| التطور والمراحل التي يمر منها الجنين في رحم الأم |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
هناك ادعاء آخر في هذا الموضوع، وهو أن الجنين عندما يمر بمراحل النمو في رحم الأم يكون مشابها للمراحل الأولى لنمو الأجنة الأخرى للحيوانات الفقرية الأخرى. ولا يوجد لهذا الادعاء أي جانب مقنع. وقد قام البرفيسور "شنكون" بنقد هذا الادعاء ويقول بأننا لا نعرف الشيء الكثير عن مدى التناظر والتشابه الموجود في مراحل نمو وتطور البويضة المخصبة. علماً بأنه ليس من السهل معرفة وملاحظة التناظر والتشابه، لأن بعض الأجنة تنمو وتتطور بسرعة، بينما تكون أجنة أخرى بطيئة النمو والتطور. ومع وجود تشابه مورفولوجي[1] -أي شكلي- فإن نسل كل كائن حي يملك خواصاً وكروموزومات وجينات واستعدادات ومسار نمو وتطور خاص به. يعطي القرآن معلومات حول مراحل تطور الجنين، وهي معلومات أيدها العلم بعد 14 عصرا من نزوله. لذا سنتناول التطور في ظل الآيات القرآنية. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طُينٍ % ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ % ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ % ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون: 15). تذكر الآية هنا أن العناصر الموجودة في التراب هي المنشأ المادي للإنسان. وقد يكون هذا الذكر رمزاً أو تشبيهاً، والمقصود منه قد يكون الأغذية التي تدخل هذه العناصر فيها والتي تكوّن سائلاً أو حساءً من البروتينات. وكلا المعنيين صحيحان. ثم يدخل هذا السائل إلى رحم الأم كنطفة حيث تبدأ بتعقب مراحل أخرى مختلفة. فيجعلها الله تعالى أولاً علقة، أي قطعة دم متخثرة ملتصقة بجدار الرحم. وكلمة "علقة" في اللغة العربية لها ارتباط بكلمة "علاقة" الموجودة في اللغة التركية. أي أن شكل العلقة الذي تأخذها العلقة الملتصقة بجدار الرحم تكون لها علاقة بالأم وبجسدها وتتغذي منه. وينسب القرآن كل هذه التطورات بالله تعالى. لأنه ليس باستطاعة تلك النطفة ولا تلك العلقة القيام بنفسها بأي عمل، ولا تملك أي حظ للنجاح في إنجاز أي عمل من الأعمال التي تستوجبها وتيرة التحول إلى إنسان كامل مهما كان صغيراً، والتي تقتضي شعوراً وإرادة وعلماً وقدرة لانهائية. لذا فالله تعالى هو الذي يقدر هذه الأفعال وينجزها. وعندما نقوم بشرح المراحل المختلفة التي يمر بها الجنين في رحم الأم نستعمل عبارات يبدو من ظاهرها وكأن هذه المراحل تتم تلقائياً. بينما لا نعني هذا بل هو أسلوب مجازي فقط. بينما تقوم نظرية التطور بالادعاء بأن جميع هذه المراحل تتم تلقائياً وعن طريق المصادفات العشوائية، فتعرض بذلك جهلاً وإنكاراً غير مسبوقين في التاريخ. وهذا هو السبب كما أعتقد في هذه الأهمية البالغة التي يوليها العلم المادي لهذه النظرية. إن العلقة التي تلتصق بجدار رحم الأم تدخل في علاقة قوية وجذرية مع الأم ومع جسدها. ثم تتحول إلى "مضغة"، وهي تعني شيئاً مثل قطعة لحم ممضوغة في الفم لا شكل لها. ثم لا تلبث أن تتحول بعض الخلايا الموجودة فيها -التي تكوّن هذه المضغة التي لها شكل اللحم الممضوغ- إلى غضروف أولاً ثم تتحول تدريجياً إلى عظم. وبعد تشكل هذه الخلايا يتم تشكل خلايا العضلات والأنسجة الرابطة، حيث يقوم اللحم المتشكل منها بتكسية العظم. ولم تتوضح تفاصيل هذه المراحل في علم الأجنة الحديث إلا بعد تيسر رؤية بطن الأم بأشعة أكس، بينما شرح القرآن هذه المراحل قبل 14 قرنا بشكل واضح. علماً بأن