الصفحة الرئيسية arrow ترانيم روحٍ و اشجان قلبٍ arrow أفكارنا ومثلنا في ظلال القبة الخضراء
أفكارنا ومثلنا في ظلال القبة الخضراء طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم هو المعنى الأسمى للخلق، وخلاصة الوجود. فهو الأول حسب شجرة الخلق وهو الأخير ‏بمعنى من المعاني. فكأن الوجود نُظم كأبيات شعر باسمه، وكأن وجوده وجسده كان الكلمة الأخيرة من هذا الشعر. كان تشريفه ‏للدنيا رمزا لولادة الإنسانية من جديد. أما نبوته فكانت وسيلة لظهور المعاني والقيم الحقيقية للأشياء والحوادث، وهجرته طريق ‏خلاص الإنسانية، ورسالته جسرا لسعادة الدنيا والآخرة. وصلت بفضله القلوب المؤمنة إلى مشاهدة الوجود كمعرض، والقيام ‏بتقييمه على هذا الأساس، وعلى تفسيره بعد قراءته ككتاب، والعثور في إقليمه المضيء على الطرق المؤدية إلى الحق تعالى. والذين ‏عثروا على الحقيقة بواسطته وبه، يتنفسون على الدوام معاني الأبدية والخلود. والذين وُهبوا المعرفة العميقة بسيرته حصلوا على ‏عصارة كل العلوم ولبّها.

وعلى الرغم من مرور كل هذه السنين والأعوام فهو لا يزال يلتمع في أفق حياتنا كشهاب وكنجم جديد، بل كشمس لها ‏القدرة على إضاءة الوجود كله، بل هو في الحقيقة منبع ضياء قوي يستطيع تتويج الشمس. حدود وأفق وظيفته منبع حكمة تهب ‏شعور العبودية للقلوب، أما روحه المشبع بالحب فيربط جوانب الوجود بعضها ببعض.‏

كلما خطا الإنسان إلى جو يحيط بما يذكّر به أحس بأن دمه يجري بالحب. وما أن يخطو إلى جوه وإقليمه خطوة واحدة حتى ‏يجد نفسه في منتصف الطرق الموصلة إلى الله. أما زيارة قريته فهي بمثابة مرسى وميناء ونقطة انطلاق إلى عصر النور. والذين يؤمنون ‏بنقطة الانطلاق هذه يصلون إلى شرف اللقاء به، وتمتلئ أرواحهم بالشوق إليه. ومهما كان عدد الزيارات التي يقوم بها الشخص ‏لمرقده الأخضر الطاهر المتناسق الذي ينبعث منه الحب والجمال والرومانتيكية والشعر -وكأنه في مغتسل موسيقي- يشعر في كل ‏زيارة بعمق وغنى وخصوصية ذلك الجو والعالم الذي يحيط به، ويستسلم قلبه لعالم الوصال، ويشعر بتغير في نبض الحياة من حوله، ‏ويجد نفسه في خضم متلاطم من عواطف متداخلة من الفرح والحزن.‏

أجل... في هذا المكان الذي تجلله المهابة، والذي يحيط به المعبد المبارك، والقبة الخضراء التي تبدو وكأنها تريد الانطلاق نحو ‏سدرة المنتهى، يغرق الإنسان على الدوام في بحر من الأفكار حول أحوال العالم الإسلامي، وتحيط به مشاعر عميقة، وتملأ قلبه ‏عواطف متأججة وملتهبة. أحياناً يحس الإنسان أن ضبابا يلف هذا المكان المبارك، وأن حزنا ينتشر في أرجاء هذا المعبد، وتبدو القبة ‏الخضراء آنذاك وكأنها جواد أصيل وقف على قائمتيه الخلفيتين تتحدث مع أرواحنا، أو كأنها فتحت يد الضراعة نحو السماء خلف ‏الثاوي المبارك قربها... تمد يد الضراعة نحو السماء وتتوسل، وتذكّرنا بأيام الهجران والحسرة. يحدث أحياناً كأن نورا يغمر كل ‏مكان هناك، فيتحول المسجد إلى هالة مثل هالة القمر، وتبدو القبة وكأنها تقدم تحيات الفرح لأهل السماء. وأحياناً يبدو منظرها ‏المتوجه إلى السماء في حالة ترقب وانتظار عميق ومؤثر إلى درجة أنك تتخيل هذه القبة الخضراء وكأنها ترجمان لآلامك وأحزانك، ‏أو تتوهمها وكأنها تغني أشعار الغزل الفرحة. وفي غمرة صمتها العميق، وانفعالها الصامت تسمع ما لا يُسمع وتشعر ما لا يُشعر، ‏وتحدس ما لا يُحدس، فتحس وكأنك تجاوزت أبعاد المكان الذي أنت موجود فيه، وأبحرت في بُعد وفي عمق آخر.‏

تبدو القبة الخضراء والمعبد المبارك الذي يحيط بها -مع الجبال والتلال الصغيرة والكبيرة حواليها- في تناغم تامّ مع السهول الواسعة ‏والصحراء الممتدة والواحات التي تهب فيها نسائم كأنها قادمة من الأبدية، حتى لتبدو وكأنها قد صُممت في السماء ثم رسمت على ‏الأرض. أجل فالقبة الخضراء أعمق حتى من أعمق زرقة في السماء، وقطعة محفوفة بالأسرار. فكأن أسطر وصفحة كتاب الطبيعة التي ‏تكون هذه البقعة المباركة قد اختيرت بدقة، ووضعت بعناية في محلها وفي موقعها، حتى كأنها نقطة التقاء السماء مع الأرض، ونقطة ‏التقاء العديد من الأشياء المادية والمعنوية. أما القلوب المفتوحة لصاحب هذا المكان -جعلت أنفسنا فداء لـه- فما أن يلجوا ويتنسموا ‏جوه حتى يحسبوا أنفسهم، وكأنهم بدأوا يخالطون أهل السماء. وما أن يُقبل الإنسان على المواجهة التي تعد البستان الخاص وحديقة ‏العشاق حتى تثور عنده المشاعر، ويحس بأن قلبه على وشك التوقف، ويتصاعد الانفعال في قسمات الوجوه الطاهرة. والحقيقة أن عدد ‏الذين توفوا هناك بالسكتة القلبية ليس قليلا.‏

كانت المواجهة على الدوام بالنسبة للعشاق مرفأ ونقطة انطلاق نحو الأعالي. وكل من وصل إلى هناك من أصحاب القلوب ‏العاشقة يبدو وكأنه دخل إلى دهليز من زمان سحري، وفتح جناحيه إلى السماوات العالية أو أبحر في بحار واسعة... يدخل وكأنه ‏يستمع إلى شعر حول جمال تلك البقعة المباركة وإلى براءتها التي هي فوق كل براءة، ويعبّ من هذا الجمال كأنه يعبّ من ماء ‏الكوثر. ويشعر في كل لحظة تمضي بلون جديد من السعادة.‏

الزمان عند المواجهة مضيء وساحر ومفتوح للخيال إلى درجة أن كل صاحب فؤاد ذكي وصل إلى هناك يتخيل وكأنه يرى ‏الوجه المشرق الطاهر للنبي صلى الله عليه و سلم، ويحس بجزء من انفعالات صدره المتفتح للوحي، ويتخيل أنه يسمع صوت أبواب ‏السماء وهي تنفتح، وأصوات رفرفة أجنحة جبريل عليه السلام، وأصوات تلاوة مهيبة للقرآن وهي تتردد، فيحس وكأنه قد تبلل ‏من رأسه إلى أخمص قدميه بمطر الرحمة من ذلك العهد السعيد، فلا يملك نفسه من التناغم مع هذا الجو، فتذرف عيونه دموعا ‏ساخنة. وعندما يحس أن أحاسيس الروضة الطاهرة قد طوقته وأحاطت به بعمق، يتمنى أن يذوب وأن يسيل إلى تلك الروضة ‏الطاهرة.‏

والحقيقة أن كل ما يراه الإنسان هناك ويحس به يتصف بأنه عميق، ويخاطب سريرة الإنسان وقلبه. المكان هناك وكل شيء لا بد ‏أن يهمس للإنسان شيئا. وبجانب بكاء العاشقين وأنينهم ترى الأعمدة المحظوظة الصامتة هناك، والبسمة الحزينة المشاهدة في حال ‏‏"المواجهة" التي يرسل من خلالها الضريح المبارك -المطاف القدسي للأرواح- البسمات إلى عيون خيالاتنا مثل صاحب بيت مضياف ‏ووفي... هذه البسمات دافئة ومؤثرة إلى درجة أن صاحب كل فؤاد ذكي يحس تجاه هذه المعاملة الخاصة والسرية وكأنه وصل إلى ‏الخلود.‏

والذين يحسون في قلوبهم، وينظرون إلى هذا الدرب الملائكي بهذه العين، ويفهمونه بهذا المعنى، يخيل إليهم أنه لا يوجد هناك أي ‏شيء حي أو أي جماد، بل صمت تلفه ألوان المهابة، وكأن هناك انتظارا عاما ضمن جو انفعالات الزيارة. فما أن يخطو أي زائر ‏الخطوة الأولى إلى ذلك المقام حتى يجد نفسه تحت تأثير ذلك الجو ويبدأ بالإنصات إليه. أما الروضة المطهرة فتبدو وكأنها تقدم ‏أسلوبها وصمتها أنموذجا لهم، وتفتح في عالم عواطفهم خمسين نوعا من المنافذ لأحاسيس وعواطف بِكر لم يعرفوها، ولم يتذوقوها ‏من قبل.‏

يلقى الإنسان في حضن الروضة المطهرة على الدوام سحرا يبرق أمام العيون ويلف القلوب، فيحس بنسائم عالم جديد في ‏أحاسيسه وفي أفكاره، فيلج من أبواب خيالية في أعماق قلبه إلى عوالم غامضة تلفها الأسرار، فكأنه يسمع من منبر الأرض تلك ‏الخطبة الخالدة -التي شكَّل كلامُ الحق تعالى بيانه- من فم سيد الفصحاء، وتفعم السعادة قلبه لكونه من أمته، فيهوي إلى الأرض ‏ساجدا سجدة الشكر.‏

لا شك بأن مثل هذا الحدس والاستماع بأذن القلب، ومثل هذه الانفعالات والعواطف والأذواق تظهر وتأتي نتيجة تفاعل ‏وتجمع وتراكم العقيدة مع قناعة وتوجه كامل ومع حدس عميق. فما أكثر ما تستطيع الروضة المطهرة والمسجد النبوي وموطن ‏النبي صلى الله عليه و سلم وموطن العاشقين من نفث للمعاني في روع هؤلاء الذين ملكوا مثل هذه العقيدة والقناعة والتوجه وهذا ‏الحدس.‏

أجل فللروضة المطهرة بالنسبة لزوارها الذين أكملوا وأتموا تركيزهم القلبي والروحي موضع هام في عالم أحاسيسهم ‏وانفعالاتهم، ولها موقع خاص متميز بكل تفصيل من تفاصيله... بِصَمْتها المهيب، ومنظرها الوقور وعمقها اللدني... كأنها تنشد ‏شعر الوجود وتومئ إلى العالم الآخر... كأن كورس السماء ينشد هناك أعذب ألحان الموسيقى، ويضع في قلوب المتوجهين إليها ‏جمرة العشق، فيعيش كل واحد منهم فترة لذة العشق والوصال، ثم تغيب مرة في ذلك الصمت العميق، وتتركك في وحدة حزينة ‏وسط خيمة الوصال، وكأنها لم تفتح لك قبل قليل أستار الأسرار... تتركك وحدك وترجع إلى حالها البكر السابق... تتركك ‏ولكنها لا تهمل الدعوة الثانية لقلبك.
 
< السابق   التالى >