أفق القرآن الساحر طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 8
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

القرآن هو الضوء اللامع للكلمات والحروف في عالم الأزل والأبد. هو صوت الملكوت الذي يخاطب فكر الإنس والجن ‏ومشاعرهما. وعندما أتى اليوم الموعود وتحول إلى لؤلؤة خارقة الجمال في أجمل صدفة وأنقاها، رأى فيه أبطال البلاغة والأدب جمالا ‏لا يبهت، وحسنا لا يزول. وسيبقى هذا الكون الكبير الذي هو معرض للجمال والفن والألوان الإلهية المتناسقة والمتناغمة موطن ‏الخوف وبلد الرعب تجول فيه العفاريت والأرواح الشريرة، مع أنه - أي الكون- يُعَدّ كتابا يفشي كلُّ سطر فيه سرا من أسرار ‏الملأ الأعلى، وستبقى سطور هذا الكون وأوراقه مبعثرة ومتشتتة حتى يأتي اليوم الذي يتحول فيه القرآن إلى نور ينهمر على وجه ‏هذا الوجود. ويُجمع الناسُ -عدا أصحاب الأفكار المسبقة- أنه عندما أشرق القرآن كشمس ساطعة، تبددت الغيوم السوداء التي ‏كانت تجثم على الدنيا، وظهر الجمال الباهر للوجود، وانقلبت جميع الأشياء إلى فقرات وجمل وكلمات لكتاب ممتع ومؤنس ومبهج ‏لقارئه. عندما رَنّ صوته انهمرت الأنوار على عيون القلب، وبدأت المشاعر التي فارت في الأرواح وتوهجت، والألسنة التي ‏أصبحت ترجمانا لهذه المشاعر بإنشاد أناشيد النور.

أجل !.. فاعتباراً من اليوم الذي أضيئت به العيون والقلوب وتنورت، كم من لغز في الكون كان ينتظر الحل منذ آلاف ‏السنوات، وكم من مشاكل معقدة متداخلة بعضها مع البعض الآخر كانت تنتظر الحلول حلت الواحدة منها إثر الأخرى، ‏وظهرت العلاقة الصحيحة بين الإنسان والوجود والخالق واضحة وضوح البدر التمام، ولبست كل الألغاز والمعميات لباس المعاني ‏وانتظمت في مدارات الحكمة.‏

القرآن هو قمة الفكر المتين والصحيح، وأساس التعبير الدقيق، وقاعدة للتعبير المنطقي. وكما كان هذا الفرقان العظيم سيد ‏الكتب السماوية وغير السماوية كان المخاطب الأول لـه سـيد الأنبياء والمرسلين. الكتب السابقة جاءت لكي تضع إشارات ‏على طريقه وأعلاما، أما الكتب التي جاءت بعده فلكي تقوم بشرحه ووضع الهوامش والحواشي، كلٌّ حسب خريطة روحه وغنى ‏ذلك الروح. عَرَفَه مَنْ قَبِلَه بصورته التي بَشّر بها الأنبياء هذه الرسالة، وعرفه الذين جاءوا مِن بعده بصورته المنـزلة الملموسة، ورأوا ‏التأثير الكبير الذي أحدثه، والانقلاب العظيم الذي حققه، فانحنوا أمام بلاغته التي لا تضاهى، واعترفوا بأنه سلطان الكلمة ‏والإعجاز البلاغي. وعندما كان القرآن يتنـزل إلى الدنيا بموجات مختلفة من الأنوار لم يَصرِف أصحاب القلوب النيرة نظرَهم عنه ‏أبدا، ولم يلتفتوا عنه، بل ارتبطوا به بكل جوارحهم وأرواحهم. أجل!.. بينما كان ينـزل من السماء كشلال ليملأ القلوب ‏العطشى، فتح أصحاب القلوب الواعية صدورهم له ولم يضيعوا قطرة واحدة منه.‏

