمت ‏العلوم وأعطت أحكامها. فقد أعلن مثلاً معهد الكيمياء في الاتحاد السوفيتي تحت ‏رئاسة "اوبرين" بعد بحث دام 22 سنة أن قوانين الكيمياء والتفاعلات الكيمياوية ‏بعيدة عن تسليط الضوء على الوجود. هذا ما يقوله العلم وما يقوله العلماء.‏

ونظرية "التطور والتكامل" التي درست في مدارسنا سنوات عديدة وكأنها ‏حقيقة علمية ثابتة.. هذه النظرية أصبحت مجرد خيال علمي وقصة من قصص ‏التاريخ بعد الإكتشافات العلمية الحديثة وتطور علم الجينات ولم يعد لها أي قيمة ‏علمية. ولكن كم يؤلمنا أن مثل هذه المسائل الواهية لا تزال من أسباب الإلحاد ‏لأجيالنا الشابة التي لا تزال معلقة في الفراغ لا تملك مع الأسف حتى الآن قاعدة ‏ثقافية متينة.‏

ولكن من جانب آخر توجد هناك لحسن الحظ بعض الكتب التي ظهرت إلى ‏الأسواق والتي تزيل مثل هذه الاستفهامات التي تجرح مشاعرنا وأفكارنا، وتعالج ‏أمراضنا الروحية. فمن الممكن الآن الحصول على مئات من الكتب التي كتبت في ‏الشرق وفي الغرب بمختلف اللغات والتي أوضحت الوجه الحقيقي للطبيعة وللأسباب.‏

ومع أننا نستغرب الكتب المنحرفة التي كتبها بعض "المستغربين" عندنا، إلاّ أن ‏كتباً عديدة كتبت في الغرب أمثال "لماذا نؤمن بالله" الذي اشترك في كتابته العديد ‏من علماء الغرب تشكل جواباً لأمثال هؤلاء المستغربين.‏

وبعد كل هذا الوضوح الموجود في الوسط العلمي حول هذا الموضوع، فإن ‏الإلحاد لا يعد الآن إلا انحرافاً نفسياً وعناداً وفكراً مسبقاً ومزاحاً طفولياً. ولكن لا ‏يزال بعض شبابنا رغم كل هذا غير متخلصين تماماً من تأثير هذه الأفكار التي ‏أكل عليها الدهر وشرب، إذ يتوهمون أنها تحمل حقائق علمية، لأنهم لم يتلقوا ‏التربية العلمية والروحية الكافية.‏

لذا كانت التعبئة العلمية والتربوية لنشر المعارف الصحيحة ضرورة فوق كل ‏الضرورات الأخرى. أما عدم إيفاء مثل هذه الوظيفة المقدسة‎ ‎حقها من الاهتمام ‏فسيؤدي إلى جروح غائرة لا يمكن اندمالها في المجتمع. ولعل هذا هو أساس كثير ‏من الآلام التي عانى منها المجتمع مدة سنوات طويلة، لأننا كنا محرومين من ‏المرشدين الممتلئين بعشق التعليم الذين جمعوا بين العلم والروح وبين العقل والقلب ‏وبرزوا وتعمقوا فيهما. لذا نأمل من هؤلاء المرشدين الحقيقيين التصدي لحمل هذه ‏المهمة البشرية الأساسية وأن ينقذونا من هذه الآلام التي قاسينا منها طوال عصر. ‏عند ذاك ستصل الأجيال في أفكارها ومشاعرها وخيالها إلى الاستقرار، وتتخلص ‏من الانجراف في تيار الأفكار الخاطئة، ومن التذبذب كرقاص الساعة ذات اليمين ‏وذات الشمال، وتكون لها مناعة معينة ضد الإلحاد.‏

ونستطيع أن نقول كخلاصة إن الإلحاد الفكري هو نتيجة للجهل وعدم ‏امتلاك قابلية التحليل والتركيب وعن فقر الغذاء الروحي والقلبي، لأن الإنسان ‏يحب ما يعرفه وهو عدو ما جهل.‏

والآن لنلق نظرة على الكتب الموجودة في الرفوف وواجهات المكتبات ونتفحص ‏الأفكار التي تروج لها هذه الكتب والشخصيات التي تقدمها لنا، عند ذلك ندرك ‏لماذا يحاول الصبيان في الأزقة التشبه في ملابسهم بـ"الهنود الحمر" أو بـ"زورو" أو ‏الشباب بـ"دون جوان". ما ذكرته ليس إلاّ مثالا أو مثالين على الحقيقة التي نحاول ‏إيضاحها. وعندما تقومون بإضافة عناصر التخريب الاجتماعية والاقتصادية الأخرى ‏فليس في وسعنا إلاّ أن نرتجف حتى النخاع من المنظر المتشكل أمامنا.‏

لقد سار مواطننا من قبل ولا يزال خلف من أحبه وقدم له على انه شخص ‏جيد، وأصبح عدواً أو غريباً عمن لم يعرفه. ووظيفتنا الآن هي القيام بالتفكير ‏بالشيء الذي يجب علينا تقديمه له من الآن فصاعداً وإرشاده إلى طريق النور وعدم ‏تركه في حالة تسيب وفراغ.‏

العامل الثاني في انجراف الجيل (1)‏ ‏ إلى الإلحاد وفي انتشار الإنكار هو فطرة ‏الشباب. فرغبات الشباب التي لا تعرف الشبع، ورغباتهم في حرية مطلقة لا قيد ‏عليها.. هذه الميول غير المتوازنة تكون قريبة من الإلحاد. فمثل هذه النفوس تقول ‏‏"من أجل درهم من اللذة العاجلة فإني أتقبل أطناناً من الألم في المستقبل". وهكذا ‏يهيئون عاقبتهم الأليمة، وينخدعون باللذة الموهومة التي يقدمها لهم الشيطان ‏ويقعون في شرك الإلحاد مثلما تقع الفراشات التي تحوم حول النار في النار.‏