الغاية الرئيسية للقرآن هي عرض الحقائق الأساسية كالتوحيد والنبوة والحشر والعبادة والعدالة، وإيضاحها والبرهنة عليها. لذا فإن القرآن عندما يتعرض لبعض الحقائق العلمية عرضاً يستعمل أسلوب التشبيه والاستعارة والمجاز والمثال. ولكن قيام القرآن بعرض المراحل التي يمر بها الجنين في رحم الأم بكل هذا الوضوح والصراحة لا بد وأنه كان ضرورياً لإزالة الشكوك التي تثار في المستقبل، ولإيضاح مدى خطأ ما ستطرح من نظريات -كنظرية التطور- فجاء هذا التنبيه والتفصيل من قبل 14 قرناً لهذا الغرض. وبعد أن يشرح القرآن خلق العظام ثم إكساءه اللحم يقول: ﴿ثم اَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. وتبين من هذه الآية أن الإنسان خَلْقٌ مستقل بذاته، وهذه المرحلة هي بداية هذا الخلق الخاص. ضمن هذه المراحل الخمس, أي مرحلة النطفة ثم العلقة، ثم المضغة ثم مرحلة خلق العظام، ثم مرحلة إكساء العظام لحماً, تبدو جميع الأحياء الفقرية متشابهة تماما. فلو شاهدنا جنين طائر أو سمكة أو جنين إنسان في طور من أطوار هذه المراحل الخمس لما رأينا أي فرق يذكر بين هذه الأجنة. ولكن هذا التشابه الذي يبدو تاماً، تشابه ظاهري فقط. لأن مدة هذه المراحل مختلفة فيما بينها، فبعضها قصيرة جداً وبعضها طويلة. ثانياً إن كل جنين يملك خواصاً تعود لنوعه، ويتميز بها، ولا نستطيع مشاهدة هذه الخواص من الخارج، لا بل لا نستطيع مشاهدتها حتى لو دخلنا بطن أمه، وهو ينمو ويتطور حسب هذه الخواص، إلى درجة أن كل إنسان يختلف عن الآخرين إلى درجة ما، لأنه يظهر في النهاية فرد يختلف عن الآخرين من نواح عديدة: يختلف بشعره وعينيه وأنفه وشفتيه وقامته ووزنه وبصمات أصابعه وجزيئات D.N.A. عنده، ومظهره وتصرفاته وقابلياته. ولكن توجد بين أجنة النوع النوع الواحد صفات مشتركة تعود لذالك النوع. فمثلاً نرى أن الإنسان لكونه خُلق في أحسن تقويم، أي في أفضل شكل وجهّز بالعقل والمشاعر والإرادة، فإنه ما أن يأتي إلى الدنيا حتى يظهر الاستعداد للتعلم، وكذلك للترقي والسمو بالإيمان وبالعبادة. ولكونه يملك سر هذا الاستعداد، فإن كل جنين إنساني مجهز بهذه القابليات لتحقيق الأمور والأهداف التي ذكرناها. ومع هذا فلكل جنين بشري خواصه المتميزة, لأن كل فرد من الأفراد في النوع الإنساني يملك خواصه التي يتميز بها. وهذه الصفات والخواص التي يملكها ذلك الكائن الحي وتميزه عن الكائنات الحية الأخرى هو البرنامج الموجود في جزيئات D.N.A والكامن في جيناته الموجودة في كروموزومات ذلك الكائن. ومع هذا فلا يبدو في الظاهر أي فروق تشير إلى هذه المميزات والخواص في أجنة الأحياء الفقرية في المراحل الخمسة الأولى، ولا يمكن ملاحظة أي فروق. أي تبدو وكأنها مثل الأجنة الأخرى تماماً. ولنفرض أن أجنة الأحياء الفقرية كالطير والسمك والإنسان متطابقة بعضها مع البعض الآخر تماماً، فكيف يستطيع العلم أو أنصار نظرية التطور تفسير التغيرات الكبيرة التي ستظهر فجأة بعد هذه المراحل؟ إن الأحاديث النبوية الشريفة تذكر بأن الروح ينفخ في هذه المرحلة في الإنسان ويُكتب قدره. ولكن بما أن نظرية التطور والعلم المادي لا يعترفان بالروح ولا بالقدر فكيف يستطيعان تفسير هذه التغيرات والتمايزات الفجائية، وكيف يفسران أن كل فرد إنساني يكون متميزاً عن الأفراد الآخرين، ويتجه لكي يكون ذا كيان مستقل ومتميز؟ فإن كانت عملية التغير هذه والتمايز عند الإنسان نابعاً عن روحه الذي يعطيه هويته الحقيقية وعن قدره، أي عن الخصائص المعنوية التي تعطي له ماهيته وكيانه، فإن على التطوريين وعلى أرباب العلم أن يفحصوا كل موضوع وكل مسألة من البداية، ويفكروا فيها من جديد، أليس كذلك؟ ومع هذا فإننا نؤمن -على الرغم من الادعاء المعاكس للتطوريين- بأن لأجنة كل نوع من أنواع الأحياء، ولكل فرد من أفراد النوع الإنساني فروقاً خاصة به، وخواصاً نابعة من روحه ومن قدره. بعد المرحلة الخامسة من النمو يبدأ الجنين الإنساني بأخذ شكل إنساني، ويبدأ كل فرد بحمل الخواص المميزة لـه. وهذه المرحلة هي مرحلة اكتساب صفة وسر "أحسن تقويم". وهنا تظهر أعلى درجة من درجات صفة الخلق لله تعالى في خلق الإنسان، أو أعلى مرتبة من مراتب الخلق، وهو ما تلخصه وتشير إليه الآية الكريمة ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. لذا نستطيع القول بإيجاز بأنه لكون الخالق جل شأنه يتجلى باسمه الأعظم في خلق الإنسان فإنه -أي الإنسان- مجهز بالاسم الأعظم من أسماء الله الحسنى، فأصبح مظهراً لأن يتبوأ مرتبة "أحسن تقويم". أي إنه مخلوق متميز وفريد. والخلاصة فإن أجنة الحيوانات الفقرية تكون متشابهة فيما بينها في المراحل الأولى، كما أن مشابهة الجنين الإنساني لأجنة الحيوانات الفقرية الأخرى مشابهة ظاهرية، وفي المظهر الخارجي فقط، لذا لا يمكن عدّ هذا دليلاً للتطور بأي حال من الأحوال. يقول العالم سير جيمس جينـز المختص في علم الفيزياء الكوني -الذي يعد من أكبر علماء القرن العشرين، والذي يعد من قبل الكثيرين بأنه "آنشتاين ثان"- في كتابه "الكون الملئ بالأسرار" و"الكون من حولنا" المترجمان للغة التركية: (إن الإنسان المشغول بفرع من فروع العلم يصل إلى درجة الفناء في ذلك العلم). أي أن الإنسان يتشرب بفرع العلم الذي ينشغل به إلى درجة الفناء فيه. فلا يسمع إلا بأُذُن ذلك العلم ولا يرى إلا بعينه، ولا يتكلم إلا بلسانه، ويعيش انفعالات ذلك العلم. ويعطي هذا العالم مثالاً على هذا فيقول: (إن الموسيقيّ الذي يتعوّد على سماع النغمة التي يصدرها المفتاحان الخامس والسادس على الدوام، لا بد وأنه عندما ينـزل سلما ويصل إلى الدرجة الخامسة ثم الثامنة سيخيل إليه أنه يسمع النغمتين نفسيها الصادرتين من المفتاحين الخامس والسادس في البيانو). قام بعض العاملين في الحقل الهندسي بعمل أشكال مثلثة ومربعة في صحراء شبه الجزيرة العربية وفي الصحراء الكبرى في أفريقيا وأوقدوا فيها النيران الكبيرة، فأحدثوا أنواراً وأضوية قوية ساطعة لكي يجلبوا أنظار الكائنات الذكية الأخرى التي يرون احتمال وجودها في الكون من الذين يفكرون هندسياً مثل الإنسان. هؤلاء العاملون في الحقل الهندسي قد ذابوا وفنوا في عالم الهندسة. ويعتقد المختصون في حقل الرياضيات أن الصانع جل وعلا قد خلق الكون بمقاييس رياضية. وهؤلاء أيضاً فنوا في الرياضيات. أما دارون فلكونه قد قضى حياته في ملاحظة وتدقيق ودراسة الحيوانات ومتحجرات الحيوانات، ولم يخرج خارج إطار هذه الساحة فإنه نظر إلى الوجود وإلى الخلق وباختصار إلى كل شيء من زاوية، ومن نافذة هذه الساحة، ومن منظارها، واستعان بتفاسير لا يقبلها لا العلم ولا المنطق ولا العقل لكي يبرهن على فرضيته. والأمر نفسه نلاحظه عند الذين تبنوا نظريته بتعصب وإصرار. وقد نبّه العالم الفلكي "جيمس جينـز" إلى مخاطر التخصص مع الاعتراف بفائدته. [1]. المورفولوجيا: فرع من علم الأحياء (البيولوجيا) يبحث في في شكل الأحياء من النباتات والحيوانات وبنيتها. (المترجم) |
| < السابق | التالى > |
|---|