استطاع هذا القرآن أن يوصل صوته إلى أبعد زاوية من زوايا الدنيا في قفزة واحدة، وأن يسكت كل أصوات الشؤم، وأثار في ‏كل فكر يبتغي الحق ولا يملك فكرا أو حكما مسبقا عواطفَ جياشة كأنها أصوات خرير الكوثر، وأطفأ في القلوب التي فتحها ‏نيران الهجر، وفجّر في كل روح أمل الوصال والشوق إليه. الطبائع الباردة تحرَّك بها نبضُ الحرارة، أما القلوب المتولهة برغبة الأبدية ‏والخلود فقد أنست به واطمأنت إليه.‏

وإذا كان هناك من بقي جديدا ونضر الألوان على الدوام في هذه الدنيا الفانية التي يَقدُم فيها كل جديد ويبلى فيها كل نضر، ‏ويبهت فيها كل لون، فهو القرآن. فهو الكتاب الوحيد الذي استطاع أن يقف منذ نزوله في وجه جميع الأعاصير والعواصف التي ‏هبت، والأمطار والثلوج التي سقطت، وفي وجه جميع الظروف القاسية التي ظهرت وبدت أمامه. واستطاع أن يحافظ على أصله ‏ككتاب سماوي وحيد دون تغيير أو تحريف. لذا فما أن يرتفع صوت القرآن من حنجرة قارئ حتى نشعر وكأنه نزل الآن من ‏السماء وكأننا مدعوون إلى وليمة إلهية آتية من الجنة، وعندما ينثر اللآلئ تشعر القلوب المؤمنة أنها قد سَمَتْ واستغنت عن جميع ‏ثروات الدنيا. القرآن قلادة بيان منظومة من الكلام الإلهي، وفيض من العلم الذي يشكل الحدود النهائية للإدراك البشري، وخارطة ‏لكل الوجود مرسومة ومزينة ومحاكة بالحرير اللاهوتي. عندما يُسمَع صوتُه في أي بقعة يبدو كل كلام وكل تعبير آخر نوعا من ‏الضوضاء لا غير. وفي البقاع التي ترتفع فيها أعلامه يغمر النور قلوب المؤمنين، وتنـزل الحجارة على رؤوس الشياطين، ويعيش ‏الربانيون هناك أعيادا دائمة.‏

ربط الله تعالى رب العالمين ذو القوة المتين سعادة الدارين بإرشاده وتوجيهه. فلا يمكن الوصول إلى الهدف من دونه، ومن يستغن ‏عن إرشاده ووصاياه ولا يلتجئ إليه ضائع في الطرق وتائه. هو آخر وأكمل كلام يهدي من اتبعه وسار في إثره، ويوصله إلى الغاية ‏والهدف دون خطأ أو انحراف. ومع أنه يُتلى بكل سهولة صباح مساء فلا يُستطاع الإتيان بمثله. ومن يستمع إليه بأعماقه يشعر أنه قد ‏سمع كل ما يجب سماعه، ومن ذاق هذه اللذة يصبح مطمح النظر الإلهي، وأصوات هؤلاء تتداخل على الدوام مع أنفاس الملائكة.‏

حتى نزوله وتشريفه للأرض كان كل نبي يشعل مشعل الهداية التي يحملها من مصدر نوره وضيائه، ويحول الصحارى القاحلة ‏حوله بقطرات قليلة منه إلى جنان وارفة الظلال.‏

بل إن العصور المظلمة التي جال فيها ظِلُّه أصبحت عصورا ذهبية. اما العصور التي تعرفت به عن قرب وعاشته فقد تحولت إلى ‏ما يشبه الجنة. من وهب نفسه لـه سما إلى مرتبة الملائكة، وأصبح كل ما في الكون من أحياء وجماد أليفا عنده.‏

مَنْ فهم القرآن حق الفهم تصبح البحار الواسعة كقطرة ماء أمام ما يرد إلى صدره من إلهام. والعقل الذي تنور بنوره تتحول ‏الشمس تجاهه إلى مجرد شمعة. أنفاسه التي نشعر بها في أعماق قلوبنا تحيينا، وضياؤه الذي يغمر الأشياء يجعل كل موجود برهانا ‏للحق تعالى. من يصله صوته -وإن كان في أبعد أرض وأخفاها- دبت فيه الحياة وكأنه سمع صور إسرافيل. والقلوب التي تستمع ‏لصوته وبلغته الخاصة به يتوثب حركة ويحيا وكأنه يستمع إلى نغمات من جبريل، ‏هَذَا بَصَائِرُ للنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَومٍ يُوقِنُونَ‏ ‏‏(الجاثية: 2). أجل هو بصائر ورحمة للذين لم تمت قلوبهم.‏

لم يكن القرآن في أي يوم من الأيام -مثل غيره من الكتب- كتابا بقي ضمن إطار زمن أو مكان معين من طفولة الإنسانية. بل ‏هو معجزة كبيرة وشاملة وغنية تتجاوز كل الأزمنة والأمكنة، وتلبي جميع المطالب الإنسانية بدءً من العقائد وانتهاءً بأصغر الآداب ‏الاجتماعية. وهو بعمقه هذا يستطيع حتى اليوم تحدي الجميع وتحدي جميع الأشياء.‏

قام في العهد الذي نزل فيه بمواجهة جميع اعتراضات مخاطبيه، وتحداهم أن يأتوا بكتاب، أو حتى بسورة أو بآية من مثله. ذُهل ‏منه المعارضون الأولون له، وسُحروا من بيانه ومن بلاغته، حتى اتهموا الرسول صلى الله عليه و سلم بأنه ساحر، وأنه شاعر. وإزاء ‏أخباره الغيبية التي أتى بها من وراء الأستار فقدوا صوابهم فقالوا عنه إنه كاهن، ولكنهم عجزوا تماما عن الإتيان بمثله. أيْ أن أبطال ‏الشعر والنثر والخطابة وأعلامها من معارضيه اضطروا إلى الصمت والخرس والانسحاب إلى جحورهم. أما منكرو هذا العصر ‏المعاندون الذين ورثوا روح المعارضة والإنكار من هؤلاء السابقين، إلا أنهم على الرغم من كل أنواع الديماغوغية والديالكتيك ‏وجميع أنواع المجابهة والاعتراض لم يستطيعوا إنجاز شيء خارج إظهار العجز والغضب. تغيَّر الزمان وتعاقبت العصور واختلفت ‏القناعات ووجهات النظر، وحميت حدة المعارضة والصراع، ولكن القرآن لا يزال واقفا كالطود الشامخ، وكالبحر الواسع، ‏وكالسماء التي لا تحدها حدود تجاه جميع المعارضين وتجاه جميع الاعتراضات. وهو مستمر في بث روعه وروعته في القلوب، وفي ‏هداية العقول. منذ نزوله قبل أربعة عشر قرنا وتربعه على عروش قلوبنا تقلبت عهود كثيرة ظهر فيها العديد من مشاهير البلغاء، ‏ومدارس فكرية عديدة، ونظم عديدة وفلسفات مختلفة. وقد حاول العديد منها هدم القرآن واستعملوا لهذا الغرض كل ما لديهم ‏من وسائل ومن سحر الكلام من بيان ومن بلاغة لهدم القرآن، وخاضوا على الدوام غمار الحرب معه. ولكنهم غُلبوا على الدوام ‏وارتدّوا على أعقابهم خائبين أمام الأسس القوية المتناسقة والمنطقية التي وضعها للكون وللوجود وللإنسان، والإيضاحات العميقة ‏لهذه العلاقات. أجل لقد أتى القرآن بنظرة متميزة للكون وللأشياء وللإنسان بأسلوب غاية في الروعة والسحر. لأنه يتناول الإنسان ‏ككل ضمن الوجود بأكمله، ولا يهمل أيَّ شيء، بل يضع كل شيء مهما كان صغيرا في مكانه المناسب. الأجزاء فيه مرتبطة ‏ارتباطا وثيقا ودقيقا بالكل، والأجوبة المختلفة عن أدق الأسئلة التي تخطر على بال الإنسان في هذا المعرض الكوني الهائل ترد فيه. ‏وبينما يقوم بتحليل أدق المسائل الموجودة سواء في عالم الشهود أم فيما وراء الأستار حتى أدق تفاصيلها، لا يدع هناك أي تردد أو ‏شبهة أو علامة استفهام في العقول. أجل! إن القرآن في جميع هذه التفاصيل الدقيقة التي يوردها لا يدع أي فراغ في هذا الموضوع ‏لا في العقول ولا في القلوب ولا في المشاعر ولا في المنطق، لأنه يحيط بعقل الإنسان وبأحاسيسه وبمشاعره وإدراكه بشكل يجعل ‏الإنسان وهو تحت تأثير هذا العشق يكاد يخرج من هويته الإنسانية متوجها إلى الذات العلية. ومثل جميع السائرين في الطريق إلى الله ‏تعالى ينتقل من الدهشة إلى الذهول ومن الذهول إلى بحر من العواطف المتلاطمة التي تجعله ينحني من الخشية وهو يقول ‏قُلْ لَوْ ‏كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً‏ (الكهف: 109). إذن فهذا هو ‏القرآن... المفتاح الذهبي لخزائن الكلمات التي لا تنفد ولا تنتهي. والإيمان هو شفرات أو أسنان هذا المفتاح السحري. ولا أعتقد ‏أن من يملك مثل هذا المفتاح وهذه الشفرات سيحتاج إلى أي شيء آخر بخصوص مسائل القواعد والأسس العامة المتعلقة بالإنسان ‏والوجود والكون.‏

ولا يتوهمن أحد أنني بكلماتي العاجزة هذه أقوم بسرد مديح للقرآن، فمن أنا لكي أمدح القرآن!! وكما قال الشاعر:‏

من يستطيع وصفه سوى الله الوصّاف؟‏
الملائكة الكرام المصطفون صفا صفا،‏
‏يصفونه ويعظّمونه حتى تحسبهم في طواف...‏

وقد يظهر من لا يستطيع رؤية هذه الميزة الخارقة في موضوع البلاغة وجواهر الكلام، ولكن من الواضح أن كل من يستعمل ‏ضميره يعلم أنه لم يخطئ في أي وقت في هذا الصدد، ولا سيما إن أجال ناظريه وشاهد التأثير العالمي للقرآن.‏

لقد أحدث القرآن في أول عهده بالنـزول وأول عهده بتشريفه الدنيا تأثيرا لا يمكن تصوره في الأرواح وفي العقول والقلوب ‏أيضا، بحيث أن درجة الكمال التي وصلت إليها الأجيال التي نشأت في جوه النوراني كانت معجزة قائمة بذاتها لا نحتاج معها إلى ذكر ‏اي نوع آخر من معجزاته. ولا يمكن العثور على أي أمثال لهم في مستواهم من ناحية التدين والتفكير وأفق الفكر والخلُق ومعرفة ‏أسرار العبودية. فالحقيقة أن القرآن قد أنشأ جيلا من الصحابة آنذاك لا نبالغ إن قلنا إنهم كانوا في مستوى الملائكة. وحتى اليوم فهو ‏يقوم بتنوير قلوب المتوجهين إليه الناهلين من نبعه، ويهمس في أرواحهم أسرار الوجود. والذين يَدَعون أنفسهم بكل أحاسيسهم ‏ومشاعرهم وقلوبهم وقابلية إدراكهم تسبح في جوه الذي لا مثيل لـه سرعان ما تتغير عواطفهم وأفكارهم، ويحس كل واحد منهم ‏بأنه قد تغير بمقياس معين وأنه أصبح يعيش في عالم آخر. أجل! ما أن يتوجه إليه الإنسان من كل قلبه، حتى لا يستطيع بعد ذلك ‏الخلاص من تأثير سحره وجاذبيته. إن القرآن يتناول الطالب الذي جذبه نحوه فيعجنه ويشكله من جديد ويجعل منه شخصا آخر ‏تماما... شخصا رقيقا ذا حساسية مرهفة، إلى درجة أن الإنسان يتأكد بأن أي تغيير لا يكون إلا به، بل يمكن في أحيان كثيرة تحقيق ‏العديد من الأمور والتي كان يخيَّل من قبلُ أنها مستحيلة التحقيق، حيث تتحول هذه الأمور في ظله إلى حالة اعتيادية مما يُذهل الجميع. ‏والقرآن يقول: ‏وَلَوْ أَنَّ قُرآناً سُـيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اْلأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ للهِ اْلأمْرُ جَمِيعاً‏ (الرعد: 31) لأنه ‏أجرى في القلوب والعواطف والأحاسيس وفي العقول تأثيرا بالغ المدى بحيث أن هذا التأثير لا يقلّ غرابة عن تسيير الجبال أو عن ‏تقطيع الأرض أو تكليم الموتى، أو عن إحياء أجساد بالية منذ آلاف السنين.‏‎ ‎

كان كل صحابي بطلا في عالم القلب والروح، وكان مجتمع الصحابة مجتمعاً متميزا مباركا نشأ في ظل فيض وبركة القرآن. ‏واستطاع هؤلاء الصحابة إجراء تأثير عميق وكبير على خُمس البشرية، حتى أن عملهم هذا ما كان يقلّ من ناحية الروعة والخارقية ‏عن قلع الجبال عن أماكنها أو سقي الأموات ماء الحياة أو ربط السماء بالأرض. وما كان هناك أي مجتمع آخر يمكن مقارنته ‏بمجتمعهم الفريد هذا. فهؤلاء الصحابة الذين عُجنوا بروح القرآن، وتشكلت أنفسهم حسب مبادئه السماوية، أي أصبحوا من ‏ناحية الروح والمعنى ترجمانا للقرآن، استطاعوا تحقيق المستحيلات وفتحوا به طرق الخلود أمام الأرواح الميتة، وغيروا وجه الدنيا، ‏ونقلوا الإحساس بلذة عالم الروح إلى المجتمعات التي احتكوا بها وتعرفوا عليها، وكسروا الأقفال الموجودة على الأفكار وفوق ‏الأفواه، ورفعوا الإنسان مرة أخرى إلى المرتبة الرفيعة التي رفعه الله إليها وشرفه بها، وقدموا نظرة جديدة وتفسيرا جديدا لموقع ‏الإنسان في الكون بين الموجودات، وركّزوا الأنظار على السر العميق الموجود بين الأوامر التكوينية وبين القواعد الشرعية، شارحين ‏وموضحين الغاية والحدود النهائية للقلب والإرادة والأحاسيس والمشاعر، ومحركين وباعثين أصول وأسس القيم الكامنة والنسبية ‏الموجودة في روح الإنسان، لكي يوجهوا الإنسان العادي إلى طريق الإنسان الكامل. فنجحوا في جعل الإنسان يحس في كل ما يقع ‏بصرُه عليه أو يصل إليه بأحاسيسه، أو يشعر به في قلبه، بأصابع الإرادة الإلهية والقدرة اللانهائية، أي يربط كل شيء ويرجعه إلى ‏صاحبه الأصلي.‏

‏ إن كان المؤمن ثاقب النظر متفتح البصيرة يقظ الروح والأحاسيس مرتبطا بالله بفكره وتدبره، يكون قد ابتعد تماما عن ‏سطحية الارتباط بالجسد وبمطالبه، وينظر إلى الحياة من زاوية أخرى ويرى لها طعما آخر، أيْ ينتبه إلى ما وراء أفق هذه الحياة. ‏ومثل رجل الحقيقة هذا يرى ويشاهد في كل شيء في هذا الوجود العلم الإلهي مرفرفا عليه، ويد القدرة عاملة فيه، فيحس برجفة، ‏وتتداخل في نفسه مشاعر الأمل والقرب مع الخشية والرهبة. ومع كونه يعيش في الدنيا إلا أنه يحس وكأنه في ذروة من ذرى ‏الآخرة. عندما يأخذ نفسا يحس بالأمل والترقب، وعندما يعطي نفسا يحس بالمخافة والمهابة. ويتجول دائما في الساحة التي رسمها ‏القرآن ويعيش حياته في ظلال القرآن وألوانه.
 
التالى >