وكلما زاد الجهل وزاد فقر الروح والقلب تيسرت غلبة الشهوات الجسدية ‏على المشاعر العلوية. وكما سلم فاوست (2)‏ ‏ روحه للشيطان فالشباب يسلمون ‏قلوبهم للشيطان. أجل! عندما تكون الأرواح ميتة والقلوب فقيرة والعقول في ‏هذيان. فهناك طريق واحد وهو طريق الإلحاد. بينما تشكل العقيدة والشعور ‏بالمسـؤولية والقلب والروح الغنيان بالتربية والتهذيب أكبر ضمان ليقظة الشباب. ‏وإلاّ فإن مجتمعاً تسلط فيه الشيطان على النفوس يتقلب من هذيان إلى آخر ويغير ‏على الدوام محرابه وقبلته، ويسير خلف كل فلسفة جديدة ويعدها منقذة له ويرمي ‏نفسه في أحضانها ليشرب من لبنها.‏

عندما يستيقظ صباحاً يصفق للفوضوية، وفي الظهر يقف احتراماً للنظام ‏الماركسياللينيني، وفي العصر يحيي "الوجودية"، وفي العشاء قد ينشد نشيداً هتلرياً، ‏ولكنه لن يلتفت أبداً إلى جذور روحه ولا إلى شجرة أمته ولا إلى ثمار هذه ‏الشجرة وثقافة أمته وروحها ومدنيتها.‏

يصعب على هذا الجيل الذي تشوهت نظرته كل هذا التشوه، التخلص من ‏الأهواء والرغبات، ويصعب وربما يستحيل إعطاء وجهة صحيحة لذهنه ‏وتفكيره. لذا كان من الضروري تقديم مصطلحات الأفكار التي كانت أساس ‏وجودنا وكياننا حتى الآن، وإيصالها بأسلوب منظم ومدروس إلى جيلنا ليصل ‏إلى مستوى القدرة على التفكير السليم والصائب، لإننا مع هذه الشهوات الفردية ‏نكون كما قال الشاعر محمد عاكف:‏

لا تصدق! إن قالوا لك إن المجتمع، ‏يمكن أن يعيش... بمشـــــاعر ميتة... ‏أرني مجتمعاً.. استطاع العيش بمعنويات ميتة!‏

هناك عامل وسبب آخر للإلحاد، وهو اعتبار كل شيء مباحاً، أي النظرة ‏الإباحية التي ترى الاستفادة من كل شيء موجود مهما كان ذلك الشيء، أي ‏النظرة التي تستند إلى الفائدة والتلذذ من جميع النعم. وتبذل المحاولات اليوم لصب ‏هذه النظرة في قالب فلسفي وفكري منهجي. وعندما أقبل هذا الفكر إلينا جاءنا ‏أوّل مرة في شكل فلسفة فرويدية تحت مصطلح "اللبيدو" الذي جرح مفهوم الحياء ‏لدينا، ثم طغت عندنا الفلسفة الوجودية لـ"جان بول سارتر" و"كامو" فهدمت ‏حصون الحياء عندنا وجعلتها أثراً بعد عين.‏

هذه الفلسفة التي تجعل الإنسان يشمئز من إنسانيته، والتي ترمي هذه الإنسانية ‏إلى برميل القاذورات والزبالة قُدمت للأجيال على أنها الفلسفة التي توضح الوجه ‏الحقيقي للإنسان. وقد هرع شباب أوروبا في أوّل الأمر ثم شباب البلدان المقلدة ‏للغرب نحو هذا التيار الفلسفي وكأنهم نوموا تنويماً مغناطيسياً. وقد تصورت ‏الإنسانية أن هذه الفلسفة الوجودية سوف ترجع للفرد أهميته وقيمته، هذه القيمة ‏الفردية التي تضاءلت نتيجة للفلسفة الشيوعية، وأن رجوع القيمة إلى الفرد ستؤدي ‏إلى نمو شجرة الإنسانية وارتفاعها من جديد. ولكن هيهات! فالإنسانية لم تنتبه إلى ‏أنها خُدعت مرة أخرى.‏

وهكذا فلأن الإيمان بالله والارتباط بمفاهيم الحلال والحرام لا يتماشى مع فلسفة ‏التهام اللذات لهذا الجيل الذي تشوه بهذه الدرجة، نرى هذا الجيل يرمي بنفسه إلى ‏أحضان الإلحاد، لأنه يريد أن يعيش في الجنة المزيفة لحسن الصباح زعيم الحشاشين.‏

لقد عرضنا بعض الملاحظات التي تهم من يملك البصيرة من الإداريين ‏والمرشدين والمعلمين في المستقبل لكي يستطيعوا إيقاف تيار الإلحاد. ولكننا لا ‏نعتقد بأن التسيب والهذيان الفكري محصوران داخل هذه الأسباب، كما أن ‏التدابير التي يجب اتخاذها غير محصورة أيضاً فيما تم ذكره. أتمنى أن تستفيق أمتنا ‏في هذا العهد الجديد وتثوب إلى رشدها وترجع إلى نفسها.‏


‏1- هذا يصح بالنسبة إلى تركيا قبل ثلاثين أو اربعين سنة حيث نشأت أجيال محرومة من التعليم الديني.‏
2- فاوست بطل مسرحية مشهورة للشاعر الألماني الكبير "جوته" (المترجم).
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri