الرحلة المباركة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

للهجرة منذ أن وجد الإنسان -الذي لم يعرف الهدوء والسكون والدعة منذ خلقه- مفهوم بالمعنى العام، ولزمرة الصفوة من بين ‏الخلق، وللمرشدين الدالين على طريق النور مفهوم بالمعنى الخاص. ولها علاقة مهمة -في الوقت نفسه- بتاريخ المدنية.

أجل!.. فمن جانب نرى هذا الإنسان الذي يعاني الغربة في الطريق الطويل لدرب عمره الطويل منذ أن وُلد من بطن أمه، ثم ‏انتقل من الطفولة إلى الشباب والنضج، ومن الشباب إلى الكهولة فالهرم فالموت؛ ومن جانب آخر نرى المرشدين العمالقة الذين ‏ينيرون العصور بالمشاعل التي يحملونها في أيديهم... الذين يتركون بصماتهم في العهود المختلفة لتاريخ الإنسانية... والذين يرتفعون ‏بالساعين وراءهم إلى ذرى المدنية... والذين يضيئون أرواح محبيهم بشرارات صدورهم، ويهيئونهم في إقليم الإيمان والأمل إلى ‏الخلود... الذين يقومون بأفكارهم النيرة بعكس أنوار الجنة وألوانها وظلالها وتماوجها، ويزيلون كل الثقوب السوداء، ويؤسسون ‏رياض الأمل وبساتينه حتى في أشد أدوار اليأس والقنوط... هؤلاء المرشدون مسافرون أيضا ومهاجرون طوال أعمارهم... هجرة ‏لا تعرف لها نهاية أو راحة في سبيل أفكارهم ودعوتهم وعقيدتهم.‏

وعادة ما يتم ذكر ثلاثية الإيمان والهجرة والجهاد كأركان مختلفة لحقيقة واحدة في الذكر الحكيم. وهذا من أسطع الأدلة على ‏ما لهذه المسألة من أهمية، أي أهمية الإيمان ثم الهجرة والجهاد في سبيله، والاستمرار في الجهاد والنضال في البيئة الجديدة وأمام أناس ‏جدد حسب الشروط المستجدة دون أي فتور أو توقف. هذا هو ينبوع الخضر عليه السلام ذو العيون الثلاثة التي يرده هؤلاء ‏الربانيون، ويشربون منه صباح مساء. فالذين يشربون من هذا الينبوع سيمتلئون إيمانا ويقذفون بشرارات إضاءة لكل ركن مظلم. ‏وعندما تكثر الطرق وعورة، وتكفهر الأجواء، وتسود الجاهلية، لا يفكرون في مال ولا ولد، ولا بيت أو عيال، بل يخرجون ‏مهاجرين إلى بلد آخر، ومدينة أخرى.‏

ومهما كان المبدأ والدعوة سامية والفكر مفيدا وصحيحا وأصيلا، ومهما كانت الرسالة سنية ومنيرة فلا مفر من قيام السامعين ‏الجدد لها بإبداء مقاومة لها وممانعة ومعارضة، ووضع مصاعب وعراقيل أمامها. وهذا أمر طبيعي بنسبة معينة ومتوقع. لذا فإن كل ‏من أتى بإيمان ومبدأ جديد لمجتمعه، وبمُثُل جديدة وعشق وأمل جديد إما أن يستمر في كفاحه في مجتمعه بشكل ظاهر أو خفي، أو ‏يقوم باكتشاف بلاد أخرى يسقي فيها القلوب الضامئة لدعوته التي يرى أنه مكلف بنشرها وتبليغها لكونه رجل دعوة ورجل قلب ‏وعشق.‏

ففي الشق والاحتمال الأول على كل فرد وهب قلبه لفكرته ومبدئه أن يكون حذرا غاية الحذر، وأن يأخذ كل التدابير ‏الضرورية تجاه جميع العوامل السلبية الموجودة لكي يتجاوزها منذ البداية. وإلا لا يستحيل فقط تحقيق ما يأمله من تنوير وإرشاد، بل ‏قد يؤدي خطأ صغير أو هفوة إلى تفاقم الظروف الصعبة، وزيادة ثقلها وضغطها، وتلبد الغيوم السوداء في السماء إلى درجة يصعب ‏فيها العيش. ولكن من الصعب، بل قد يكون من المستحيل على جميع أفراد جماعة كبيرة تحقيق مثل هذا الأمر في كل وقت، ‏وتطبيق هذا الحذر وهذه اليقظة. في مثل هذه الظروف يكون من الضروري البحث عن مكان آخر لاستمرار الدعوة والإرشاد. ولا ‏سبيل آخر هناك.‏

من المعتاد منذ القديم أن يجد كل فكر جديد الاستنكار والاستهانة والإهانة في موطنه. ولكن كثيرا ما لقى هذا الفكر الجديد ولقي ‏ممثل هذا الفكر الترحيب والتأييد في موطن آخر لم يعرف طفولة وشباب صاحب هذا الفكر ودعوته.‏

لذا كان هذا الأمر قدرا مشتركا لجميع الربانيين والمرشدين والدعاة... الإيمان والعشق أولا... ثم النضال والجهاد ضد جميع ‏انحرافات المجتمع وأخطائه... ثم إذا اقتضى الأمر ترك الوطن والديار والبيت والتضحية بكل شيء، في سبيل السعادة الإنسانية ‏والبحث عن قلوب مستعدة أخرى، وشد الرحال من جديد في هذه السبيل.‏

كل بعث جديد ونهضة جديدة وحركة إحياء جديدة تحتوي على هذين الأساسين، وعلى هاتين المرحلتين. المرحلة الأولى هي ‏مرحلة اكتساب الفرد شخصية جديدة... شخصية ملتهبة بالإيمان، متعلقة به بوجد وبعشق، قد تجاوزت نفسها وتخطتها لتدخل في ‏عبودية خالصة لله تعالى. والجهاد في هذه المرحلة متوجه بكل أبعاده للخلاص من دسائس النفس، والتغلب على أنانيتها وهواها، ‏ولتجديد بنائها وإنشائها. لذا كان هذا الجهاد هو "الجهاد الأكبر". أما المرحلة الثانية فهي مرحلة إفاضة هذا الإيمان الذي أصبح ‏جذوة متقدة في كل قلب... إفاضته كسيل من النور على من حواليه بمختلف موجات النور والإشعاع. وكثيرا ما تترافق الهجرة ‏مع تحقق هذه المرحلة.‏

والحقيقة أنه يمكن الحديث عن هجرة قلبية وروحية في الأدوار المتعددة لهذه المرحلة. هجرة تحدث عند تحول الإنسان من وضعه ‏السابق إلى الوضع المطلوب، ومن وضعه الهامد المتسم باللامبالاة إلى الحركة والنشاط والنظام، ومن وضعه الجامد المتفسخ إلى تجديد ‏النفس وإصلاحها، والارتفاع من مستنقع الآثام الخانقة إلى حياة القلب والروح... هناك معنى ما للهجرة في جميع هذه الأدوار، ‏والشخص يعد مهاجرا في أثنائها على الدوام. ونحن نرى أن أداء الهجرة في المرحلة الثانية مرتبط بمدى أداء هذه الهجرات في المرحلة ‏الأولى بشكل تام. فمن ينجح في الهجرة من نفسه لقلبه، ومن جسمه لروحه، ومن المظاهر الخارجية الزائفة للغنى العميق، ومن ذاته ‏إلى ذاته ينجح في الهجرة الأخرى في معظم الأحيان. ومن لم يستطع هضم هذا تماما، لا يستطيع أداء الهجرة الأخرى، ولا تمثيلها ‏كما يجب.‏

أول من بدأ الهجرة بهذا المعنى الأنبياء العظام الذين يعدون أقمار الإنسانية وشموسها مثل إبراهيم ولوط وموسى وعيسى عليهم ‏السلام. ثم سلك هذا الطريق المضيء فخر الإنسانية وإمامها وسيد الزمان والمكان محمد صلى الله عليه و سلم وأبقى باب ‏الهجرة مفتوحا حتى يوم القيامة للآتين من ورائه.‏

