الصبر طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

الصبر أساس مهم من أسس السمو إلى الفضيلة، وهو انتصار للإرادة. وعند غيابه لا يمكن توقع تهذيب الروح، ولا العلو ‏للوصول إلى أسرار الذات. بالصبر يتخلص المرء من الارتباط بالتراب وباللحم وبالعظم، ويكون من السعداء المرشحين للوصول إلى ‏عوالم عليا. فإن كان الصبر ممرا ضيقا، وقمة عالية صعبة الاجتياز إلى سلطنة عوالم ما وراء الأفق، فإن جندي الحق الذي عشق تلك ‏العوالم وتوله بها حبا ووجدا هو البطل الذي يتحدى هذه الممرات الصعبة وتلك القمم العالية، ويراها سهولا منبسطة سهلة ‏الاجتياز.

الصبر هو شعور المرء بالتناغم الموجود في ثنايا الفطرة وفهمه وتقليده. أجل!.. إنه جهد لفهم لغة الأشياء والحوادث، ودخول ‏في حوار معها. وما أجلّ الذين يبدون صبرا وثباتا في سبيل إدراك هذه اللغة ومعرفتها، ثم يقومون بتأسيس جسر بين تصرفاتهم ‏وسلوكهم وبين الحوادث المتدفقة عبر سيل الزمن للتوحد مع الطبيعة! وما أسمى هذه الموسيقى الإلهية التي يترنم بها الكون! وما أسمى ‏الإحساس بهذا التناغم ورؤيته، وما أسطع هذه الرؤية!‏

الصبر هو فهم لفعل الزمن وصروفه وتأثيره في الأشياء، وإدراك أن الزمن يأخذ الحوادث ويلوكها بين أسنانه الحادة ويفتتها ‏ويطحنها، ويقلبها من حال إلى حال، ومن شكل إلى شكل. والذين يعرفون كيف يكونون فولاذا في أحيان وجليدا في أحيان ‏أخرى حيال هذه الإذابة الصامتة للزمن، يستطيعون الوصول إلى بعد آخر في خط جريان الزمن فيتخلصون من العدم. ومن لم ‏يستطع إدراك هذا عصرته يد الزمن.‏

أجل!.. إن الفطرة تقوم بكسر أرجل الذين لا يعرفونها ولا ينظمون سيرهم حسب قواعدها، وتسحق أرواحهم. بينما تكون ‏لينة كالشمع في أيدي الذين يعرفونها، ويتناغمون مع روحها في سلوكهم وحركاتهم وسكناتهم، ويكسبونها لحنا داوديا.‏

آه من هؤلاء الأطفال الأشقياء الذين لا يدركون هذا السر... المتعجلين أبدا، الذين لا يدنون من الصبر ولا يتحملونه.‏

أجل !.. كم من شخص لا يعرف نفسه ولا يفهم الفطرة من الذين قضوا سنوات عديدة وهم يجرون لاهثين، ولكنهم لم ‏يستطيعوا التقدم شبرا واحدا. وكم من أشخاص على الرغم من أنهم يبدون ساكنين هادئين كنهر عميق هادئ، إلا أنهم ساروا ‏خطوة خطوة دون توقف، وتغلبوا على جميع موانع وأستار الظلام، واجتازوا جميع العقبات بطريقة غير متوقعة... بهدوء ودون ‏ضجة أو جلبة... دون مظاهر أو فخفخة... مثل المرجان الذي صادف كل أنواع الآلام في قاع البحر، وغرق في الدم حتى وصل ‏إلى أفق الزبرجد.‏

تخترق البذرة التربة والصخر بصمت وبثبات حتى تصل نبتتها إلى سطح الأرض، ويعرض البرعم نفسه للشمس مرات ومرات، ‏ثم يواجه هذا البرعم وطأة ظلام الليل مرات ومرات حتى يصل إلى ماهيته ويتفتح. وما بالك بالوليد؟ إنه يبدأ بنطفة صغيرة في رحم ‏الأم تنتقل من ظلام إلى ظلام. إن مسيرتها طويلة وتستدعي التأني والتمهل والصبر. أجل!.. إنها تنتقل وتتقلب من شكل إلى شكل، ‏ومن قالب إلى قالب. وبعد تسعة أشهر يخرج الطفل إلى الدنيا بهيئته التامة الخلق.‏

ثم لننظر إلى خلق هذا الكون العظيم. لقد خلقه الخالق القادر بكلمة "كن"، ثم تقلب المكان والأشياء في يد قدرته مليارات ‏السنوات من طور إلى طور، ومن شكل إلى شكل حتى وصل إلى وضعه الحالي. فما أكثر معاني هذا، وما أكثر عبر هذا الدرس!‏

إن كل موجود في هذا العالم... كل موجود... ليس إلا انتظارا متسما بالصبر والمقاومة للوصول إلى هدفه خطوة خطوة... ‏دون أي تعجل ... ودون أي تغيير في الاتجاه... اتباعا وامتثالا لقوانين الفطرة.‏

آه من هذا الإنسان المتعجل أبداً!.. أنت الوحيد الذي يبدي نفاد صبر... أنت الوحيد الذي لا يراعي الترتيب الموجود بين ‏الأشياء!.. أنت الوحيد الذي لا يصبر على المسافات عند الصعود، فتحاول صعود عدة درجات في آن واحد وبقفزة واحدة!.. ‏أنت يا من تنتظر النتائج دون أن تراعي الأسباب!.. أنت يا من تضع خيالات وتبني منها قصورا من زجاج وتغرق فيها!.. ثم ينتهي ‏أمرك وتضيع بين ركام الأماني الكاذبة!.. أنت يا من تتحدث دون أن تفكر، ثم لا تأخذ عبرة من الندم الذي يعقبه، ولا تعقل!.. ‏آه لو علمت!.. لو علمت كم تكون بعيدا عن القلب وعن الحب بحالك هذا، وكم تكون قريبا من الشؤم!.. ليتك تأخذ درسا مما ‏يحيط بك من الحوادث التي كل حادثة منها خطيب بليغ، وكل واحدة منها لسان، لتتعلم منها كيف تراعي حق الترتيب والتسلسل ‏الموجود بين الأشياء، وكيف تراعي الأسباب والنتائج!.. وليتك عرفت كيف تلجأ إلى الإيمان والعزم والإرادة وتعيش بها وليس إلى ‏الخيال والتمني!‏

أنت موجود بقدر صبرك، ومنـزلتك عند الحق تعالى هي بقدر صبرك... بقدر الصبر الذي تمارسه في أثناء حياتك باستمرار ‏ودون أي انقطاع... الصبر الذي يقول كتابك الكريم عنه إنه الصبر على الاستمرار في ممارسة أجمل الصفات وأفضل العادات دون ‏هوادة ودون أي توقف... وبقدر ثباتك وقدرة تحملك تجاه القبح وتجاه ما تكره... وأخيرا بمقدار صبرك تجاه النوازل التي تصيبك ‏دون سابق إنذار، أي بقدر ارتباطك بالحقيقة التي يرسمها الشاعر:‏

إن جاء الجفاء منك...‏
أو جاء الوفاء...‏
حبيب إلى النفس ...‏
اللطف منك أو البلاء..‏

التوجه على الدوام نحو كل ما يعلي المرء، والحذر من كل ما يسفل بالمرء ومقاومته، وأخيرا تحمل كل البلايا والمصائب -التي ‏تنـزل في وقت غير متوقع وبشكل غير متوقع وتهزك- دون أي يأس أو إحباط... هذا هو الصبر الذي هو أمرّ من العلقم ، ولكنه ‏في نهاية المطاف شراب زلال.‏

‏ الصبر هو الثبات في الموقع، وعدم تركه مهما بلغت الخسائر ... هو الثبات في الموقع حتى ولو كنت تذوب مثل شمعة مشتعلة.‏

أين أنت أيها العزم ؟! أين أنت أيتها الإرادة ؟! أين أنت أيتها الشهامة ؟! أين أنت أيتها البسالة ؟! لقد دارت رؤوسنا وداخت ‏من كثرة تغيير الطرق وتبديل الاتجاه... لقد انتهى أمرنا من كثرة تبديل المعشوقين والأخلاء... وأصبحنا دون قبلة من كثرة تبديل ‏المحاريب! ‏

يقول أحد عشاق الحق والحقيقة: "لقد أرشدتني قطة"... قطة كانت تنتظر صيدها أمام جحر طوال الليل حتى الصباح دون أن ‏تطرف لها عين... فما بالك أنت أيها الإنسان!.. قل لي كم انتظرت في محرابك الأبدي دون تحويل نظرك وبصرك، ودون تغيير ‏طورك؟ أجل!.. كم مرة استطعت لم شملك دون غضب أو مرارة بعد تشتت ما نظمته، وتفرق ما جمعته، وداومت "من جديد" ‏على طريقك مرة بعد أخرى؟ وكم من مرة رجعت بعد أن طردت من ديارك، ونفيت من وطنك، واغتربت في أرض الله فعدت ‏ووضعت جبينك على عتبة حبيبك؟ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ‏وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّّ نَصْرَ اللهِقَرِيب﴾ ( البقرة: 214). إنه قريب من الذين يستمرون ‏على الخط نفسه في إظهار العبودية لـه، ويتحدّون الآثام ويناضلون ضدها، ولا يفقدون أملهم مهما اكفهرت بهم الأجواء، وثارت ‏حولهم الأنواء. أجل!.. إنه قريب ممن يصفه الشاعر:‏

من دخل طريق العشق هذا... ‏
لا يهاب الموت...‏
لقد سلكنا طريق العشق،
فلا يهمنا شيء سواه...
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri