الصفحة الرئيسية arrow ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ arrow المعاني الفياضة من المعبد
المعاني الفياضة من المعبد طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

المعبد ترجمان سري يخاطب روح الإنسان وقلبه بلغة مبهمة وببيان سحري ويحاول إفشاء الحقائق العليا بكل لسان.‏

يشعر الإنسان في المعبد باليوم وبالأمس... بالأمس وبالأبد معا وبشكل متداخل... فكأنه يسبح في بحر واسع من فكر العبادة ‏ومنبعها ومعناها. فإن أضيف إلى هذا اللسان البليغ للمعبد خطيب عالم ومفوه فلا يمكن تصوير مبلغ اللذة الروحية التي تصل إليها ‏القلوب.

أجل!.. إن المعنى الذي تهمس به المعابد بوقار ورزانة، المترع بالإيماءات والإشارات، عندما يتحد بصوت رخيم للدعوة الإلهية ‏من مؤذن أودع حنجرته بإمرة قلبه... عندئذ نحس بهذه المعاني وهي تنسكب كغيث على مشاعرنا... وتملأ قلوبنا... فكأنها في ‏النضارة أزهار وورود تفتحت للربيع... ونحس حتى أعماقنا بفرحة الوجود.‏

كأننا صامتون أزاء الوجود خارج المعبد... وكأن قلوبنا مغلقة تجاه ما وراء الوجود... لذا نرى المعبد كأنه مؤذن يقوم بتحرير ‏مشاعرنا المدفونة في أعماقنا، ويحررها من السجن المظلم لأجسادنا ويوصل صوتها إلى السماوات السبع كخطيب مجلجل الصوت. فنحس ‏في حريمه عندما يغشى الصوتُ الصمتَ، وعندما يغشى الصمتُ الصوتَ وكأن أعناقنا قد امتدت إلى السماء وإلى اللانهاية.‏

وبنسبة تفتح القلوب للنور يثير الصوت والذكر في المعبد مشاعرنا ليقودنا من لذة إلى لذة ومن فورة إلى فورة ومن الإيمان إلى ‏العشق، ومن العشق إلى الفداء، ويكون لنا أجنحة وريشا لنعلو إلى السماء. أحياناً يهمس المعبد بلسان يفهمه الروح ويثير فيه ‏الشوق إلى اللقاء... أحياناً يُسمِعُ أرواحَنا خرير أنهار الجنة، وأنغام بلابلها ويتجول بنا تحت أشجار الجنة... أحياناً يفتح لنا ممرات ‏للوصول إلى الجمال الأزلي، ويؤسس لنا جسورا بين الدنيا والآخرة ويربط بين هذين العالمين، ويفتح أمامنا منافذ من هنا إلى هناك، ‏ويثير فينا خيالات مبهمة.‏

‏ إن ما يظهر في المعبد عند أداء العبادات والطاعات والذكر والأوراد من تكرار ظاهري في حقيقة الأمر يشبه المقاطع المكررة ‏في الشعر والنشيد يحمل المعنى الرئيسي والمشاعر الأساسية في ذلك الشعر والنشيد. وفي كل تكرار يرى الإنسان في مرآة ما يعلمه ما ‏لم يكن يعلمه، ويعيش ما يدركه بعقله مع ما يحسه في وجدانه في بوتقة واحدة وبشكل متداخل ومتشابك، فيحس في هذا التماثل ‏والعينية شيئا آخر ونضارة أخرى.‏

‏ أحياناً يرتفع صوت جديد من المنبر أو من المحراب أو من إحدى المقصورات الخلفية يتناغم مع ذلك الترتيل المتكرر المنساب ‏بهدوء ونعومة من المعبد، فنحس بأن فيضاً من الضياء والنور قد نثر فوق طرقنا وأنفاقنا وممراتنا، ونتوجه إلى بُعد آخر بإيقاع آخر ‏وكأننا تلقينا أمراً جديداً بالتحرك والمشي.‏

أحياناً تشترك وتهتف بأرواح منفعلة مع الأصوات المنسابة من المآذن والمحاريب. آنذاك يبدو المعبد وكأنه يريد ضخ كل معاني ‏السماء وروحها وعصارتها في القلوب كبلبل يغرد حتى يكاد ينشق، أو كحشرة زيز الحصادتكاد تتمزق وتنقلب تماماً إلى أصوات ‏رمزية، ولكنها لا تتمزق، بل تطفر إلى مستوى آخر من الصوت ومن النداء وتستمر دون توقف.‏

ونحن نحس أن هذه الأصوات المرتفعة من المعبد هي معاني الوجود وغايته وأساسه، نشعر بها وهي تفيض من قلوبنا كصرخات ‏مدوية، فنحس وكأن قبة قلوبنا قد خُرقت أو ثقبت فنكاد نغيب عن أنفسنا، وكأن النسائم الإلهية قد أحاطت بعالمنا الداخلي، ‏فنشعر وكأننا وصلنا إلى الشوق الأزلي للسماء مثل حزمة ضوء أو نفحة نسيم.‏

كل صوت يرن في آذاننا، وكل معنى يبدو أمام أعيننا ينشئ قبباً فخمة وعظيمة فوق رؤوسنا، فنجد انفسنا على عتبات أبواب ‏مهيبة منفتحة على عالم لانهائي. في هذه الأثناء يحس كل منا وكأنه قد انسلخ من مكانه، وارتفع وفتح جناحيه فوق الجميع وفوق ‏كل شيء، وألقى بظله فوق جماعة المعبد.‏

أحياناً تتوسع الحلقة التي نكون فيها يميناً ويساراً، وأماماً وخلفاً، وتنتشر وتمتد بحيث تضيق الأبعاد والمسافات حتى تكاد تتمزق، ‏حتى ليخيل إلينا وكأننا في طواف باللذة الحقيقية للحياة، فندرك أننا حول مطاف مجهول مع جماعة لا تُعدّ ولا تحصى من الملائكة ‏والروحانيين والجن، فنحس بلذة الوصول إلى الغاية الحقيقية من وراء الخلق، فنشعر أننا بلغنا من اللذة غايتها التي لا غاية وراءها... ‏ونعيش هذه المشاعر.‏

في كل مرة من هذه المرات التي ننغمر فيها في هذه الأحاسيس التي يبعثها صوت مختلف، وكلمة مختلفة، وتأثير أداء آخر، ولهجة ‏أخرى، يبدو لنا وكأننا نكتشف كائنات جديدة، ونشاهد صور جمال عوالم أخرى مجهولة من المنافذ المنفتحة على أعين قلوبنا، ‏فنركض من السهول إلى السفوح، ومن القمم إلى الوديان، ونحس بحاجة إلى إطلاق صرخات الفرح والبهجة ببراءة الأطفال. ‏وأحياناً ننطلق -بأمر مختلف من الرائد- إلى أقاليم أخرى ومشاهد جديدة، فنطوي التلال والجبال، ونسرح في السهول والوديان، ‏ونعانق الربيع، ونشم عبق عطور الصيف، ونحيّي الخريف، ونفتح أشرعتنا لربيع جديد.‏

يبدأ تكرر هذا المنوال على الدوام في إقليم آخر، ويتوسع في إقليم آخر مختلف، وينتهي ويختتم في إقليم آخر. أحياناً نبتعد عن ‏أماكننا إلى درجة لا نشعر فيها بأننا كنا معاً، ونطير -كما في الأحلام وفي الخيال- إلى مكان نريده، ونصل إلى كل ما نود ‏الوصول إليه بكل يسر. وننطلق إلى السماء وكأننا نتنـزه في حديقة من حدائقنا أو في بستان من بساتيننا، ونصل إلى أكثر ‏الأماكن حرمة وسرية. ولكن ما أن نصل حتى ترف أعيننا -التي تقطع علاقتها تماماً مع أي نوع من أنواع الظلام- من الفرحة ‏والحبور وكأن الوصال سيتحقق بعد خطوة واحدة فقط.‏

في مثل هذا الجو تهمس الأحاسيس والتصرفات، بل حتى الكلمات والاحاديث، وأصوات هذه الكلمات والأحاديث ونبراتها ‏والألوان وتماوجاتها أموراً أخرى ومعاني أخرى لم نعهدها من قبل ولم نعرفها. هنا عندما نرتفع من الشيء المعهود إلى غير المعهود، ‏ومن الأشياء الاعتيادية إلى الأشياء الخارقة، تصل إلينا أصوات مشاعرنا التي تتألق بصور الجمال الحي من حولنا وكأنها تقول: ‏‏"هو... هو". فيزداد اضطرام نار العشق والوجد عندنا ويزداد توهجاً. وعندما تمتلئ قلوبنا بنار عشق الحبيب تعالى تنقطع كل ‏الأصوات، ولا يبقى هناك سوى ظلال الأنوار المنعكسة من الوجود المطلق.‏

إن المعبد الذي نفخ الحياة في هذه الدنيا المباركة قد نكس رأسه، ينتظر من يفهم معانيه ويشرح خطوط روحه ومعارجها، ‏وينتظر أساتذة الكلمة واللحن من أصحاب القلوب وابطالها لكي يصل إلى الأبعاد التي أنشئ لبلوغها.‏

لا أدري من سيقوم بتعمير المعبد الذي قطع حبل ظهره، ليرجعه إلى هويته السابقة، ومن سيفتح أمامه الآفاق لكي يهدر ‏بصوته؟ ومن سيقوم باصلاح خلل أصوات الخرخشة الصادرة الآن منه ليِؤلف لحناً يسحر الأرواح والقلوب؟ من سيعيد إلينا من ‏جديد المعبد الذي فقدناه؟

لا أدري إن كان هذا باستطاعة المسؤولين أم لا... ولا أدري إن كان منشدو المعبد يستطيعون من خلف عصور عدة مصاحبته ‏بأصواتهم وأنفاسهم أم لا... هذه مسألة أخرى غير مسألة غربة المعبد المستمرة منذ عصور.‏

نحن الآن نعيش منذ سنوات في أجواء حلم نرى بشارات تحققه... حلم جيلنا... جيل الفاتح الذي سيقوم بحل هذه العقدة ‏المستعصية بضربة سيف واحدة.
 
< السابق   التالى >