أوان الرجوع إلى النفس طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

بينما كنا نسير نحو مستقبل مفعم بالنور بقلوب ملؤها الأمل إذا بنا نسمع أصواتا كريهة ترتفع من اليسار ومن اليمين تدعو إلى ‏عهد مظلم من جديد. سمعنا هذه الأصوات النشاز فقلقنا، "أبدأنا نرجع إلى أيام التناحر والشقاق؟" كم كنا معجبين بهم عندما كنا ‏نسمع منهم هذه الكلمات: "احترام الإنسان وتوقيره، وإبداء الحب للكل ولكل شيء، والتعامل بكل مرونة وتساهل مع العالم كله" ‏كم كانت هذه الكلمات ساحرة ومعسولة... كم أحببنا كلماتهم هذه وكم ضممنا التقدير لها في جوانحنا! أحببناهم وأعجبنا ‏بهم... أعجبنا بكلماتهم ونحن نمشي في طريقنا نحو المستقبل بكل ثقة وأمن واطمئنان دون أن يخطر ببالنا ظهور أي مصاعب أو ‏أمور سلبية أمامنا، وإذا بنا نفاجأ بهم وقد انتصبوا أمامنا بكل ما في جعبتهم من حقد ونفور وغضب، وبدأوا -وهم يهاجمون جميع ‏الأطراف- بسد الأفق بأفكارهم السوداء الكالحة، وبنسف كل الجسور وتعطيل كل الطرق. قاموا بكل هذا وهم يتظاهرون بأنهم ‏رسل السلام والنور، وبدأوا بالعاب قذرة تحت هذا الغطاء. وفي أحيان أخرى كشفوا عن وجوههم الكالحة السوداء سواد القطران، ‏وبدأوا يهاجمون الأفكار النيرة، ويشنون عليها حربا شعواء علانية وصراحة. ولم يتوانوا في هذه الحرب عن‏‎ ‎الافتراء على جميع ‏الأفكار والحركات والفعاليات الإيجابية. والحقيقة أن هؤلاء لم يكونوا بيادق بيد قوى الظلام فقط‎ ‎، بل كانوا أيضا هم الظلام ‏بعينه. وحتى عندما حاولوا أن يظهروا وكأنهم مع النور ومع الضياء ومن أنصارهما، إلا أنهما كانا في الحالين يمشون وراء الشيطان ‏ويوقدون نار الفتنة.

أجل!.. لقد ترك البعض منا منذ مدة طويلة كل شيء، وتوجه نحو تخريب عاطفة الأخوة والصداقة الموجودة بيننا. لقد دارت ‏رؤوسنا إلى درجة أننا لم ننتبه إلى أننا كنا نهلك أنفسنا بأيدينا. والأنكى من هذا أننا كنا نربط جميع مشاعرنا وأفكارنا وسلوكنا ‏بأحاسيس العداوة والبغضاء. وبدأنا نقوم ونقعد بهذه المشاعر ونتنفس مشاعر الخصام، بينما كنا في حاجة ماسة إلى الأخوة ‏والصداقة. كنا بحاجة إليهما ولكننا لم نكن نستطيع تحقيقهما. ليتنا استطعنا ذلك، ولكن هيهات. ولو كان بإمكاننا تحقيق مثل هذه ‏الأخوة والصداقة بين أفراد هذه الأمة لاستطعنا تجاوز هذه المشاكل والعقبات الكبيرة والضخمة ضخامة الجبال بحملة واحدة، ‏ولأسمعنا صوتنا حتى إلى النجوم في السماء. ولكن لم نستطع، أو بالأحرى لم يَدَعونا نحقق هذا، بل زرعوا الشقاق والنفاق بيننا، ‏فأصبح بعضنا أعداء للبعض الآخر ومصدر همّ وغمّ، وبدأ بعضنا يضرب البعض الآخر، وتحول كل منا إلى شخص يعاني من مأساة ‏هذا العصر. واليوم أصبح البعض منا ضد الجميع وضد كل فكر. فهو ضد كل من لا يفكر مثله، ولا ينفكّ عن معارضته وتشويه ‏سمعته. ولا نفكر أبدا بأننا إن سرنا في مثل هذا الدرب فسنبقى وحيدين وسنكون أسارى نواقصنا، ونحوّل مستقبلنا المملوء أملا إلى ‏كابوس وإلى جحيم. بينما نملك العديد من أسباب القوة تشكل أساسا لآمالنا وعزائمنا. إذن فبعضنا قد غُلبت عقولهم وقابلياتُ ‏التفكر والحكم لديهم من قبل أحاسيسهم وأهوائهم. لذا نراهم يعيشون حالة من التناقض في المشاعر، ويتعثرون على الدوام، ‏ويعيشون أزمة في أفكارهم الرئيسية. فلا يمكن أن يشكل هؤلاء أمة واحدة على الرغم من كونهم أبناء بلد واحد، لأنهم وضعوا ‏أنفسهم في مواضع معينة بحيث يهدم أحدهم الآخر... لا يشكلون أمة واحدة بل يعيشون أسرى في شباك الاختلاف والتساقط، ‏ويموتون وهم أسرى. ‏

ولا أدري، ألم يَحِنْ بعد أوان محاسبة أنفسنا كأمة؟ لأنه إن استمر عدم الإحساس هذا مدة طويلة فإنني أخشى -لا سمح الله- ‏أن ننهدم في المدى القريب ونبقى تحت أنقاض أنفسنا. والحقيقة، يجب ألا نغض الطرف‎ ‎أبداً عن مثل هذا الاحتمال، بل أن نخشاه ‏وأن نعتصم جميعا بحبل الوحدة والتضامن بقوة. إن أبرز خصائصنا كأمة، وأكثرها استحقاقا للتسجيل هي أن كل فرد من أفرادنا ‏يحمل احتراما كبيرا للآخر. وإن أفضل منابع قوتنا هو تساندنا في مستوى القلب والشعور. وكلتا الخاصتين تستندان إلى أننا نقبل ‏الآخرين كما هم ونحترم أفكارهم. وفي هذا الوقت نرسل رسائل الصداقة، ونعدّ برامج العيش مع كل أمم الأرض، فلماذا إذن ‏نضنّ على أنفسنا وعلى أمتنا بعُشر ما نبديه من استعدادنا لفتح الصداقة مع جميع الأمم في العالم ؟

ومع أننا نرحب بالصداقة مع الجميع إلا أننا نتساءل: ألا يجب علينا أن نمحو أولا مشاعر العداء والحقد الموجودة فيما بيننا؟ إن ‏وجود مشاعر الحقد والكره والعداء عند أي شخص، سواء أكان هذا متدينا أو رجل علم أو رجل إدارة أو رجل فكر أو زعيم، ‏يعد نقيصة كبيرة وعيبا. وهم بهذا يمثلون ناحية سلبية في نظر الحق تعالى وفي نظر الخلق، وفي نظر هذا الجيل الناشئ.‏

إن توقير الإنسان واحترامه من موجبات الإنسانية ومن ضروراتها، وحب الإنسان من شروط القرب من الله تعالى ومن الخلق. ‏والذين يستهينون بالناس بتصرفاتهم أو بأقوالهم يُفشون في الحقيقة مستواهم الخلُقي. كما يفشي الذين يحقدون على الإنسان ‏ويكرهونه ويعادونه نوعية ضميرهم ووجدانهم. بينما نرى أن أصحاب الخلُق الرفيع هم من المتواضعين على الدوام، يهبّون كنسيم ‏رقيق في كل مكان، ويستروح بهم الناس. وهم يَعثدّون احترام الإنسان ومحبته من أفضل الأشياء وأثمنها. ويرون أن حب الإنسان ‏للآخرين، وكونه محبوبا من قبلهم، أفضل وأثمن من ملك الدنيا. وأمثال هؤلاء ينذرون حياتهم من أجل حياة الآخرين ومن أجل ‏سعادتهم بكل همة وعزم.‏

ومن السنن الإلهية أن أمثال هؤلاء الذين يحسنون الظن بالجميع ويحملون نوايا طيبة تجاههم، يحصلون على أضعاف مضاعفة ‏لنواياهم وأفكارهم هذه. ومع أنهم لا يبغون هذا ولا يعنون أن يحصلوا على مقابل لعملهم إلا أنهم يحصلون على عشرة أضعاف ما ‏يقدمونه مستفيدين من مزايا إنسانيتهم. أما الذين تركوا أنفسهم للحقد وللعداء، فإنهم يدمرون قيمهم الإنسانية، ويزيلون موقعهم ‏في قلوب الناس. إن صرف الإنسان عمره في غمار المشاعر السلبية والسيئة عذاب لا يطاق من جهة، ودناءة من جهة أخرى. بينما ‏رؤية الجانب الإيجابي في كل شخص واحتضان الجميع بطولة من جهة، وسمو من جهة أخرى... بطولة في التحكم بمشاعر الحقد ‏والنفور والطمع. وهؤلاء الأبطال هم الذين يسيطرون على أهوائهم فيتخلصون من ذل العبودية للشيطان والعمل تحت إمرته. وفي ‏لحظة واحدة يصبحون عبادا لله أعزاء الجوانب وأسيادا في عالمهم الداخلي.‏

لقد أصبحنا -كمجتمع- منذ زمن طويل أسرى رغباتنا وعبيدا لأهوائنا، وبدأ معظمنا يتصرف بوحي من الشيطان في قيامه ‏وقعوده، ننـزعج من الجميع، ونزعج الجميع. وبهذا الأسلوب من التصرف نبتعد بسرعة -سواء أشعرنا بذلك أم لا- عن قيمنا ‏الإنسانية ونعيش أزمات في أعماقنا. أجل!.. لقد استقرت المشاعر السيئة في قلوب معظمنا، مع أن هذه القلوب عشّ وخيمة ‏للحب. فلم نعد نستطيع الآن حب الآخرين ولا احتضانهم ولا إبداء التسامح والمرونة تجاههم. وأصبحنا نلتذ بالتحطيم والتدمير ‏والتخريب، وكالبوم نقيم أعشاشنا فوق الخرائب، ونهجم على الجميع، ونسرع للتخريب برغبة وشهوة كبيرة، ونتورط بذلك في ‏آثام لا تغتفر نحو الله تعالى ونحو بلدنا ونحو الناس. وأحياناً نقترف هذه السيئات ونحن نحسب أننا نقدم خدمة نتوقع الشكر والحمد ‏والثناء من الآخرين عليها. والشمس بدأت تطلع كل يوم على ظلم أو على اعتداء وتجاوز أوهذيان، وتمر الليالي حالكات الظلام، ‏وأصبحت حالنا حال مجتمع عقد العزم على اقتراف الآثام. المشاعر الإنسانية بقيت خلف الأهواء النفسية بمسافة كبيرة، وتقدمت ‏مقاييسنا الشخصية والمزاجية على المنطق وعلى الموضوعية. أما مشاعر المحبة والتسامح فقد ذبحت تحت خناجر العداوة. أما أعداد ‏الأشخاص الذين أصدرنا بحقهم أحكاما جائرة بأفكار مسبقة فلا يعدون ولا يحصون. وليس من المعلوم ما سنفعله، ومتى سنفعله، ‏ولمن نوجه شتائمنا، ومن سنقوم بإغراقه بالإهانات. فنحن نعيش في دائرة من الجنون وفي مجتمع شيزوفيرينيا، فلا نشبع من الظلم، ‏ولا نخجل من الاعتداء ولا نكف عن اقتراف الآثام...‏

إثمُ عدمِ احترام الحق، وإثم شعور الكره نحو الناس والنفور منهم، وإثم الاستخفاف بالأفكار، وإثم بذر بذور الفرقة والخلاف في ‏المجتمع، وإثم النظر إلى كل شيء بمنظار أسود، وإثم عدّ الآخرين مجرمين وأنفسنا بريئين، واعتبار الآخرين من أهل النار أو من ‏الرجعيين، وإثم القيام بعرقلة كل خطوة إيجابية، وإثم تخريب القيم الإنسانية... الخ من الآثام. وأنا أعتقد أنه آن الأوان للتوبة من كل ‏هذه الآثام.‏

إذن تعالوا نتب من كل آثامنا مستغلّين بركة هذه الأيام التي أحاطت بنا، فنبدأ بعيش فترة تطهّر، ونعزم على احترام الآخرين، ‏والحفاظ على جميع القيم الإنسانية، واحترام أفكار الآخرين، وقبولهم على ما هم عليه، وأن ندع النـزاعات التي حدثت في الماضي ‏ولا نثيرها من جديد، ولا نجعلها وسيلة لنـزاع جديد أو خصام، وأن ندع تقسيم المجتمع إلى معسكرات مختلفة، بل لنؤكد على ‏الوحدة والتساند على الدوام. فإن كانت قلوبنا لا تزال تنبض ببعض القيم الإنسانية، وإن كانت عضلاتنا لا تزال قوية إذن ‏فليحتضن بعضنا البعض الآخر، ولنبحث عن طُرق جمْع ما سبق وأن بعثرناه من أشلائنا هنا وهناك، وكيف نوحد هذه الأجزاء ‏بقوة بحيث لا تنفصل ولا تتجزأ مرة أخرى، ودعونا نستنطق لغة القلوب التي تقربنا إلى الناس، وتوصلنا إلى الله، تاركين مشاعر ‏الحقد والعداء التي تقطع علينا الطريق كل حين.‏

إذا كان المطلوب هو تحويل هذا البلد إلى جنة وارفة الظلال -وأعتقد أنه لا توجد شبهة في هذا الأمر- فلا ينجح في هذا ولا ‏يستطيعه إلا من أقام هذه الجنة في قلبه أولا. فمن لم يستطع تخليص قلبه وعالمه الروحي من قبضة المشاعر والأهواء التي تقلل من ‏مستوى الإنسان، وتخفض من قيمته، فهو أعجز من أن يقدر على هذا، بل لو قُدّر لـه -على فرض المستحيل- أن يمر من جنات ‏الفردوس لكان من المحتمل أن يفسدها ويشوهها ويقلبها إلى سجون.‏

دعونا نضع يداً بيد مرة أخرى ونتكلم بقلوبنا ونُسمع النجومَ ما يدور في صدورنا ولا سيما في هذه الأيام التي تتزين فيها ‏الآفاق بالرحمة الإلهية، وتحتضن الأنوار الآتية من وراء الآفاق قلوبنا... نتوحد في هذه الأيام المباركة التي تتردد فيها أنفاس جبريل ‏عليه السلام، وتلتقي فيها الأدواء مع العلل والأمراض.
 
< السابق   التالى >