إن الهجرة في سبيل الحق تعالى مقدسة إلى درجة أن صفة الهجرة كانت لدى جماعة المهاجرين الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم ‏في سبيل العقيدة التي آمنوا بها وفي سبيل إمامها ومرشدها أحب صفة عندهم، ومن بين جميع الصفات الأخرى خوطبوا بهذه الصفة، ‏صفة "المهاجرين"، فما أعظم هذا المعنى! وعندما بُحث آنذاك عن مبدأ لتاريخ ذلك العهد من بين المناسبات والتواريخ الأخرى، ‏كيوم ميلاد الرسول صلى الله عليه و سلم، أو تاريخ بدء الوحي، أو قيام الأنصار بنصرة هذا الدين أو معركة بدر أو فتح مكة، ‏وكلها مناسبات عظيمة، وتعدّ كل منها جوهرة على هامة الزمن، كان اختيار الهجرة أمراً له معناه الكبير الذي يجب الوقوف ‏عنده.‏

هذا وإن كل فرد هاجر من أجل مبدأ سامٍ يشعر في كل لحظة من لحظات حياته بهاجس سبب هجرته، ويحس بحجم مسؤولية ‏هذه الهجرة، فينظم حياته كلها على ضوئها. كما أن تخلصه من الأنظار المتتبعة لعورات طفولته وشبابه في مسقط رأسه سيزيد من ‏راحته ومن حركته دون أي قيود أو أي عائق، ولا يتيسر له هذا إلا بالهجرة. لأنه ما من أحد إلا وله هنات في صغره وفي شبابه ‏يمكن أن تستغل من قبل أعدائه. بينما يكتسب بالهجرة محيطا جديدا يكون فيه موضع التقدير والاحترام لأفكاره النيرة وتضحياته ‏الكبيرة. وسواء أكان هذا العامل، أو عوامل أخرى فإن الأقوام التي غيرت مجرى التاريخ وأغلقت عهدا وفتحت عهدا آخر كانوا ‏من الأقوام المهاجرة.‏

يقول علماء الاجتماع بأن معظم المدنيات أسست من قبل الأفراد والجماعات المهاجرة. وبحث المؤرخ المعروف "ارنولد توينبي" ‏وكتب عن سبع وعشرين مدنية وضعتها وأسستها الأقوام المهاجرة. وهذا إشارة إلى أن الأقوام المهاجرة هي التي أسست حكمها ‏وسيطرتها في التاريخ الإنساني طوال جميع العصور. لأنه لم يكن بمقدور أحد التصدي لأقوام يملكون مثل هذه الروح الديناميكية، ‏ولم يتركوا أنفسهم للحياة الناعمة المترفة... هؤلاء الأقوام المتهيئون على الدوام لهجر كل شيء... والمتعودون على مقارعة الخطوب ‏التي تظهر في أثناء نضالهم... الذين يعيش كل فرد منهم كجندي ينتظر أمر السفر والرحيل في كل حين... لم يكن بمقدور أحد ‏التصدي لهم.‏

هاكم إذن أول الربانيين والمرشدين والدعاة، وأول معلمي المدنية من الصحابة. وهاكم الذين أسسوا إمبراطورية من بضعة ‏قبائل! هؤلاء الناس الذين نزلوا كالصواعق فوق ظلام العصور، رأوا الراحة في مقارعة الصعاب، واستهانوا بالموت وبما وراءه لكي ‏يبقوا في حيوية دافقة، ولكي يخلدوا فقد جددوا أنفسهم في ظل مختلف الشروط والظروف، وظلوا شامخين وأقوياء على مر العصور، ‏لذا أصبحوا قوة لا يمكن التغلب عليها.‏

يا ليتنا استطعنا تخليص أجيالنا الحالية من اعتياد الحياة السهلة الناعمة، ومن هوى النفس، ليزيّنوا أرواحهم بمشاعر علوية ‏وسامية، ليتحولوا إلى ربانيين يتحملون الصعاب والشدائد ويستمرؤنها. عندئذ نستطيع كأمة التخلص من تأثير الحسابات الصغيرة، ‏والأذواق الخسيسة، فلا نغير اتجاهنا بسبب ضوائق أو مشاكل غير مهمة.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri